في هذه القصائد الأربع، يفتح الشاعر وعالم السياسة أشواني كومار خرائط الألم الإنساني على اتساعها، حيث تتقاطع غيوم الفطر النووي مع البحار النازفة، وتتحول الذاكرة إلى ساحة أخرى للحرب. يكتب كومار عن الخراب لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل باعتباره أثرًا محفورًا في الجسد واللغة والروح؛ مدنٌ تتشقق شفاهها من الجوع، وأوطانٌ تتلاشى من الخرائط، وأطفالٌ يطرقون نوافذ الأسماء المحطمة في عالم فقد يقينه بالسلام.
تنبض هذه النصوص بصور شعرية كثيفة ومؤلمة، تمزج الواقعي بالسريالي، وتستعيد أصوات الضحايا والمنفيين والعابرين في ظلال الحروب الحديثة. ومن خلال لغة مشبعة بالرموز والكوابيس والرؤى، يلاحق الشاعر معنى البقاء الإنساني وسط العنف، ويمنح الذاكرة حقها في مقاومة النسيان والصمت.
ويُعد أشفاني كومار أحد الأصوات الشعرية المعاصرة التي تجمع بين الحس الإبداعي والرؤية الفكرية؛ فهو شاعر وعالم سياسة يعمل أستاذًا زائرًا في الولايات المتحدة، وصدر له مؤخرًا كتاب Map of Memories، الذي يواصل فيه انشغاله بأسئلة الذاكرة والمنفى والحرب والهوية.
خرائط الفقد: قصائد الحرب و«الجلد المتفحّم» لأشواني كومار
أريد أن أكتب، أريد أن أرسم
الأرض هنا ليست بنيةً بل
حمراء كالدم
تلمع كعروسٍ في الليل
ثلج الربيع يذوب ببطء
في الضوء الخافت
للحمٍ آثمٍ للإله
وخلف فناء بيتي
تندلع حربٌ متوحشة—
نوافذ محطمة، دخان يتصاعد
وأشعة قمرٍ عنيفة تعبر الحدود
أرى جنيًّا في الحديقة
يجمع أحمر الشفاه نصف المحترق
من أجساد الفتيات الهاربات
الحجارة، طويلةً وموشومة،
تهمس عبر شفاه متقرّحة
كأنها تنتظر
عرس أمّها
أقولها الآن بوضوح—
لا أريد أن أموت
أريد أن أكتب وأن أرسم
بلاد الساري القطني المحترق
بلادي لا وجود لها على الخرائط
ولا في الأطالس—
أراها في عيون الحمام
والببغاوات،
وغالبًا ما أجمعها من ذكريات
الساري القطني المحترق لأمي،
أو أتتبع شكلها في دموع
نسّاجي السجاد العميان،
يقول الناس إن بلادي
مصنوعة من خيط حريرٍ قديم،
طوله ست بوصات:
واحد أزرق، وآخر أحمر،
والثالث أخضر،
لا أعرف إن كانت شكلًا رباعيًّا
أم مربعًا.
لم ألحظ شَبَهها
بأي بلدٍ آخر
في العالم الجديد أو القديم،
أبي يتحدث بلكنة مضحكة؛
لا يمكنك أن تفهم عِرقه
أو دينه،
مثل عطر غزلٍ شعري
بأي لغة.
جهلي بالجغرافيا فادح—
أفتش جيبي عن عملات بومبي
بينما أشتري خبزًا حارًّا
في حيي.
في النهار تنكمش بلادي
كجمبريّة صغيرة،
وفي الليل تنتفخ كفيلٍ حامل—
تحمل مغامرةً بريةً سرية،
وفي هذه الأيام، حين أسافر،
أسمعهم يقولون
إن الذين بلا وطن
يمكنهم الذهاب إلى أي مكان؛
أعضّ شفتيّ، أقاوم، ثم أستسلم
للحصار في البحر النازف.
الشحرورات الشقراء في المدينة
شفاه مدينتي تنتفخ ببطء،
تمزقها عضّات القطط الجائعة—
الشوارع، أنفاقٌ من شوكولاتةٍ داكنة ناعسة،
عنوانٌ مشترك
لا يجرؤ أحد على النطق به،
والملح على اللسان—
الجنود ينظفون بنادقهم،
وعيونهم زجاجية
بوميض أفلام الكبار في الصحراء،
كأن الجوع يمكن التدرب عليه،
وكأن الحرب يمكن تليينها بالظلال،
أرى راهباتٍ يدفنّ النساء والأطفال
على عجل،
قُتلوا في قصفٍ على ضوء الشموع
في المدرسة—
الشمع والعظام يذوبان
في ضوء الندى،
ربما ذات يوم
ستشق الشحرورات الشقراء السماء،
وستكسر الصمت حول
من عصب أعين الدبابات الوحشية،
ومن علّم المعدن اللامع
أن ينسى انعكاسه،
ماذا تفعل؟ أنا أحلم—
أبنائي وبناتي يدقون مساميرهم
في نوافذ أسمائنا المحطمة،
أختبئ داخل جلدي المتفحم،
وأضغط لساني على الذاكرة
حتى يصبح طعمها كالدخان، كالحديد،
كالنسيان،
لماذا أنا الوحيد الذي لا يخاف،
أم الوحيد الذي ما زال يتذكر
كيف يكون الخوف؟
ذكرى الجسر الذي بناه أبي
أنا طبيبٌ نفسيّ،
ممتلئٌ بأشعة الشمس.
وحين لا أكون في عيادتي،
ألعب الورق
مع زنابق نائحةٍ متنكرة.
كل ليلة أنام وحيدًا،
وفي غرفتي أكياسٌ
ممتلئة بخوذٍ بلا أصحاب،
كأن لها عيونًا تراقبني—
خائفةً من ارتكاب خطأ.
ما أغرب الأمر:
أن قتل الناس في المسالخ
ليس جريمة.
لا يبقى شيءٌ من اللغة
بعد أن تنظف عظامها،
متعفنةً مثل أوركيداتٍ قديمة.
لا علاج لأممٍ تتناحر
تحت غيوم الفطر النووي—
كل شيءٍ محددٌ سلفًا
ومتكرر،
حتى ذكرى الجسر الذي بناه أبي.
أهو الدم أم الحبر
ما نضحي به؟
هل ستنتهي الحرب يومًا؟
لستُ على يقين.







