«نَفْس» بديع وأنيق… من أذربيجان

ترانة محمد

قراءة للأديبة والمترجمة ترانة محمد في رواية «نَفْس» للصحفية والكاتبة والناشرة المرموقة زيمفيرا محرملي

«إن أصحاب الضمير الحي والعقول المفكرة لا ينعمون أبدًا بحياة سهلة». هذه الكلمات مقتبسة من العمل الأدبي الجديد للكاتبة البارزة زيمفيرا محرملي، الذي صدر حديثًا تحت عنوان «نَفْس».

تبدو هذه العبارة، منذ الصفحات الأولى، وكأنها تهيئ القارئ لمواجهة أحداث الحياة غير السارة التي سيصادفها في الرواية.

تتمحور الرواية حول إحدى مشكلات العصر الحديث، وهي مشكلة الأسرة، التي تُعد من أكثر القضايا خصوصية وتعقيدًا، وربما أخطرها، متناولة أسباب نشأتها وسبل معالجتها.

قد تبدو حكاية فتاة شابة ذكية ومهذبة ومتعلمة، نشأت وترعرعت في أسرة مثقفة، ثم وقعت في حب شاب يختلف عنها كثيرًا وارتبطت به، حكاية عادية ومألوفة في الحياة. لكن الكاتبة، بمهارة في تصوير تطورات الأحداث، تنسج حبكة مشوقة، وتعرض للقارئ بالتفصيل مسيرة الحياة الشاقة والمليئة بالعواقب التي اجتازها هذان الشابان.

وتفعل الكاتبة ذلك ببراعة تجعل كل شخصية من شخصيات الرواية، على اختلاف طبائعها، تترك أثرًا في ذاكرة القارئ بفضل سماتها الفردية المميزة.

وتكتب المؤلفة: «إن من يسلك الطريق الصحيح يكون حمله ثقيلًا دائمًا»، مؤكدة أن قول الحقيقة والسير في الطريق المستقيم ليسا أمرين يستطيع كل إنسان القيام بهما.

وقد أسندت السيدة زيمفيرا في روايتها هذه المهمة الشاقة والمسؤولة إلى المرأة. فبطلة العمل، أينور، تظل دائمًا وفية وصادقة، ولا تحيد أبدًا عن طريقها القويم.

لكن هذا لا يعني مطلقًا أن زيمفيرا محرملي تحاول، بدافع التضامن النسائي، أن ترسم صورة إيجابية للمرأة وصورة سلبية للرجل.

على الإطلاق!

ففي الرواية أيضًا شخصيتان نسائيتان سلبيتان، تستخدمان شتى الحيل لتدمير أسرتي شقيقين. وهما ياسمين ونورا، اللتان أبدعت الكاتبة في رسم ملامحهما، وربما كان لهما نظير حي في واقعنا المعاصر.

أما بطل الرواية الذي يخون أسرته والمرأة التي يحبها، فيحاول تبرير سلوكه بالقول إن كثيرًا من الرجال الأثرياء في عصرنا يعيشون بالطريقة نفسها؛ فهم لا يكتفون بإقامة علاقات عاطفية مع نساء خارج إطار الزواج، بل قد تنجب إحداهن طفلًا منه أيضًا.

يا له من أمر مخيف!

وما علاقة الوفاء والإخلاص والثقة بالزمن أو العصر؟ ثم لماذا تستطيع المرأة التي تعيش في العصر نفسه أن تظل وفية لأسرتها وحبها، بينما يعجز الرجل عن ذلك؟

تلفت الانتباه في الرواية صورتان لأمّين؛ إحداهما تستخدم ما تملكه من مال وماديات من أجل إسعاد أسرتها، والأخرى تبيع نفسها للمال والثروة، فتكون سببًا في تعاسة أبنائها.

فهل يمكن أن تكون النظرة المختلفة إلى الحياة لدى الأبناء (إحداهما ابنة والأخرى ابن) نتيجة مباشرة للتربية التي تلقاها كل منهما على يد أمه؟

وهل يمكن أن يكون اختلاف التربية الذي نشأ عليه هذان الابنان، ثم اجتماعهما في أسرة واحدة، سببًا في أن ينتهي بهما المطاف حتمًا إلى انهيار تلك الأسرة؟

تطرح الرواية أمام القارئ أسئلة كثيرة، وتدفعه إلى التفكير والتأمل.

وفي تقديري، فإن العنوان الذي اختارته المؤلفة لعملها يستحق اهتمامًا خاصًا أيضًا.

فـ«النفس» في معناها العام هي مجموع الرغبات الداخلية والأهواء والشهوات والطمع لدى الإنسان؛ إنها قوة إنسانية يمكن أن تتجه نحو الخير أو تنحرف نحو الشر.

وفي هذه الرواية نرى كيف تنحرف هذه القوة نحو الجانب المظلم. فذلك الاندفاع الإنساني الذي يتجه إلى المال والمنصب والمرأة والحياة المترفة ينتهي في نهاية المطاف إلى تدمير بطل الرواية.

وربما جعلت الكاتبة شخصياتها تقع في أوقات مختلفة ضحية لنزوات النفس وأهوائها، لكي يستخلص القارئ العبرة، ويتعلم كيف يضبط نفسه ويكبح جماح رغباته.

وترد في الرواية هذه الأبيات في صيغة كلمات أغنية:

«جعلتنا حديث الألسن، وأضحكنا علينا العالم. اللهم أمت فينا أهواء النفس، فقد كانت أهواؤنا سبب هلاكنا».

وعلى الرغم من أن هذه الرباعية ترد في الرواية بوصفها كلمات أغنية، فإنها تبدو في نهايتها وكأنها اعتراف أخير يصدر عن إنسان فقد كرامته، وأدرك أخيرًا حقيقة أفعاله السيئة.

لقد تعمدت أن أوجز الحديث عن مضمون الرواية وأحداثها، حتى أدفعكم إلى قراءتها بأنفسكم، دون تردد.

وأنا على يقين بأن الذين يعرفون أسلوب السيدة زيمفيرا السلس والممتع في السرد سيقرأون هذا العمل في جلسة واحدة، ويستمتعون به.

كما لا يساورني أدنى شك في أن رواية «نَفْس»، التي قُدمت للقراء مؤخرًا في إخراج فني أنيق وجميل للغاية، ستحظى بجمهور واسع من القراء.

وفي الختام، أتمنى لكاتبتنا المحبوبة، المجتهدة، صاحبة الطاقة المتجددة التي لا تنضب، السيدة زيمفيرا محرملي، المزيد من النجاحات والإنجازات في مسيرتها الإبداعية.

ترانة محمد

  • Related Posts

    Film Africa Network Announces 16 Screenings Across 10 African Countries and Territories

    Following a successful, fully attended screening at BAZE University in Abuja, Nigeria, the Film Africa Network is taking its Africa Watches Together season across the continent, with an ambitious programme…

    100 Libri d’Autore – Volume 2: An International Literary Journey Bringing 100 Authors and Their Books Together

    Gioia Lomasti and Emanuele Marcuccio curate the second volume of the Italian cultural project, with Dr. Ashraf Aboul-Yazid coordinating its international section The Italian literary initiative 100 Libri d’Autore (100…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *