زاوية الكاتبة أسول مولدوكماتوفا
حوار مع بخيت روستموف حول الأزمة الروحية في القرن الحادي والعشرين
ضيف هذا العدد الجديد هو بخيت روستموف — الكاتب المعروف، والمحلل الاجتماعي والصحفي الدولي، والناقد الأدبي، والشخصية العامة، ودبلوماسي المواطن. وهو مؤلف لعشرات الكتب، ومشارك في منتديات أدبية دولية، وعضو في لجان تحكيم مسابقات أدبية مرموقة، كما كرّس حياته للحوار الروحي بين الشعوب والحفاظ على القيم الثقافية.
نتناول اليوم الأزمة الروحية في العصر الحديث، ودور الأدب، وثقافة الحوار، ولماذا تفقد الإنسانية قدرتها على الإصغاء إلى بعضها البعض.

—بخيت روستموف، ما المشكلة الرئيسية في المجتمع الحديث برأيك؟
— أكبر تحديات القرن الحادي والعشرين هو أن الناس توقفوا عن سماع بعضهم البعض. نحن نعيش في عصر تقدّم تكنولوجي مذهل. لقد أصبح العالم سريعًا، رقميًا، ومتشبعًا بالمعلومات. لكن المفارقة تكمن في أنه كلما ازدادت وسائل التواصل، تراجعت الصلة الإنسانية الحقيقية.
اليوم، كثير من الناس لا يستمعون من أجل الفهم، بل من أجل الرد أو الاتهام. يعيش الناس داخل «فقاعات معلوماتية» لا يسمعون فيها إلا الآراء التي تريحهم. ونتيجة لذلك، تتزايد العدوانية والصراعات والتوترات الاجتماعية الداخلية. أعتقد أن العالم الحديث يفتقر إلى ثقافة الحوار، واحترام آراء الآخرين، والانضباط الروحي.
— لماذا تعتقد أن الأزمة الروحية تُشعَر بحدة كبيرة في الوقت الراهن؟
— لأن العالم المادي بدأ يطغى على العالم الروحي. اليوم تقيس البشرية النجاح بالمال، وعدد المتابعين، والسلطة، والإنجازات الخارجية. لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالقيم المادية وحدها.
لقد أصبح لدى الناس مزيد من التكنولوجيا والراحة والفرص، لكن الإحساس بالسلام الداخلي يتضاءل. كثيرون يعانون من الوحدة والقلق والشعور بالفراغ الداخلي. تبدأ الأزمة الروحية حين يقل اهتمام المجتمع بالثقافة والأدب والفلسفة وتغذية الروح. فالإنسان الذي يفتقد البوصلة الروحية يصبح أكثر عرضة للعدوانية والتلاعب والخوف.
— ما دور الأدب في هذه العملية؟
— لقد كان الأدب دائمًا أكثر من مجرد فن الكلمات؛ إنه قوة تُشكّل المناخ الأخلاقي للمجتمع. فالكتاب الحقيقي يدفع الإنسان إلى التفكير والشعور والتحليل وطرح الأسئلة العميقة.
الكتّاب العظام لم يكتبوا يومًا بدافع الطموح الشخصي وحده، بل كتبوا عن الضمير، والشرف، والحب، والطيبة، وآلام الشعوب، والبحث عن الحقيقة. ولذلك يستطيع الأدب أن يُنمّي الإنسانية داخل الإنسان. فكلما قرأ المرء أدبًا عميقًا، اتسع عالمه الداخلي، وبدأ يفهم الآخرين ويشعر بآلامهم. وبعبارة أخرى، تنمو إنسانيته.
— لقد قدتم مسابقات أدبية وشاركتم في مشاريع دولية لسنوات طويلة. ما مدى أهمية دعم الكتّاب الشباب اليوم؟
— إنه أمر حيوي للغاية. فالكتّاب الشباب هم صوت العصر الجديد، لكنهم يحتاجون إلى الدعم، لأن الأدب يتطلب جهدًا داخليًا هائلًا ونضجًا روحيًا. وتساعد المسابقات الأدبية الدولية على اكتشاف أسماء جديدة، وتوحيد الثقافات، وصناعة الفضاء الفكري للمستقبل.
ويُعد دعم الكتّاب الشباب في آسيا الوسطى مهمًا بصورة خاصة، لأن منطقتنا تمتلك عمقًا ثقافيًا وروحيًا هائلًا. لدينا تقاليد أدبية عظيمة: احترام الكبار، وذاكرة الأجداد، والشرف، والروحانية، والإنسانية. ولا ينبغي أن نفقد هذا الأساس.
— هل يمكن للثقافة ولدبلوماسية المواطن أن تؤثرا فعلًا في السلام بين الشعوب؟
— بالتأكيد. فالثقافة أعمق أثرًا من السياسة الرسمية. عندما يتعرّف الناس إلى أدب الشعوب الأخرى وموسيقاها وتقاليدها، يختفي الخوف من «الآخر»، ويحل محله الفهم والاحترام.
إن دبلوماسية المواطن تقوم على الثقة الإنسانية، لا على الشعارات السياسية. فالثقافة تبني الجسور بين الأمم، وتساعد على حفظ السلام حتى في الأوقات الصعبة.
— ما هي أمنيتك للجيل الشاب؟
— ألا يفقدوا أبدًا ثقافتهم الداخلية واحترامهم لجذورهم. فالعالم الحديث يمنح الشباب فرصًا عظيمة، لكنه يجلب أيضًا الكثير من الإغراءات و«الضجيج المعلوماتي».
ومن الضروري أن يفكر الإنسان ويحلل ويقرأ الكتب ويحترم الكبار ويحافظ على إنسانيته. وفي عصرنا الحالي، تصبح معرفة الهوية الوطنية أمرًا أساسيًا. فالهوية الوطنية ليست موضة عابرة، بل هي أساسك الحقيقي! يمكن للإنسان أن يكون عصريًا وناجحًا ومتمكنًا من التكنولوجيا، لكن إذا لم يكن بداخله نور وخير وسند روحي، فسيظل فارغًا من الداخل.
— السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن ينقذ الإنسانية اليوم؟
— لا شيء سوى العودة إلى الإنسانية. فلا التكنولوجيا، ولا المال، ولا الأنظمة السياسية تستطيع إنقاذ العالم إذا توقف الناس عن التعاطف والفهم والإصغاء إلى بعضهم البعض. تحتاج الإنسانية إلى العودة إلى ثقافة الحوار والاحترام والروحانية والمعرفة. علينا أن نتعلم من جديد كيف نصغي، وكيف نشعر، وكيف نكون بشرًا بحق. فالحضارة التي بلا روحانية لا مستقبل لها.
— أتمنى لكم الصحة والعافية والإلهام، وكتبًا جديدة، ومشاريع دولية، وامتنان القراء في جميع أنحاء العالم. ولتواصل كلماتكم توحيد الناس، وإلهام الشباب، وتذكير الإنسانية بالقيم الأبدية: الطيبة، والحكمة، والروحانية.
— شكرًا لكم. وأتمنى أيضًا لجميع القراء راحة البال، وحب المعرفة، واحترام جذورهم، والقدرة على البقاء إنسانيين في كل الأوقات، لأن الإنسانية هي القوة العظمى الحقيقية في هذا العالم.

“أجرت الحوار أسول مولدوكماتوفا، الشخصية الثقافية المكرّمة في جمهورية قيرغيزستان، ونائبة رئيس منتدى إيسيك كول باسم جنكيز أيتماتوف.”





