أجرى الحوار طارق العمراوي
انطلقت تجربتي من دراسة النقوش الجنائزية البونيقية في مقابر كركوان
يصعب حصر تجربتي في مدرسة واحدة، لأن المشروع الفني بالنسبة إليّ يتجاوز الانتماءات الأسلوبية.

س1: كيف تقدمين الفنانة هيفاء الجندوبي؟
أعرّف نفسي كفنانة تشكيلية وباحثة في الفنون البصرية، متحصلة على الاجازة الأساسية في الفنون التشكيليّة، وماجستير بحث في نضريات الإبداع ودكتوراه في تكنولوجيات الفن من المعهد العالي للفنون الجميلة بنابل.أشتغل على الذاكرة البصرية للمجتمع التونسي من خلال إعادة قراءة الموروث الأثري في لغة تشكيلية معاصرة. لا أتعامل مع اللوحة بوصفها فضاءً جماليًا فقط، وإنما باعتبارها مجالًا للبحث والتأمل في علاقة الإنسان باالزمن والذاكرة. انطلقت تجربتي من دراسة النقوش الجنائزية البونيقية في مقابر كركوان، بجهة الوطن القبلي، حيث وجدت عالمًا بصريًا ثريًا بالرموز والدلالات. هذه الرموز لا أنقلها كما هي، بل أعيد تأويلها داخل بناء تشكيلي جديد، لتتحول من أثر تاريخي إلى خطاب بصري معاصر يطرح أسئلة حول الهوية والاستمرارية والوجود.
س2: ما هي المدارس التي تأثرتم بها؟
يصعب حصر تجربتي في مدرسة واحدة، لأن المشروع الفني بالنسبة إليّ يتجاوز الانتماءات الأسلوبية. تأثرت بالفن الرمزي في قدرته على التعبير عن الأفكار عبر العلامة، كما وجدت في بعض الاتجاهات المعاصرة ما يشجع على استثمار الذاكرة والتراث بوصفهما مادة للإبداع. لكن التأثير الأعمق لم يكن مدرسة فنية بقدر ما كان الأثر نفسه؛ فقد كانت النقوش والزخارف البونيقية في كركوان معلمي الأول، لأنها قدمت لي لغة بصرية متكاملة تختزل رؤية حضارة حول حقيقة
الموت وما يليه.
س3: هل يجد خطكم التشكيلي خط تواصل مع التجربة التونسية؟
بكل تأكيد، لأن الفن التونسي منذ بداياته كان منشغلًا بسؤال الهوية. غير أنني اخترت أن أقترب من هذا السؤال عبر جانب لم يحظ بالاهتمام الكافي، وهو الموروث الجنائزي البونيقي. لا أستحضر التراث من أجل الحنين إليه، بل أعتبره مادة حية قابلة لإعادة القراءة، لذلك أحاول أن أبني حوارًا بين الأثر القديم والإنسان المعاصر، حتى يصبح الماضي جزءًا من الحاضر وليس مجرد ذكرى.
س4: لماذا الحيوان والأوراق في لوحاتكم الفنية؟
كل عنصر في لوحاتي يحمل وظيفة رمزية. فقد استلهمت العديد من هذه العناصر من النقوش الجنائزية في مقابر كركوان، حيث يتكرر حضور الديك، ورمز تانيت، والمذبح، والعناصر النباتية. أستحضر الديك لما يحمله في بعض القراءات من دلالات ترتبط باليقظة والعبور بين عوالم الحياة والموت، وهو جميل النفس و الروح بتمثلات مختلفة. بينما تمثل النباتات استمرار الحياة وتجددها، ويجسد رمز تانيت الحماية والخصوبة والقوة الروحية. هذه العلامات عندما تدخل فضاء اللوحة لا تبقى مجرد رموز أثرية، بل تصبح مفردات تشكيلية تفتح المجال أمام المتلقي لبناء تأويله الخاص. س5: هل هناك حركة نقدية تواكب الكم التشكيلي التونسي؟ الحركة التشكيلية في تونس أكثر تطورًا من الحركة النقدية. فلدينا فنانون يقدمون مشاريع جادة ومتنوعة، لكن النقد المتخصص ما زال محدودًا مقارنة بغزارة الإنتاج. الفن يحتاج إلى عين نقدية تكشف طبقاته الفكرية والجمالية، لأن العمل الفني لا يكتمل إلا بالحوار الذي يخلقه مع الباحثين والنقاد والجمهور.
س6: كيف تقيمون المد التشكيلي التونسي وتنوع التجارب الفنية؟
المشهد التشكيلي التونسي يتميز بتعدد الأصوات والرؤى، وهذا مصدر قوته. هناك تجارب تستلهم التراث، وأخرى تنفتح على القضايا المعاصرة، وثالثة تبحث في التجريب التقني. ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من الفنانين فقط، بل مزيدًا من المؤسسات الداعمة، والنقد، والبحث، والانفتاح الدولي حتى تجد هذه التجارب مكانها الطبيعي في المشهد الفني العالمي.
س7: لماذا إلى اليوم لم نقدم فنيًا لوحة تشكيلية تكون مدار نقاش عالمي؟
أعتقد أن الإبداع موجود، لكن وصوله إلى العالمية لا يتوقف على جودة العمل وحدها. فهناك منظومة كاملة تشمل المتاحف، والنقد، والمعارض الدولية، وسوق الفن، والإعلام الثقافي. الفنان التونسي يمتلك القدرة على إنتاج أعمال ذات قيمة، لكن هذه الأعمال تحتاج إلى بيئة ثقافية تضمن لها الانتشار والتراكم والحضور في المؤسسات الفنية العالمية. س8: هل يغريكم التراث التونسي لتتفاعلوا معه ويكون حاضرًا في لوحاتكم؟
التراث بالنسبة إليّ ليس موضوعًا، بل هو منبع رؤيتي الفنية. كل لوحة أرسمها هي محاولة للإنصات إلى الأثر، وإعادة اكتشاف ما تخبئه الرموز القديمة من معانٍ. عندما أستلهم النقوش البونيقية، فإنني لا أبحث عن إعادة إنتاج الماضي، وإنما عن بناء لغة تشكيلية تجعل هذا الماضي قادرًا على مخاطبة إنسان اليوم.
س9: ماذا تقدم لكم المعارض الخاصة والجماعية؟
المعارض هي اللحظة التي يغادر فيها العمل مرسم الفنان ليبدأ حياة جديدة مع الجمهور. المعرض الفردي يسمح لي بعرض المشروع في تسلسله الفكري والبصري، بينما تمنحني المعارض الجماعية فرصة الحوار مع تجارب مختلفة، وهو ما يثري رؤيتي ويجعلني أعيد التفكير باستمرار في عملي.
س10: هل التونسي يقتني اللوحات التشكيلية والفنية؟
ثقافة الاقتناء موجودة، لكنها ما تزال محدودة وتحتاج إلى دعم أكبر. أؤمن بأن نشر الثقافة البصرية منذ المدرسة، وتشجيع المؤسسات على اقتناء الأعمال الفنية، سيساهم في بناء علاقة أقوى بين المواطن والعمل التشكيلي، لأن اللوحة ليست منتوج فقط، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية للمجتمع. كلمة ختامية أؤمن بأن الفن الحقيقي لا يكتفي بإنتاج صور جميلة، بل يسعى إلى إنتاج معنى. لذلك أحاول من خلال تجربتي أن أجعل النقوش البونيقية، التي بقيت قرونًا صامتة على جدران القبور، تستعيد صوتها داخل اللوحة المعاصرة. إذا استطاعت أعمالي أن تدفع المتلقي إلى إعادة النظر في تاريخ هذه الأرض، وأن تجعله يكتشف أن رموز حضارتنا القديمة ما زالت قادرة على مخاطبتنا اليوم، فسأعتبر أنني حققت جزءًا من رسالتي كفنانة وباحثة.





