قدور الجزيري … قرن من الفن … من العزف على النول إلى العزف على القانون

متابعة: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس

ـ في لمسة وفاء مقدرة من الفنان التونسي الكبير “زياد غرسة”، أحيت “أكاديمية زياد غرسة للمألوف والفنون” أربعينية الفنان الراحل الكبير وعازف القانون “عبد القادر الجزيري” الشهير بـ”قدور الجزيري”.

ويمثل الفنان الراحل الكبير “عبد القادر الجزيري” رحلة كفاح عصامية بكل ما يحمله التعبير من معنى، حيث ولد في منطقة باب سعدون العريقة بمدينة تونس في 23 فبراير – فيفري عام 1927، وامتهن منذ نعومة أظافره مهنة رقيقة وناعمة ودقيقة، وهي صناعة الحرير التي ورثها عن والده “الصادق بن محمد الجزيري”. وهي مهنة تتطلب التعامل مع تلك الخامة الغالية برقة تشبه العزف، وربما كان ذلك دافعه آنذاك لتعلم العزف على آلة القانون.

ولكن سرعان ما شهدت تلك المهنة ركودا، أغلب الظن أن سببه الحقبة الاستعمارية في ذلك الوقت التي نافست الكثير من المواطنين في أرزاقهم بمصانعها، واستولت على ثروات البلاد، مما دفعه إلى البحث عن فرص أفضل في فرنسا نفسها، حيث مارس هناك نشاطا موسيقيا، ثم عاد إلى تونس مرة أخرى ليعمل موظفا بوزارة التربية والتعليم.

ـ في منتصف الستينيات أصبح تركيز “قدور الجزيري” الأكبر على عالم الفن والموسيقى، فالتحق بـ”المعهد الرشيدي” كعازف لآلة القانون، وبرز اسمه كأحد أعمدة فرقة المطرب “محمد أحمد”، وكان رفيق درب شيخ المألوف الكبير “الطاهر غرسة”.

ولم يمض وقت طويل حتى أسس “عبد القادر الجزيري – قدور” فرقته الخاصة التي ذاع صيتها في أوساط العائلات التونسية العريقة. وخلال رحلته الفنية الحافلة اشترك في أواخر السبعينيات مع الشاعر الكبير عبد المجيد بن جدو في حلقات تلفزيونية بعنوان “متحف الأغاني”، ومع الفنان “علي السريتي” في برنامج “طرب واكتشاف”، كما شارك في الفرقة القومية للفنون الشعبية.

ـ ومع بلوغه سن الستين تفرغ لصناعة آلة القانون، واختتم حياته بتأسيس نوادي الغناء لينقل للآخرين ما جمعه من موروث الغناء التونسي والموشحات والأدوار الشرقية. وودع الحياة وغادر عالمنا هذا الفنان الكبير بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع في يوم الأربعاء 22 أبريل – أفريل عام 2026.

لكن ابنه الروحي الفنان “زياد غرسة” أبى إلا أن يحيي ذكرى أربعينية هذا الفنان الكبير في أكاديميته الخاصة للمألوف والفنون، واستدعى للمشاركة في إحياء تلك الذكرى العطرة أبرز وجوه الثقافة والإبداع والإعلام في تونس والعالم العربي. وكان في مقدمتهم وزير الشؤون الثقافية الأسبق السيد عبد الرؤوف الباسطي، والصديق الفنان الكبير رؤوف بن عمر، فيما تولى تقديم الحفل الموسيقي والإذاعي الصديق الدكتور نوفل بن عيسى.

وبعد مقدمة ضافية عن حياة الفقيد قدمها الدكتور عبد العزيز زكور، أدلى وزير الشؤون الثقافية الأسبق السيد عبد الرؤوف الباسطي بشهادة تفصيلية عن رحلة الفنان الكبير “عبد القادر الجزيري – قدور”، وكيف كان وفيا لفنه وإبداعه ولأحياء تونس العريقة التي عشقها. كما روى ذكريات جميلة للفقيد مع الفنان الكبير الشيخ “سيد مكاوي” في أولى زياراته إلى تونس، وكيف نجحت الحفلة التي اشتركا فيها، مما شجع القائمين على الشأن الثقافي آنذاك على إقامة حفل استثنائي آخر بعد النجاح الكبير للحفل الأول.

فيما أدلى الفنان الكبير رؤوف بن عمر بشهادة دافئة عن الفنان الكبير الذي وصفه باسم “عم قدور الجزيري”، تحدث فيها عن بساطة هذا الفنان المبدع الذي ظل لوقت طويل وفيا لعشقه للمدينة العتيقة، وكيف كان حريصا على الذهاب إليها ممتطيا دراجته الهوائية التي ظلت رفيقة دربه من عهد الصبا إلى الشيخوخة، وكيف كان محبا للجلسات وتبادل الفكاهة مع أحبائه في قهوة “العباسية”، وحنينه إلى دروب ومقاه تبدلت مع الزمن، لكنها سنة الحياة.

وقبل أن نغادر “أكاديمية زياد غرسة للمألوف والفنون”، استمتعنا بفيلم قصير عن الفنان الكبير “عبد القادر الجزيري – قدور” أخرجه الصديق الفنان “لطفي البحري”، الذي داعب المشاعر من خلال نوستالجيا تونسية لم تغفل لا البشر ولا الحجر، عبر رحلة حياة “عم قدور الجزيري” التي تشبه تونس في عراقتها وزخمها الدافئ الحبيب.

  • Related Posts

    A Journey Beyond Identity: Sulfur Editions Launches the English Translation of Ibrahim Abdel Meguid’s The Passerby

    Sulfur Editions proudly announces the international publication of The Passerby, a remarkable new work by acclaimed Egyptian novelist Ibrahim Abdel Meguid, one of the Arab world’s most celebrated literary voices.…

    افتتاح فضاء لمجلة الحياة الثقافية بمدينة الثقافة ـ الشاذلي القليبي

    كتب: خالد سليمان – طريق الحرير اليوم ـ تونس ـ في حفل كلاسيكي أنيق افتتحت مساء أمس السيدة أمينة الصرارفي، وزيرة الشؤون الثقافية التونسية، فضاء جديدا لمجلة الحياة الثقافية التونسية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *