بعض من حكايا شهرزاد |  لغة المعاجم  وأسرار الأحلام والأمنيات 

طارق العمراوي

 صدر للشاعرة مريم عبيدي باكورة أعمالها  الشعرية تحت عنوان  بعض من حكايا شهرزادوضم 26 قصيدة نثرية قدم لها الدكتور علي العتري

أما عن العنوان كعتبة فنية ومضمونية فإن الشاعرة تتقاطع مع إحدى الرموز التراثية شهرزاد وحكاياها وهل أصبحت هنا شهرزاد مانحة صفة الحكايا  لكل نساء الكون أم للشاعرات ؟ وهل ستضيف الشاعرة حكايا جديدة لحكايات شهرزاد؟ أم ستعيد تقديم الحكايا بطريقتها؟ وهل الكلام الشعر موجه لشهريار ولكل الرجال؟ أم  هي حكايا من الشاعرة للمرأة أم حكايا للإنسان عموما؟

 والوارد على هذه المجموعة طالبا المدد والعطاء والمتعة أكان شاعرا أو ناقدا أو من محبي التفعيلة والنثر وما شابه   سيجد ما يروي عطشه الفكري والوجداني والحياتي وتستوقفه مفردات تمثل عدة معاجم ومرجعيات خاصة ارتبطت جوهريا وجدليا  أولا بعالم شهرزاد وأولها الحكايا  ومضمونها .ورواية القصص لكل العابرين دون تخصيص لتحدث فرقا جديدا لشهرزادها أو لنفسها الشهرزادية  وشهريار الذي لم يغب رغم نظرتها الشعرية الجديدة للمشهدية الشهرزادية والفجر وكل من في هذا الديوان والكتاب الشعري هو جزء من حكايا شهرزاد التي غادرت الزمان والمكان إذ تقول الشاعرة:

شهرزاد هي الأخرى غادرت حكايتها

 ما زالت تروي قصصها للعابرين

 تمعن النظر في أسمائهم 

وتسال هل مر من هنا شهريار 

 هي لا تعرف أنها غادرت الحكاية من زمان 

وجيء بمن تتقن العزف  وسرد الحكايا

 هذا النص الذي استبطن هذا الأسلوب الحكائي تتغير  شهريار وشهرزاد لكن تبقى الحكاية وسرديتها وعرضها  القولي المميز وها هي الشاعرة  تتقاطع مع هذا المنحى القديم المتجدد الذي يستلهم من التراث المحكي والمسموع  رموزا ومفاتيحا تقوده للخلود  بل تواصل الشاعرة كغيرها  ممن استهوتهم اللحظات الخالدة  لمحطات حياتية ووجدانية فاستقدموها  فكانت كلمات مثل الشياطين والملائكة  والصليب وكتابة العهد والقديسة العذراء  وغياب يوسف وهذا يعقوب والآيات والمحراب وسبع عجاف مفاتيح تغني الحس الشعري ومراميه وغاياته وغائياته .

 وها هي الشاعرة في عدة فواصل شعرية تتعالق مع النص المقدس في حركية نصية فأحضرت لحظات ومواقف ووقفات كي تقول نفس المضمون  على شاكلة محاورة ابداعية ولغوية ما يثري النص لغة ومتنا ومضمونا ومن الأمثلة عندما تقول  في قصيدتها  سكون” :

أكانت أماني 

 أم رجما لمسترقي السمع 

 وهي حركة وفعل رباني موجه للجن كما يقول النص القرآنيوأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا 

وغياب يوسف  عن أبيه النبي يعقوب بعد قذفه في البئر  وأمام إيمان والده بالعودة وأمله في يوم جديد يشع نوره رجع يوسف بعد غياب طويل تقول الشاعرة في قصيدتهاأرض الرب“:

عتمة النفق ما أجزعت الأحلام

غياب يوسف ما كسر الأمل 

 وفي نفس التمشي ومع نفس النبي وحلم الملك الذي أرقه كما يقول النص القرآنييوسف أيها الصديق  أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابساتلتقول الشاعرة في قصيدةالعهد

 سبع عجاف

 ماقبلهن الفراغ 

وما بعدهن الضياع

ثم حرت عدة رموز معاصرة وذات رمزية عالية مثل تشي جيفارا وسلفادور وسمفونية أندريه  والغجر والغول وأطلنطس  وشلالات  بيغار 

 ثم شق الكتاب الشعري نهرين جاريين أولهما الحلم وثانيهما الأمنيات والأماني لكن يلتقيان   ويكون  التلاقي 

 فالحلم حضر كسلطة تمكننا من الوصول  للغيوم  وما بعدها وعن أمكنته فقد كان محفورا على الجدار وأحلام في اليم والبئر وأحلام لم تكتمل وأخرى انتحرت  وثالثة تغتصب  وغيرها يهذي ومنها من سقط وآخر ينتظر السقوط وأحلام نائمة في سباتها وبإمكانها أن تهجر طالبيها إن طلبوها ومما قالته في قصيدةعبور

 حين عبرنا الجسر سقط الحلم

 أحلامنا جسور معلقة على سماء لا تمطر أبدا 

 ترى أسراب النوارس وتنتظر الغيث ولا يأتي

فمن أين أنت؟؟

وأين نذهب فالأمل 

 كل الآمال كاذبة ما عدا السراب

 كل الأحلام صادقة حتى يسقط الجسر

 ومن هنا تفتح بوابة الأمنيات  أين ترقد في لحظة ما  في أرض الغياب وخلف الضباب أو خلف الصحاري كما تقول الشاعرة أو هي مدفونة تحت شجرة السرو وأمنيات من دموع الأمهات فتقول في قصيدتهاأمنيات“: 

لي ما يكفي من الأمنيات كي لا تتحقق

أمنية قديمة سرقتها  من باخرة ألمانية 

 رست على الساحل ذات حرب

 أمنية أخرى اغتصبتها  من طفلة ريفية ساذجة

 وأمنيات من دموع الأمهات

 وقطرات عرق الفلاحين

 كل هذا يكفي  ألا تتحقق 

 ثلاث وعشرون سنة مروا على أمنية كانت تجمع الحروف

 أما  نقاط التقاطع بين الحلم والأمنيات  فقد حضرت في عدة لحظات مفصلية في نص الشاعرة  كما قالت: 

كان يربي أحلامنا بين شذى الأمنيات المرفرفة

 وهل الأمنيات  إلا أحلام يقظة أو أحلام نوم الذي به ننتصر للأمنيات  أو طالبين تحقيقها في مسافة ومساحة أخرى في جدلية خاصة  نحدد الأمنيات وأمانينا ونحلق بالحلم كي ترى الأمنيات بصيص الأمل والتحقق أو يعجز الحلم عن تحقيق أمانينا وقد لاحظنا مستوياته العديدة خلال الجمل الشعرية التي استحضرت الحلم الذي تحول بدوره إلى أمنية  وربما تكون الأمنيات أكبر من الحلم في صدقيتها وانسداد أفق التحقق والانجاز 

 إن نصبعض من حكايا شهرزادللشاعرة مريم عبيدي  وحكاياها هنا وهناك تسافر بك في المكان  والزمان تعانق وتتعالق مع الماضي ورموزه  تستقدم ما أمكن لتناصها وتعالقها لإثراء مشهدية نصها الشعري.

  • Related Posts

    موعد مع الشعر على طريق الحرير

     ضمن احتفالات سلسلة «إبداعات طريق الحرير» بمرور عشر سنوات على تأسيسها، تتجدد الخميس القادم … الثامن عشر من يونيو  مواعيد الشعر مع أصوات صنعت حضورها الخاص في المشهد الثقافي العربي،…

    جندوبة : جلسة احتفالية  بالشاعرة مريم عبيدي 

    شهدت قاعة الاجتماعات بجمعية  فريق للاستراتيجيات صبيحة يوم الأحد14 جوان 2026 جلسة احتفالية بالإنتاج الشعري الأول للشاعرة مريم عبيدي  وجاء تحت عنوان “من حكايا شهرزاد ” وبعد الكلمة الترحيبية لرئيسة الجمعية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *