قراءة في نصّ ” الدرويش ” من كتاب الأبيض والأسود للشاعر الفيلسوف محمد الشارني تركيزًا على إيقاع الصورة و إيقاع المعنى في دراسة تحليلية موضوعية .

صباح بنكهة الامس يراود الحياة ان تمنحها وقتا أكثر ربما تقاسما للذكرى أو إنغماسًا في اللحظة الراهنة .
يستمع الجمهور لهذا اللحن الشجي فيصفق فرحا
يتشجع الشاعر فيتقدم نحو الزمن يروم أن يجد إجابة لسؤاله ،
لما تتسارع الأحداث؟ لما يصل إلينا الزمن متعبا ؟
يترجاه ….ألا عد بي قليلا .. عد بي حيث تركت ألواني أيها الزمنُ .

هنا نجد الحنين قد سكن فؤاد الشاعر فأصبح القليل يكفي حتّى يعود لأمسه حيث كان يحلمُ بكلّ قوّة بمستقبل مزهر ..
أحلامهُ كأنها قنديل يروم ان يهزم الظلام الأظلم .
الحياة لا يعجبها الصفاء فتبعث بالشتاء ليرسم الحزن بين ثنايا عنينين تعرفان طريقهما نحو السعادة .
المهم اننا مازالنا على قيد الأمل نغازل ألون الحياة و نتغزّل بجمالها فتنفتح بعمق يشبه أعماق الكون بما يحمله من تناقضات و من تشابهات.
الشاعر يعيش الانبتات ومن يحمل هذا الشعور هو انسان يعيش الحياة بأدّق تفاصيلها يحزن لما يراه لكنه يجعل الالحان ترافقه فيغرد خارج السرب . لعل محمد هنا يشبه إلى حدّ ما الفيلسوف شوبنهاور
ذاك الفيلسوف المتشاءم غير أنّ الشارني نجد في تشاؤمه تفاؤلاً ،
لأنّهُ يؤمن بأنّهُ مع العسر يولد اليسر.

أحاسيس شتى تنتابه فيغدو درويشا متصوّفًا ، يرتدي جبّةً بلون الياسمين ينتقل من هدوءه الى شطحات لا يعي أحد مغزاها ..
حيث نجدهُ يغير لون الطربوش من الأحمر كما اعتدناهُ إلى الأسود فيستحل لباس الدرويش نسخةً طبقَ الأصل لغلاف كتابه،

يواصل محمد الشارني ألحانه خارج السرب يرسم بكلماته الأمس والحاضر والمستقبل … تتوالى الشطحات لا يفقه الجمهور مغزاها لكنه يصفق لأنها لامست نبضه و داعبت فؤاده .
ويبقى الأنا يدور حول نفسه في حركة إنسجامية مع الكون فيها تناغم مع ملكوت اللّه … ينسج محمد ألوانًا شتى هو يهواها ألوانًا تشبه إلى حدّ ما ألوان المجرّات الأخرى المبثوثة في هذا العالم الشاسع.
فيما يخصّ إيقاع الصورة ، يراهن الشاعر الفيلسوف محمد الشارني
على ترسيخ صورة الدرويش في ذهن المتلقي بكامل أوصافها الحسيّة و المعنويّة … و فيما يخص إيقاع المعنى فمحمد يورّط المتلقي و يقحمهُ في هذا الدوران المستمر و المتواصل مع الدرويش المحافظ على توازنه، فيسقط القارئ على أرض القصيدة في حين يبقى الدرويش قائمًا مستقيمًا على قدميهِ ليلقي التحيّة الأخيرة منحنيًا لجمهوره ثمّ يمضي.
كانت هذه قراءة لقصيدة الدرويش الّتي ختمت بتصفيق الجمهور لهُ …
فالجمهور هنا لا يصفّق فقط للدرويش الّذي يدور في حركة تشبه الطبيعة بل يصفّق للشاعر محمد الشارني الّذي جعل من الدرويش مدار إهتمام النصّ و النّاس على حدّ سواء .
ريم الكافي/ تونس في 20 جويلية 2026






