أحداثأدبشخصيات

ألحَان الحياة | قصائد من قرغيزيا

حررتها وقدمتها: ساباييفا جامالكول تورداكونوفنا (جانا ساباييفا)

في زيارتي إلى موسكو (سبتمبر 2025) أهدتني ساباييفا جامالكول تورداكونوفنا (جانا ساباييفا)، أنطولوجيا ثرية بالإبداع. و جانا ساباييفا شاعرةٌ ومترجمةٌ وناشطةٌ اجتماعيةٌ وكاتبةٌ صحفية، حاصلةٌ على لقبِ «متميّزة الثقافة» في قرغيزستان، ونائبةُ رئيسِ المجلسِ الأدبيّ لأوراسيا وأفريقيا، وعضوةُ المنظمةِ الإقليمية في موسكو التابعةِ لاتحادِ كتّاب روسيا، وعضوةُ الاتحادِ الوطنيّ لكتّاب قرغيزستان.

في مقدمتها للأنطولوجيا ، التي جاءت بعنوان (نقاءُ الرُّوح) واستهلتها بصوت الشاعر جنكيز أيتماتوف، “لكنّ الربيعَ يعودُ من جديد، وتعلو في الأفقِ مرّةً أخرى نداءاتُ الكُرْكِيّ…” كتبت عن هذه الأنطولوجيا باستفاضة.

ستبدأ (طريق الحرير اليوم)، وضمن سلسلتها للتعريف بالشعر العالمي، تقديم أصوات هذه الباقة، ولأهميتها نبدأ بالمقدمة الشاملة:

على امتدادِ حياتِنا نتعرّفُ إلى الإبداعِ في صُوَرٍ شتّى، ونلتقي بأناسٍ وُهِبوا مواهبَ متفاوتة. ولعلّ أكثرَنا يعرفُ أسماءَ الشعراءِ والكتّابِ القرغيزِ المشهورين. غيرَ أنّ بيننا مواهبَ خفيّة، لم تنلْ حظَّها من الذيوع، تعملُ في صمتٍ وتُنمّي عطاءَها، وهي في أمسِّ الحاجةِ إلى دعمٍ معنويٍّ شامل.

في عامِ 2022 راودتني فكرةُ إعدادِ مجموعةٍ شعريةٍ جماعية، تضمّ أعمالَ شعراءَ وكتّابٍ يكتبون باللغةِ القرغيزية، على أن تُرفَقَ نصوصُهم بأصولها وترجماتِها أو شروحِها إلى اللغةِ الروسية، بهدفِ توسيعِ دائرةِ انتشارِ إبداعهم. ومن شأنِ هذه الخطوةِ أن تُتيحَ تعرّفًا أعمقَ إلى نتاجهم، وأن تمنحَ صوتَ مبدعينا حضورًا أوسعَ في فضاءِ التلقّي. وثمّة نصوصٌ لكتّابٍ يكتبون بلغتين، غير أنّها قليلةٌ نادرة.

وتنبعُ راهنيةُ هذا المشروعِ من جملةِ عوامل؛ إذ أُعلنَ عامُ 2023 في روسيا عامًا للغةِ الروسية في بلدانِ رابطة الدول المستقلة. ومن أجلِ دعمِ اللغةِ الروسية وتطويرِها في قرغيزستان، بادرتُ إلى جمعِ النصوصِ الأصليةِ وترجماتها من عددٍ من الكتّاب. فكثيرٌ من شعرائنا وأدبائنا يكتبون بلغتهم الأمّ، ولا تُنقَلُ أعمالُهم إلا نادرًا إلى لغاتٍ أخرى. ومن المؤمّل، بعد صدورِ هذه المجموعة، أن يتولّدَ لديهم حافزٌ جديدٌ للارتقاءِ بكتاباتهم، وبذلِ مزيدٍ من الجهدِ والاهتمامَ بالترجمة، فلعلّنا، عبرَ هذه السُّبُل، نستطيعُ أن نلفتَ أنظارَ القرّاء إلى إبداعِهم.

لقد خاضَ كثيرٌ من أبناءِ قرغيزستان، لأسبابٍ شتّى، تجاربَ العيشِ في موسكو، وسلكوا دروبًا متعرّجةً، غير أنّها كانت في كثيرٍ من الأحيان مُثمِرةً وناجحة. وإذ نعملُ ونحيا جنبًا إلى جنبٍ مع أناسٍ من جنسيّاتٍ مختلفة، فإنّنا نُقيمُ تعاونًا وثيقًا ونشطًا مع ممثّلي المجتمعاتِ الثقافيةِ والأدبيةِ الأخرى. وخلالَ هذه الفترة، أُقيمت فعالياتٌ أدبيةٌ وثقافيةٌ وشعريةٌ دوليةٌ واسعةُ النطاق في روسيا، وفي بلدانِ رابطة الدول المستقلة، وفي قرغيزستان، وكازاخستان، وغيرها. إنّ توسيعَ الفضاءاتِ الثقافيةِ وجمعَها يُسهمان في ترسيخِ روحِ التلاقي الإنساني، ويُقرّبان بين شعوبِنا.

نحنُ نعملُ على جمعِ الكتّابِ القرغيز الذين يكتبون الشعرَ والنثر، ونُعينُهم على إصدارِ مجموعاتهم، وننظّمُ أمسياتٍ أدبيةً بمشاركةِ ممثّلين عن جالياتٍ أخرى في موسكو، كما ندعو الكتّابَ والشعراءَ الروسَ إلى المشاركة. وعلى الرغمِ من حضورِ حاجزِ اللغةِ بشكلٍ ملموس، فإنّ ثمّة تحوّلاتٍ إيجابيةً بدأت تتشكّل.

وبوصفي شاعرةً ومترجمة، ورئيسةَ قسمِ الأدبِ والترجمة في المجلسِ النسائي التابعِ لسفارةِ قرغيزستان في روسيا، أرى ضرورةَ توحيدِ أبناءِ جاليتِنا في موسكو وضواحيها ممّن يميلون إلى الإبداعِ الأدبي، ليظهروا كجماعةٍ أدبيةٍ واحدة؛ ومن هنا أدعو إلى توحيدِ المجموعاتِ الأدبية. إنّنا نشاركُ بفاعليةٍ في الفعالياتِ الحكوميةِ والاجتماعيةِ والثقافية، وفي الأمسياتِ الشعريةِ واللقاءاتِ الإبداعية التي تُقام في موسكو، وفي أنحاءِ روسيا، وكذلك في أراضي قرغيزستان؛ مثل مهرجان LiFFT في باكو (2019)، وفعالية «معرضُ الكتب في الساحة الحمراء»، و«أمسيات الصداقة»، و«أصوات أوراسيا – شاعر العام»، و«امرأة العام»، والمسابقات السنوية للشعراء وكتّاب النثر «أفضل أديب» بين منظمات الجاليات، فضلًا عن أمسياتٍ أدبيةٍ وشعريةٍ عديدة على سفوحِ جبالِ «ألا-تو» في بيشكيك وكاراكول وأوش وغيرها.

مجموعةٌ أدبيةٌ فنية

في هذا الحاضِرِ المتعدّدِ القوميّات، تُقامُ فعالياتٌ متنوّعةٌ واعدةٌ لتعزيزِ أواصرِ الصداقةِ بين الشعوب، بمشاركةِ الجماعةِ الأدبيةِ من أبناءِ الجاليةِ القرغيزية، وذلك في أمسياتِ الكتّاب، وفي المشاركاتِ الجماهيرية في «أيام قراءة كبار الشعراء والكتّاب» مثل «يوم الكتاب»، و«القشّة»، و«مواسم موسكو»، و«شعر بلا حدود»، و«يوم اللغة الأم». كما تُقام فعالياتٌ إحياءً لذكرياتٍ أدبيةٍ كبرى: بمناسبةِ مرور 225 عامًا على ميلاد ألكسندر بوشكين – «نقرأ بوشكين»، ومرور 100 عام على ميلاد رسول حمزاتوف – «الرافعات البيضاء»، ومرور 95 عامًا على ميلاد جنكيز أيتماتوف – «الرافعات المبكرة»، وكذلك إحياءً للذكرى التاسعة والسبعين للنصر في الحرب الوطنية العظمى عبر فعاليات «نمجّد المنتصرين» و«شكرًا للجدّ على النصر» و«لنستذكر الآباء الأبطال». كما تُقام أيامُ ذكرى لكلٍّ من آنا أخماتوفا وأليمكول أوسمونوف وغيرهما. ونطلّ كذلك عبر قنواتٍ تلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ قرغيزيةٍ وروسية.

وقد أظهر المنتدى الذي عُقد في موسكو بعنوان «حوارُ نساءِ قرغيزستان وروسيا من أجل المستقبل»، بمشاركةِ السيدة الأولى في قرغيزستان أيغول جاباروفا، ورئيسةِ مجلسِ الاتحاد في روسيا فالنتينا ماتفيينكو، حجمَ الانخراطِ الفاعل للشعراءِ والكتّاب في تعزيزِ النموّ الثقافي، وترسيخِ الوعيِ بوحدةِ القيم المشتركة.

كما تُعقَدُ سنويًا في جامعة الصداقة بين الشعوب الروسية مؤتمراتٌ علميةٌ عمليةٌ دوليةٌ بعنوان «التراث الأدبي للقرن: التقاليد، الاستمرارية، الراهنية»، خُصِّصت لذكرى مرور 110 أعوام على ميلاد توغولباي سيديكبيكوف (2022)، و95 عامًا على ميلاد جنكيز أيتماتوف (2023). كما نشير إلى المؤتمر الدولي «صون التراث التاريخي في الواقع الجديد: أساس الشفرة الثقافية»، الذي أُقيم في مركز الأدب الشرقي بالمكتبة الحكومية الروسية عام 2024، إحياءً لمرور 130 عامًا على ميلاد الراوي الملحمي الكبير ساياكباي كارالاييف، و100 عام على تأسيس إقليم «كارا-قرغيز» الذاتي ضمن جمهورية روسيا السوفيتية.

وممّا يبعثُ على السرور أنّنا كنّا هنا أيضًا من المبادرين والمنظّمين لهذا الحدثِ الإبداعيّ المهم بالنسبة إلينا. نحنُ نحظى بدعمِ إداراتِ المدن، والجالياتِ الوطنيةِ، وروابطِ أبناءِ الوطن، إلى جانبِ المنظماتِ المجتمعية.

وعقبَ أعمالِ المؤتمرِ الدوليّ السنوي، صدرَ الألمنـاخ «التراثُ الأدبيّ للقرن» لعام 2024 في موسكو، وقد جرى تقديمُه بنجاحٍ في كلٍّ من موسكو وبيشكيك.

ومنذ أن بدأنا عقدَ المؤتمرات بمشاركةِ النخبةِ الإبداعيةِ والعلميةِ من قرغيزستان المقيمةِ في موسكو، توصّلنا إلى اتفاقٍ على نشرِ مجموعاتٍ شعريةٍ ونثريةٍ مكرّسةٍ للذكرى الخامسةِ والتسعين لميلاد جنكيز أيتماتوف. ونأملُ أن نستقبلَ الذكرى المئويةَ لهذا الظاهرةِ الفريدة في الأدبِ القرغيزيّ والعالميّ بأعمالٍ مميّزةٍ لمؤلفينا، ضمن مشروع «مئةُ كتابٍ لأجل مئةِ عامٍ على ميلاد أيتماتوف». وقد صدر حتى الآن عشرةُ مجلّداتٍ من هذه السلسلة.

كما تنشطُ وتشاركُ بفاعليةٍ في المنتدياتِ والمؤتمراتِ والمسابقات منظماتٌ أدبيةٌ إبداعية مثل «كايريكتار كازيناسي» و«أنغام موسكو» و«عالمٌ نقيّ» و«أكتال»، إلى جانبِ عددٍ كبيرٍ من الشخصياتِ الإبداعيةِ الرائدة. ومن الأمثلةِ الدالّة: أنّ الشاعرةَ والمترجمةَ الثنائيةَ اللغة أينورا بيكبولوطوفا قد نالت حقَّ حملِ وسام «مارينا تسفيتاييفا»، الذي أسّسه اتحاد كتاب روسيا عام 2022، في الذكرى المئةِ والثلاثين لميلاد مارينا تسفيتاييفا، ويُمنح تقديرًا للإسهام في تطويرِ الأدبِ الروسي. وقد تخرّجت أينورا في الدوراتِ العليا التابعةِ لمعهدِ الأدبِ باسم مكسيم غوركي، وهي تكتبُ وتترجمُ القصائدَ البصريةَ من الروسيةِ إلى القرغيزية، وتُنشر أعمالُها في الموقعِ الشعريّ المعروف Stihi.ru.

كما شاركنا في أكبرِ مهرجانٍ شعريّ بعنوان «دقيقةُ صمت: نحنُ بشرُ كوكبٍ واحد»، الذي نظّمته منظمة كتّاب العالم WOW بدعمٍ من جمعية شعوب أوراسيا وأفريقيا، في البيتِ المركزيّ للأدباء في موسكو، ضمن احتفالات اليونسكو باليومِ العالميّ للشعر. وفي هذا الحدثِ الفريد، شارك أكثرُ من 300 شخصٍ في قراءةِ قصائدَ بلغاتٍ اثنتين وثلاثين في آنٍ واحد، فدخلَ هذا الماراثونُ «كتابَ الأرقامِ القياسية العالمية». وأفخرُ بأنني قدتُ المجموعةَ القرغيزيةَ التي قدّمت قصائدَها باللغةِ الأمّ وهي ترتدي أزياءَها الوطنية.

ولم تقتصر مشاركاتُ مواهبِنا على ذلك، بل شاركوا بحماسٍ في فعالياتٍ أخرى، منها مهرجان LiFFT الشعريّ في باكو عام 2019، وجولةٌ شعريةٌ عبر مدنٍ عدّة في كازاخستان بعنوان «من القلبِ إلى القلبِ يمتدُّ خيطٌ يُسمّى الصداقة»، شملت موسكو – ألماتي – بوروفويه – ساروزيك – بيشكيك – أستانا – موسكو. وقد نال شعراءُ وكتّابٌ من اتحاداتٍ أدبيةٍ مختلفةٍ الجائزةَ الكبرى في المسابقةِ الدوليةِ الثانية «آسيا الأدبية»، المُهدَاة إلى الذكرى الثمانمئة لميلاد ابنِ السهوبِ العظيم، حاكمِ مصرَ وسوريا، السلطان بيبرس، وإلى الذكرى الثلاثين لإقامةِ العلاقاتِ الدبلوماسيةِ بين كازاخستان ومصر.

الكاتب والشاعر والمترجم والصحفي الدوليّ بخيت رستميوف

كما نظّم شعراءُ وكتّابُ قرغيزستان وأداروا بنجاحٍ أمسيةً إبداعيةً دوليةً بعنوان «العملُ في سبيلِ السلام»، تكريمًا للكاتبِ والشاعرِ والمترجمِ والكاتبِ الصحفيّ الدوليّ بخيت رستميوف، وذلك في موسكو، بمناسبةِ مرور خمسين عامًا على نشاطِه الإبداعيّ، وسبعين عامًا على ميلادِه، وكذلك الذكرى الخامسة لتأسيس “الكومنولث الدولي للدبلوماسية الشعبية”.

وقد صدرَ باللغةِ القرغيزيةِ ديوان «أنطولوجيا الشعرِ المهاجر» بالتعاونِ مع الاتحاد الوطني لكتّاب قرغيزستان.

كما نشرت الرابطةُ الأدبيةُ «أكتال» مجموعاتٍ مثل «الطريق نحو العالم»، والمجموعةِ الكازاخية–القرغيزية «لحنٌ شقيق من شعبين»، و”إيقاعات الشعر”.

وأصدرت الرابطةُ الأدبيةُ «عالمٌ نقيّ» عددًا من مجموعاتِ الشعراءِ والكتّاب، منها «العالم النقيّ» (الأعداد من الأول إلى الرابع)، و«نوروز-2018»، و«الشعب المستقل»، و«تحية»، و«حكايةُ صاحبِ القبعة البيضاء»، و”جازٌ مميت”.

تُنشرُ أعمالُ الشعراءِ والكتّابِ والصحفيين في المنظمةِ المجتمعية «موسكو كايريكتاري» على مدى خمسةَ عشرَ عامًا، سنويًا، في مجموعاتٍ فرديةٍ (نحو 300 كتاب)، وكذلك في الألمنـاخ السنوي «موسكو كايريكتاري» منذ العددِ الأول حتى السابع. وقريبًا سيصدرُ العددُ الثامنُ الاحتفاليّ من ديوانِ شعراءِ الجالية. ونحنُ نستعدّ لإقامةِ احتفالٍ كبيرٍ بمناسبةِ الذكرى الخامسةَ عشرة للمنظمةِ الأدبيةِ الإبداعية «أنغام موسكو» و«كايريكتار كازيناسي» في كلٍّ من موسكو وبيشكيك. ويسعدني أن أُشيرَ إلى صدورِ مجموعةٍ خُصِّصت لليوبيلاتِ المهمّةِ للرابطاتِ الأدبية: «كايريكتار كازيناسي» و«أكتال» (خمس سنوات)، و«أنغام موسكو» (خمسةَ عشر عامًا).

كما صدرَ كتابٌ ضمن سلسلة «عاصمتان: موسكو – بيشكيك»، في الترجمةِ والتحريرِ والنشر، بالتعاونِ مع اتحادِ الأدباء في موسكو.

وبالتعاونِ مع اتحادِ الأدباء في موسكو وأعضاءِ اتحاداتِ الكتّاب في روسيا، أُرسلت في عام 2023 خمسُ دفعاتٍ من الكتب إلى المدارسِ الثانويةِ العامة في قرغيزستان، ضمن المبادرةِ الدولية «كتبٌ للأطفال»، وذلك من مدرسة «الليسيه رقم 3» في دزيرجينسك، ومن المكتباتِ الشخصيةِ لأعضاءِ اتحاداتِ الكتّاب.

ونظرًا لما نقومُ به من عملٍ متنوّعٍ على الصعيدِ الدولي، فإنني أتمنّى أن يعيشَ الناسُ في شتّى بقاعِ الأرض في سلامٍ ووئام، وأن يتبادلوا الصداقة، ويُكثروا من القراءة، وينمّوا ذواتِهم أخلاقيًا وروحيًا، ويحترموا الحقوقَ والواجبات، ويلتزموا بأبسطِ قواعدِ العيشِ الإنسانيّ المشترك. عندئذٍ لن يكونَ هناك كراهيةٌ أو خلافاتٌ أو صداماتٌ دولية. ولا يزالُ كثيرٌ من الكتّابِ القرغيز، الذين نشأوا في الحقبةِ السوفيتية، يشعرون برباطٍ وثيقٍ لا ينفصمُ مع روسيا، بل إنّ بعضهم ما يزالُ يعيشُ ويعملُ في موسكو. وكلُّ ذلك يُعمّقُ الروابطَ الثقافية، ويزيدُ من وحدةِ الأدباء في قرغيزستان وروسيا.

مجموعةٌ أدبيةٌ فنية

ويُعبّرُ الأدباءُ والشعراءُ عن امتنانِهم لحكومةِ مدينةِ موسكو، لما تقدّمه من دعمٍ ورعاية، ولا سيّما في توفيرِ القاعاتِ لإقامةِ الفعالياتِ الأدبيةِ والأمسياتِ والاحتفالاتِ والمؤتمرات. كما تربطُنا علاقاتٌ وثيقةٌ مع «بيت المنظمات المجتمعية» التابعِ للجنةِ العلاقاتِ العامةِ وسياسةِ الشباب في موسكو، و«بيت القوميات في موسكو»، واتحاداتِ الكتّاب في روسيا، والمكتبات، وبيوت الأدباء، ومراكزِ المواردِ للمنظماتِ غير الربحية. وكلُّ ذلك يُلهمُنا للمضيّ نحو إنجازاتٍ إبداعيةٍ جديدة.

تصدرُ المجموعةُ الجماعية «ألحانُ الحياة» بمناسبةِ الذكرى المئوية لتأسيسِ إقليم «كارا-قرغيز» الذاتي، وبالتزامنِ مع الاحتفالِ بالذكرى الثمانين للنصرِ العظيم في الحرب العالمية الثانية. وليكنْ هذا العملُ قدوةً لغيره، فالأدبُ لا يعرفُ حدودًا! ففي شتّى البلدان، يكتبُ زملاؤنا من الشعراءِ والكتّابِ حكاياتِهم، ويصفون الطبيعةَ، ويُعبّرون عن حبِّ الأرضِ والشعوب، ويدعون إلى الصداقةِ والتعاونِ والحكمةِ بين أبناءِ الجنسيّاتِ والأديان المختلفة. فلنَدعم الكتّابَ والمواهبَ بأفكارٍ جديدةٍ تدعو إلى الوحدةِ والحكمة، وتسهمُ في تنميةِ الأوطانِ وشفافيةِ المجتمعات. فلعلّ أعمالَ مواهبٍ مغمورةٍ بيننا تُحدثُ في الحقيقةِ تحوّلًا إيجابيًا في الحياةِ الأدبية، وترتقي بها إلى آفاقٍ أرحب.

إنّ «ألحان الحياة» ليست سوى فصلٍ من فصولِ الإبداعِ الأدبيّ والشعريّ، تُهدى أعمالُه إلى مناسباتٍ كبرى ومحطاتٍ فارقة. فلنستلهم جميعًا، ولنكتب تحت الشعار: «إلى الذكرى المئوية لميلاد جنكيز أيتماتوف — مئةُ كتابٍ متميّز». وقد انضمّت المواهبُ الإبداعيةُ بكلّ حماسةٍ إلى مبادرتنا الأدبية ضمن سلسلة «الطيور المهاجرة»، وصدر منها حتى الآن عشرةُ مجلّدات.

…إنني مجرّدُ طائرٍ مجنّحٍ في هذا السربِ المحلّق. أطيرُ مع الكراكي، وأنا واحدٌ منها. أطيرُ مع الكراكي في عتمة…”

“…أُحلّقُ ليلًا على هُدى النُّجوم، ونهارًا أحملُ همومي فوق الحقولِ والمدن… أفكّرُ…

أطيرُ وأبكي، أطيرُ وأبكي، مُناشدًا البشرَ والآلهة:
تمهّلوا في التعامل مع الأرض، أيّها الناس، وخفّفوا وطأتكم…

ما هذه دموعُ الكراكي؟… امسحوها عن الوجوه!

ومع ذلك، ومع ذلك، ومع ذلك، ليحفظكم الله، أيّها الناس، من المِحَن غيرِ الإنسانية،
ليحفظكم من نيرانٍ لا تنطفئ،
ومن مذابحَ داميةٍ لا تُردع،
ومن أفعالٍ لا تُصلح بعد وقوعها،
ليحفظكم، أيّها الناس، من الكوارث غير الإنسانية…

ها هو السربُ يبتعدُ في الأفق، يتلاشى عن الأبصار،
لم نعد نُميّزُ خفقانَ الأجنحة،
صار نقطةً في السماء… ثم غاب…

لكنّ الربيعَ يعودُ من جديد، وتعلو في الأفق مرّةً أخرى نداءاتُ الكراكي…”

— جنكيز أيتماتوف

 

شكرًا جزيلًا لكلّ من خدم بإخلاصٍ وصدقٍ في سبيلِ الصداقةِ الأدبية، ولكلّ من قدّم دعمَه.

أيّها المترجمون والنقّاد والقرّاء الأعزّاء، أرجو ألّا تُقابلوا هذا العملَ بصرامةٍ مفرطة، إذ إنّ هذه المجموعة تمثّلُ منصّةَ انطلاقٍ لبعض الكتّاب غير المحترفين نحو عالمِ الأدبِ والشعر.

وفي باب «التّحف الإبداعية»، نُشرت قصائدُ شعراءَ يكتبون بالروسية، يقدّمون إبداعَهم لجمهورٍ واسعٍ بصورةٍ تليقُ به. فالإلهامُ وتنميةُ الوعي الشعريّ يحتاجان إلى دافعٍ حيّ. إنّ قصائدَ الشعراءِ تساعدُ على اكتشافِ المساراتِ الصحيحة في الحياةِ والإبداع. وقد قال يوسف برودسكي إنّ الشعرَ هو أسمى أشكالِ اللغة، وإنّ الإنسان، حين يقرأ، يبدأ في فهمِ اللغة على نحوٍ أعمق. فلنقرأ إذن، ونتعلّم… من الجميع: من الكلاسيكيين، ومن الأصدقاء.

إنّنا، نحنُ أبناءَ هذا الكوكب، كيانٌ واحد، وينبغي لنا أن نصونَ الطبيعةَ التي تحيطُ بنا، وأن نُعينَ بعضَنا بعضًا في حفظِ القيمِ المشتركةِ وتراثِنا الثقافي، وأن نُبدي، في الوقتِ ذاته، احترامًا عميقًا لثقافاتِ الشعوب الأخرى وتقاليدها.

شكرًا لكم جميعًا على هذا الجهدِ الكبير، فقد كان العملُ معكم مصدرَ سرورٍ حقيقي. ولولا دعمُكم وروحُكم الإنسانية، لعلّ هذه المجموعة ما كانت لترى النور. فلكم منّي خالصُ الامتنان على عطائكم الأدبيّ.

الشِّعر  (1)

أرزيكولوفا توتو نوركولوفنا شاعرة، وكاتبةُ نثر، ومترجمة، وُلدت في 18 أغسطس 1957 في جمهورية قرغيزستان السوفيتية، في منطقة جلال آباد، مقاطعة تشاتكال، ببلدة تيريك-ساي. حصلت على تعليمين عاليين: من معهد فرونزه للتجارة السوفيتية، ومن المدرسة العليا للشرطة في كاراغاندا.

بدأت نشاطها الإبداعي منذ الطفولة. وهي عضو في اتحاد الصحفيين في قرغيزستان، وعضو عامل في الأكاديمية الدولية للأدب الروسي في روسيا. وهي مؤسسة مشروع «Üch Chaka».

كما تشغل منصب رئيسة ومؤسِّسة الصندوق المجتمعي «جال-ينتماك»، وتقود المجموعة الفولكلورية الأدبية “ميرزا-آييم”.

صدرَت لها كتب بعنوان: «بستان الحياة 1»، «بستان الحياة 2»، و”السرّ”.
تقيم حاليًا في قرغيزستان، بمدينة بيشكيك، وهي أمٌّ لخمسة أبناء.

 

جَزِيرَةُ الحُبِّ

كُنْتُ فَتَاةً يافِعَةً، جَمِيلَةً، ذَكِيَّةً عَلَى طَرِيقَتِي،
أُضِيءُ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ المُنْطَلِقْ.
أَشَعَرْتَ بِي؟ لَعَلَّ القَدَرَ قَدِ انْعَطَفْ،
فَغَمَرَنَا الإِحْسَاسُ مِنْ جَدِيدْ.

يَا لَهَا مِنْ سُخْرِيَةِ القَدَرْ،
أَنْ نَلْتَقِيَ أَنْتَ وَأَنَا!
جِئْتَ كَمَطَرِ الرَّبِيعْ،
لِتُرْوِي رُوحِي المُتْعَبَةَ الظَّمْأَى.

أَزْهَرَ بُسْتَانُ الحُبِّ مِنْ جَدِيدْ،
فَانْظُرْ كَيْفَ يُغَرِّدُ العُصْفُورُ طَرِبًا.
كُنْتُ أَحْسَبُكَ بَعِيدًا لا يُطالْ،
وَالآنَ أَظُنُّ أَنِّي سَأَنْسَى مَا مَضَى.

كَانَ قَلْبِي يُغَنِّي أُنْشُودَةً،
وَرُوحِي تَبْحَثُ عَنْ زَهْرَةِ الحُبِّ.
حَطَّتْ فَرَاشَةُ السَّعَادَةِ عَلَى كَفِّي،
فَشَعَرْتُ أَنِّي سَأَكُونُ سَعِيدَةً.

بِرِيحِكَ بَعْثَرْتَ جِرَاحَ قَلْبِي القَدِيمَةْ،
وَنَثَرْتَ خُصَلَ شَعْرِكَ المُجَعَّدْ.
فِي جَزِيرَةِ الحُبِّ الأَوَّلْ،
فَاحَتِ الزُّهُورُ وَانْتَشَرَ الشَّذَى.

 

قِصَّةُ حُبٍّ

لا تَنْظُرْ إِلَيَّ هكَذَا بِسُؤَالٍ مُرْتَبِكْ،
فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَنْدَمْ عَلَى مَا جَرَى.
أَسْمَعُ خَفَقَاتِ قَلْبِكَ،
وَأَعُدُّهَا فِي خَيَالِي وَاحِدَةً وَاحِدَةْ.
فَأَرْجُوكَ، لا تُحَاوِلْ أَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا.

أَهَذَا اللهِيبُ جَعَلَكَ سَعِيدًا،
وَهُوَ يَسْكُنُ صَدْرَكَ كَتَمِيمَةْ؟
فَحَلِّقْ كَنَسْرٍ فِي زُرْقَةِ السَّمَاءِ،
أَوْ كُنْ عِنْدَلِيبًا فِي البُسْتَانْ.

فِيكَ يَسْكُنُ نُورُ العَالَمِ كُلِّهِ،
فَهَلْ تَجِدُ دَوَاءً لِبَرَاءَتِكَ؟
قَلْبِي انْتَظَرَكَ طُولَ العُمْرْ،
لِتُكْتَبَ هَذِهِ القِصَّةُ… قِصَّةُ الحُبِّ.

 

ضَحِكَ القَمَرُ

كَانَ ضَوْءُ القَمَرِ يَلْتَفُّ حَوْلَ عُنُقِكَ،
وَيَنْسَابُ مِنْ عَيْنَيْكَ شُعَاعُ الحُزْنْ.
كَانَ حُبُّ القَمَرِ شَاهِدًا عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةْ،
وَالنُّجُومُ تُقَبِّلُ وَجْهَ البُحَيْرَةِ الوَادِعَةْ.

كُنَّا نَلْعَبُ كَطيور البَجَعِ،
وَنَسْبَحُ تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرْ.
هَمَسْتَ فِي أُذُنِي: “أَنْتِ لِي وَحْدِي”،
فَانْهَمَرَ الضِّيَاءُ الفِضِّيُّ عَلَى شَعْرِي.

وَتَمَدَّدَتِ البُحَيْرَةُ كَعِقْدٍ مِنَ اللُّؤْلُؤْ،
وَمَنَحَتْنَا الطَّبِيعَةُ هَذَا الزَّمَنَ الجَمِيلْ.
وَتَلَأْلَأَ نَجْمٌ كَبِيرٌ فِي السَّمَاءِ لَنَا،
فَلَمْ تَسْتَطِعْ قُوَّةٌ أَنْ تُفَرِّقَنَا…
حَتَّى القَمَرُ ضَحِكَ!

 

لَنْ أَنْسَى

اِطْرُقْ نَافِذَتِي،
فَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةْ.
فِي قَلْبِي أَضَاءَ نُورٌ مُنْذُ زَمَنٍ،
وَأَنْتَ تَعْلَمُ سَلَفًا مَا سَيَكُونُ لِي…

لَيْسَ بَيْنَنَا سِرٌّ يُخْفَى،
فَقَدْ أَهْدَيْنَاهَا لِلصُّخُورْ.
وَتَمْتَدُّ مِنَ الشَّمْسِ خُيُوطُ الضِّيَاءِ،
كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَكُونَ لَكَ ذَلِكَ النُّورْ.

قَرَأْتُ رِسَالَتَكَ،
وَفِيهَا كَمٌّ مِنْ نِدَاءِ الحَنَانْ.
قَلْبِي فِي الكَوْكَبِ السَّابِعِ،
فِي دِيَارِ صُنُوبَرٍ كَالأَحْلَامْ.

كَمْ سَكَبْنَا مِنْ مِيَاهٍ،
فِي بَسَاتِينِ الصَّمْتِ وَالأَحْزَانْ.
أَعْلَمُ أَنَّكَ لَنْ تَنْسَى الحُبَّ،
وَسَأُشْعِلُ مِصْبَاحِي لِأَسْتَقْبِلَ القَمَرْ.

 

الحَيَاةُ

تَمْضِي الحَيَاةُ كَطَائِرٍ مُنْطَلِقْ،
يَرَاهَا الإِنْسَانُ عَالَمًا مُثِيرًا.
لَكِنَّهَا أَحْيَانًا تَصْفَعُ الرَّأْسَ،
وَأَحْيَانًا تُخَفِّفُ ضَرْبَتَهَا قَلِيلًا.

سَأُصْبِحُ يَوْمًا كَالحَرِيرْ،
لِأَنْجُوَ مِنْ غَرَقِ الأَحْزَانْ.
وَفِي يَوْمٍ سَأُقَوِّمُ كَتِفَيَّ المُنْحَنِيَتَيْنْ،
فَلَا أُرِيدُ أَنْ أُضِيعَ الحَيَاةَ مِنْ أَجْلِكَ.

تَخْرُجُ الدُّمُوعُ مِنْ رُوحِي فِي لَحَظَاتِ الأَلَمْ،
وَحِينَ تَكُونُ سَعِيدًا مَعَهَا، يَتَلَأْلَأُ الكَوْنُ أَكْثَرْ.
وَسَتُدْرِكُ يَوْمًا أَنَّ العَالَمَ لَيْسَ عَادِلًا،
وَأَنَّ تَقَبُّلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِالأَمْرِ اليَسِيرْ.

أَحْيَانًا تَحْتَرِقُ رُوحِي فِي اللَّظَى،
لَكِنِّي أَشْتَدُّ قُوَّةً وَأُطْلِقُ سِهَامِي.
فِيهِ نُورِي وَظِلِّي،
يَرْتَفِعَانِ وَيَهْبِطَانِ دَوْمًا.
وَطَرِيقُ الحَيَاةِ يَمْضِي كَمَا كُتِبَ لَهُ.

التَّرْجَمَةُ عن النص الروسي للمترجمة: كايرغول ساديكانوفا

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى