هناك أحداثٌ لا يمكن اختزالها في تقارير عابرة أو سجلات جافة؛ أحداثٌ تغيّر زاوية نظرنا إلى العالم وتعيد تشكيل وعينا به. هكذا تصف الشاعرة والفيلسوفة الروسية مارجريتا آل الدورة السادسة والثلاثين من مهرجان ميديين الدولي للشعر في كولومبيا، مؤكدةً أن الحديث عنه بلغة الإشادة التقليدية يُفقده حجمه الحقيقي وقيمته الإنسانية العميقة.

وتستعيد مارجريتا آل لقاءها الأول بالشاعر الكولومبي فرناندو ريندون خلال مهرجان «ليفت» الأدبي الأوراسي في باكو عام 2019، لتؤكد أن شخصية ريندون تمنح هذا الحدث الاستثنائي معناه الأعمق. فقيادة مهرجان شعري على مدى ستة وثلاثين عاماً في مدينة عُرفت بتاريخها المثقل بالعنف والاضطرابات ليست مهمة إدارية، بل فعلٌ أخلاقي يتجدد عاماً بعد عام.
وترى آل أن فرناندو ريندون لا يبحث عن الشهرة السهلة أو النجاح العابر، بل يواصل بناء فضاء ثقافي يجعل الشعر في مواجهة مباشرة مع الواقع بكل تناقضاته وآلامه. ومن هنا تأتي خصوصية مهرجان ميديين؛ إذ لا يهرب فيه الشعر من أعباء العالم، بل يتخذ منها مادة للتحول والتجدد، فيحوّل فوضى التجارب الإنسانية إلى إيقاع منظم، وإلى جسور تعيد الإنسان من عزلته إلى الجماعة وتمنحه الحق في أن يُسمع صوته.
وتؤكد الكاتبة أن ميديين قدّمت للعالم درساً بالغ الأهمية، وهو أن الشعر يمكن أن يكون بديلاً إنسانياً لأساليب إدارة العالم المعاصرة. فعندما عاشت المدينة سنوات الإرهاب والعنف، لم يبق الشعر حبيس القاعات المغلقة، بل خرج إلى الساحات العامة، وإلى محطات المترو، والسجون، ومخيمات اللاجئين، أي إلى كل مكان تكون فيه الحاجة إلى الكلمة أكثر إلحاحاً. وهكذا أثبت مهرجان ميديين أن الشعر قادر على أن يتحول إلى ممارسة للتضامن المدني والإنساني.
وتشير مارجريتا آل إلى الأرقام التي تعكس اتساع هذا المشروع الثقافي؛ فقد استضاف المهرجان، خلال تاريخه الطويل، نحو 1700 شاعر من 175 دولة، وتجاورت على منصاته مئة لغة مختلفة. غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن في حجمها فحسب، بل في الطريقة التي تتعايش بها تلك الأصوات المتعددة؛ فهي لا تنصهر في صوت واحد يلغي الفوارق، وإنما تصنع تعددية صوتية ثرية، يصبح فيها كل اختلاف إضافة ضرورية إلى الصورة الإنسانية الكبرى.
وتتوقف الكاتبة عند الدورة الثلاثين للمهرجان عام 2020، التي شاركت فيها افتراضياً خلال فترة جائحة كورونا. ففي الوقت الذي انغلق فيه العالم داخل البيوت، رفض مهرجان ميديين أن يصمت الشعر. ومن خلال الوسائط الرقمية نظم 132 أمسية شعرية وحواراً ثقافياً تابعها نحو 385 ألف مشاهد. وتؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد استجابة اضطرارية للظروف، بل كان توسيعاً لحدود الممكن، إذ أثبت الشعر قدرته على العيش في الفضاء الرقمي من دون أن يفقد جوهره بوصفه وسيلة لتقريب القلوب والضمائر.
وتستشهد مارجريتا آل برؤية الشاعر البريطاني ريتشارد بيرنغهارتن الذي اعتبر الشعر عنصراً أصيلاً في المخيلة الإنسانية وأحد مفاتيح الحرية. وتؤكد أن مهرجان ميديين يجسد هذه الفكرة عملياً، لأنه يمنح الإنسان حرية التعبير وحرية الإصغاء، ويتيح للشعوب أن تتحدث عن آلامها ومعاناتها، وأن تبحث من خلال الكلمة عن دروب يتحول فيها الظلام إلى نور.
ومن منظورها بوصفها شخصية كرّست حياتها للدبلوماسية الثقافية، ترى مارجريتا آل أن مهرجان ميديين ليس مجرد مناسبة أدبية، بل حدث ثقافي عالمي يمتلك بوصلة أخلاقية تتجه نحو المستقبل. فهو يبرهن أن الفن قادر على أن يكون صارماً مع نفسه، حساساً تجاه العالم، وشجاعاً أمام تحديات التاريخ.
وفي قلب هذه التجربة الإنسانية يقف فرناندو ريندون، الذي أصبحت وفاؤه للشعر والتزامه برسالته مثالاً يحتذى به داخل المجتمع الأدبي الدولي.
وتختتم مارجريتا آل مقالها بعبارة مفعمة بالأمل والاعتراف الإنساني قائلة:
«غداً سأصبح جزءاً من هذه الأخوة الشعرية، وليس في ذلك أي بلاغة أو مجاملة. إنه اعتراف بأن الكلمة هنا، في ميديين، ما زالت قادرة ـ كما كانت قبل ستة وثلاثين عاماً ـ على تغيير الواقع، وعلى تذكيرنا بأننا، في النهاية، بشر نعيش على كوكب واحد.»
مارغريتا آل
شاعرة وفيلسوفة، ورئيسة منظمة كتّاب العالم
2 يوليو/تموز 2026
بوغوتا – كولومبيا




