الشاعرة التونسية سهام الشريف: صوت المهمشين في هذا العالم

رغم قِصر الأيام التي أمضيتها في تونس، لكنها كانت أيامًا كثيفة المعنى، غنية بالتجارب واللقاءات، وأتاحت لي فرصا نادرة وثمينة للتعرّف إلى أصوات إبداعية متعددة، تنتمي إلى مشارب ثقافية وإنسانية مختلفة، وتحمل رؤى أدبية وفكرية تستحق الإصغاء والتأمل. وقد ازدادت قيمة هذه الزيارة لأنها تزامنت مع إقامة معرض تونس الدولي للكتاب، ذلك المحفل الثقافي الذي يجمع الكتّاب والناشرين والمبدعين من أنحاء العالم، كما جاءت في خضم الفعاليات الثقافية المصاحبة لـأيام جمعية شعوب العالم في تونس، وبمشاركة وفد منظمة كتاب العالم الذي أتشرف بتمثيله، الأمر الذي منح الرحلة بعدًا ثقافيًا وإنسانيًا أعمق، وحوّل الأيام القليلة إلى مساحة رحبة للحوار، والتبادل، واكتشاف وجوه جديدة للإبداع الإنساني.

سهام شريف شاعرة تونسية تكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وتميل كذلك إلى كتابة النثر بما يحمله من رحابة التعبير واتساع الرؤية. تنحدر من دوار الشط، المعروف اليوم باسم قرطاج بيرصا، حيث تلقت تعليمها الأول، قبل أن تواصل مسيرتها الأكاديمية في جامعة منوبة، متخصصة في اللغة الإنجليزية. كتبت رواية وعددًا من القصص القصيرة التي لم ترَ النور بعد، فيما تمارس مهنتها الأساسية معلمةً للغة الإنجليزية في إحدى المدارس التونسية.

بدأت سهام كتابة الشعر باللهجة التونسية منذ سن الثانية عشرة، وكأن الكلمة كانت قدرًا مبكرًا اختارها قبل أن تختاره؛ فقد نشأت في بيت تعشق فيه النساء الموسيقى الداخلية للغة، إذ كانت والدتها وجدتها مولعتين بالغناء والكلام الموزون، وجعلتا من القافية جزءًا حيًا من تفاصيل الحياة اليومية.

نشرت كتابين؛ الأول ورقي بعنوان Dusk and Dawn (الغسق والفجر)، والثاني كتاب إلكتروني بعنوان The Colour of Milk (لون الحليب)، وهو متاح عبر Amazon.

في تقديمها لواحد من كتبها الصادرة بالانجليزية والمهداة لي (SIGHS) تقول الأديبة سهام الشريف:

“كثيرًا ما نطلق، في هذه الرحلة التي نسميها الحياة، أكثر من تنهيدة واحدة. لكن التنهيدات لا تولد من سبب واحد؛ فثمة تنهيدات الندم، وتنهيدات الارتياح، وربما تنهيدات الإرهاق أيضًا.
إن(SIGHS) هو مجموعتي الشعرية الثانية، وقد حظيت بشرف تحريرها على يد السيدة نعيمة شرفي.

لم يكن يسيرًا عليّ أن أحدد موضوعات هذه النصوص بدقة، كما لم أكن قادرة على تخيل هوية قرّائها. أنا أكتب لأخفف شيئًا من وطأة الألم، سواء أكان ألمًا شخصيًا، أم اجتماعيًا، أم سياسيًا. ولم أقم بتصنيف القصائد وفق موضوعاتها؛ فبعضها يتناول الألم الإنساني الكوني، وبعضها الآخر ينطق باسم المهمشين في هذا العالم: ضحايا الحروب، وضحايا القدر، والوحدة، والجشع، والعداوة.

في تنهيدات، حاولت أن أكون صوتًا لأولئك الذين أثقلتهم عثرات الحياة، حتى بدا لهم ركوب قطارها أمرًا عسيرًا. ومن خلال قصائدي، أردت أن أمد يدًا للمتشرد التائه الذي يشعر بالغربة وسط مجتمع جاحد، وللطفل الذي خطا لتوه أولى خطواته في الحياة ولم يعثر بعد على السلام، وللحيوانات المعذبة في عالم تحكمه أطماع البشر، ولأولئك الذين تجرعوا مرارة الفقد، بل وحتى لعناصر الطبيعة نفسها، وهي تكافح كي تبقى منتصبة في عالم ضبابي وواهن.

وأكثر ما أرجوه هو أن يجد قرائي في هذه النصوص ما يروي عطش أرواحهم، وأن يستمتعوا بما يتدفق من أعماق وجداني.

اخترت للكتاب عنوان تنهيدات، ولم يخطر ببالي قط أن هذه المفردة تتردد في عدد كبير من القصائد. غير أن السيدة نعيمة شرفي كانت فطنة بما يكفي لتضع دائرة حول كلمة “تنهيدة” كلما ظهرت في نص. وأترك لقرائي متعة اكتشاف العدد الحقيقي بأنفسهم.

أهدي هذا العمل إلى أولئك الذين أنهكتهم ضغوط الحياة، ومع ذلك ما زالوا يجدون في أرواحهم الشجاعة للاستمرار.”

 

لن أنسى أن أضيف أن الشاعرة لم تضع فهرسا للديوان، وكأنها أرادت أن نبدأ حيث نشاء ونختتم متى نريد، وفي النشر الموازي لهذا الموضوع التعريفي بالإنجليزية في (طيق الحرير اليوم) سأضيف مختارات من تنهيدات سهام الشريف الشعرية … لكنني اليوم أود أن أنقل لكم بالعربية بعضا من كتاباتها، في أدب الرسائل، والرسالة من كتابها “حبيبي في طرابزون” ص ٢٢:

نقطع الدروب و نفرح القلوب ، و لنا في كل شارع صديق

نعيش اللظى، ولا نؤذ أحدا، ونلتجئ الى القلب الرحيم ……

لقاء مع سهام الشريف بحضور الشاعرة مارجريتا ال ريسة منظمة كتاب العالم، خلال ندوة شعرية بجناح اتحاد الكتاب التونسيين، معرض تونس الدولي للكتاب

حبيبي في المنتزه القبلي

تلك هي الكلمات التي قبعت في مخيلتي و زودت أطنان الرحمة في قلبي الذي أدخلني منعرجات كثرت مخاريفها وغاب الضوء منها….

لكني رأيتك هذا الصباح و أنت تحمل الشموع على رؤوس أصابعك قلت إنك ستنازل القمر من أجلي ليتحول الليل نهارا حتى لا يصيبني ذلك الفزع المعهود.

حبيبي في المنتزه القبلي

ألم أقل لك إني لا أريد أن أعرف اسمك، و لا أريدك أن تعرف اسمي ؟ وحدها الغيمات التي ترقص بعد الهطول تعرف أسماءنا. كان لك ذكاء جميل، فأنت لم تلق علي ذلك السؤال البليد الذي يتقنه الرجال و تنفر منه النساء

“كم عمرك ” ؟

حين دعوتني إلى النزهة قلت إن لنا من الأشجار ما يروي عطش النظر إلى الخضرة . فلماذا نغادر المكان ونهدر الدقائق التي تجمعنا؟ قلت إننا نتعلم من الترحال . فتحت باب السيارة و ركبت . كان المقعد الذي تدثر بأنفاسك رحبا معطرا و كنت كالوردة في الأصيص.

شعرت و أنني أدلف الى البيت البلوري الذي يسبح في المرج الأخضر و يطل على البحر و تتوسد أشجار السرو زواياه. هناك حيث كنت أنوي أن أكتب و أكتب دون أن تزعجني ضوضاء الحياة.

حين مسحت رأسي بكفك أردتك أن تمرر يدك على وجنتي تتحسس الخدوش التي لا تستطيع رؤيتها بقلبك اليافع.

كان بودي أن أقول إني أحب أن أنظر إلى يد الرجل الذي أحبه أكثر من أي شيء آخر. أرى في اليد كل السخاء والرحابة و الامتداد ما أشبه راحتك بسهول الكانيون الكبير المترامي بين سلسلة جبال الروكي و سلسلة جبال الأبلاش، و هو ما يجعلني أقفز و أنط و أجري وراء خيوط الشمس، و حين يصيبني التعب أنام بين راحتيك فتحملني بتؤدة نحو و سائد قلبك.

 

حبيبي في المنتزه القبلي

اشتقت إلى الرسائل التي اندثرت مع الإرسالية و الايميلات. فهل لك متسع من الوقت لتقرأ ما أكتب ؟ أتراني أطلت عليك ؟….

كنت تقود السيارة وتنظر إلي و أنا أخاف أن تمعن النظر فترى عبث السنين ، حيث تنتصب جبال الثلج و تلم الأديم بعد الحرث.

أنا أنظر إلى يدك و إلى الساعة التي كانت تهزأ بي، لكن يا حبيبي، لا أحد يهزأ برسائلي.

حبيبي في المنتزه القبلي

لن أحتاج هذه المرة الى القطار الذي يخاف صدأ السكة ، و لا أحتاج الى السفينة التي أصابت حمى الهواتف الذكية قبطانها، فانشغل عن القيادة حتى لتمت السفينة جبل التلج…

كل ما أحتاجه هو ذلك الحذاء الرياضي الذي اقتنيناه سويا، لكني رفضت أن أدفع ثمنه، و قلت لك إني لا أقبل الهدايا التي تأتي على شكل أحذية أو قوارير عطر، وتركت لك فرصة أن تهديني شيئا آخر…

أتذكر يوم استقبلتني بتلك البسمة العريضة، و في عينيك كل الحكايات التي لم تقلها شهرزاد؟ في نظراتك سيف إلهي أخافني بريقه ، وخشيت نصله ، فعرفت كيف أن النظرة تفتن و تأسر ولها سحر عجيب. كنت تحمل كتابا فاح طيبه بين يديك ، و أنت تعرف أني أنط بين صفحات الكتب لأسكت أجراس الدقائق الجريحة في رأسي. أحضرت المرهم لكني لم أكن قادرة على أن أخبرك بأسباب جروحي.

أخذت الكتاب، ثم فتحت ذراعي أحاول أن أصل إلى عنقك، كي أركن رأسي هناك طلبا لراحة أزلية

كنت أريد أن أهمس إليك أني قادرة على أن أفهمك بشعوري و المرأة التي تفهم الرّجل بشعور جميل و تحمله إلى حقول ورودها لا تذبل أبدا هي سليلة أفروديت.

الحياة ثوان يا حبيبي ، أهدرت ثلثها وتربع الثلث الآخر بين أهدابك. فخذني بقوة كما تأخذ الكتاب و تحسن الشراب فترتسم كل الفراشات في نظرتك التي أسرت هذا القلب الوردي.

 

سهام الشريف تلقي بالانجليزية قصيدتها

حبيبي في المنتزه القبلي

 

يا من تخاطب الكلاب السقيمة مثلي، و تقاسمها شرابا لا يُسكر إلا عندما يشتد الحر. يا من تقتلع من داخلك ذلك الطفل النائم الذي يحب أن يقفز بين الأحراش ، و يلقي كرة إلى الحيوانات التي آمنت بالميثاق العالمي لحقوق الطفل.

ألم أخبرك أني بكيت كثيرا و أنا أشاهد ذلك المسلسل الكرتوني “ريمي” الذي زرع بذور الشجن فينا و نحن أطفال؟

مع موت كل كلبة من كلاب السيرك يموت شعاع الفرح في نفسي. كم أحزنني جوعها و تشردها. أنا أحب الكلبة كابي كثيرا، و أنتبه إلى يقظتها وخوفها على ريمي و على المعلم والقردة . حين كان السيد يقتسم الرغيف معها لأنه لم يكن هناك القدر الكافي لسدّ الرّمق، كنت أشعر بحزن عميق و أتمنى لو كنت قادرة على كسر الشاشة ومدهم بالطعام…

السيد يطوف بها في الدروب كي تقدم عروضا سيركية لسكان مختلف القرى حتى يتمكن من توفير قوتها. أما أنا فكنت على صغر سنّي أفقه الكثير من معاني الأغنية وأجد الحزن الداكن الذي يفتت أوتار قلبي و يجعلني بمثل هذه الهشاشة و أنا مشرفة على تلة السماء…

Related Posts

First Nigerian Appointed Diaspora Chairman of the Congress of African Journalists

Award-Winning Investigative Editor Dr. George Elijah Otumu Receives International Honour, Becomes First Nigerian Appointed Diaspora Chairman of the Congress of African Journalists (CAJ) Abuja | Washington, D.C. | May 2026…

سُلاف الثقافية تواصل ترسيخ حضورها منبرًا للإبداع العربي والإنساني

صدر العدد الجديد من مجلة «سُلاف الثقافية»   لشهر أبريل 2026، حاملاً باقة متنوعة من الملفات الأدبية والفكرية والإبداعية التي تعكس اتساع الرؤية الثقافية للمجلة، وحرصها على تقديم محتوى يجمع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *