سبع حكايات موسكوفية!
د. أشرف أبو اليزيد
لكل مدينة حكاياتها التي لا تُروى كلها في الكتب. بعضها يختبئ في الأزقة، وبعضها يطفو على سطح الأنهار، ومنها ما يسكن الميادين والجسور والقباب. أما موسكو، فإنها تعرف كيف تحكي بعض أسرارها من السماء؛ حيث ترتفع أبراجها كأنها صفحات عملاقة في كتاب مفتوح على تاريخ المدينة.
الحكاية الأولى: ناطحات السحاب الستالينية
في موسكو، لا يكفي أن تتأمل الكرملين أو تقف في الساحة الحمراء، ولا أن تتبع مجرى نهر موسكوفا أو تمشي على خطى الزائرين في قلبها التاريخي. فهناك، فوق المشهد الحضري، سبعة أبراج شاهقة تستوقف العين، وتبدو كأنها علامات فارقة في ذاكرة المدينة. إنها ما يعرف باسم «الأخوات السبع»، أو بالروسية ستالينسكي فيسوتكي، أي «ناطحات السحاب الستالينية». وقد أصبحت هذه الأبراج مجتمعة واحدة من أكثر السمات المعمارية تميزًا في موسكو. بُنيت هذه الصروح، في معظمها، بين عامي 1947 و1957، في أواخر الحقبة الستالينية، ولم تكن مجرد ناطحات سحاب بالمعنى الهندسي. لقد كانت بيانات معمارية كُتبت رأسيًا على أفق موسكو.
من بعيد، تبدو عمارتها أقرب إلى مشهد مسرحي. يرتفع كل مبنى من قاعدة عريضة قوية، ثم يصعد عبر طبقات متدرجة تضيق شيئًا فشيئًا، حتى يبلغ برجًا نحيلًا يتوجّه سهمٌ معماري نحو السماء. وفي القمة، تبدو النجمة الشهيرة كأنها علامة ترقيم أخيرة وضعت في نهاية جملة كتبتها المدينة على صفحة السماء.
ومن الصعب أن نضع هذا الطراز المعماري في خانة واحدة. فهو يستعير جلال العمارة الكلاسيكية، وثراء الزخارف الروسية، وأصداء من الباروك، وشموخ العمارة القوطية، إلى جانب الإمكانات الهندسية التي أتاحتها ناطحات السحاب الحديثة. وهكذا جاءت النتيجة لا قديمة تمامًا ولا حديثة تمامًا، وإنما رؤية مميزة من القرن العشرين لمعنى الصرح والضخامة.
ولعل هذا هو ما يجعل الأخوات السبع آسرة بالنسبة إلى الرحالة: إنها مبانٍ، لكنها في الوقت نفسه وثائق تاريخية قائمة على الأرض.
أكبر الأخوات السبع، وربما أكثرها إثارة للمشهد، هو المبنى الرئيسي لجامعة موسكو الحكومية، القائم فوق تلال العصافير. يهيمن برجه المركزي الهائل على المشهد المحيط، بينما تمتد أجنحته الطويلة على الجانبين في تناظر يكاد يستحضر صورة القصور. حين تنظر إليه، تدرك كيف تستطيع العمارة أن تحول التعليم إلى رمز مدني مهيب. فالجامعة هنا لا تشغل حيزًا من المدينة فحسب، بل تبدو كأنها تدخل في حوار معها من علٍ.
وعلى مقربة من نهر موسكوفا تقف عمارة جسر كوتيلنيتشيسكايا، التي يمنحها موقعها طابعًا شعريًا خاصًا. حين ركبنا الكروز النهري بدا لنا أن النهر يجري تحتها، بينما يصعد البرج فوق المدينة القديمة. ومن الماء، أو من الضفة المقابلة، يبدو المبنى وكأنه ينتمي في آن واحد إلى عالمين: موسكو التاريخية بشوارعها وكنائسها، وموسكو القرن العشرين بمشهدها المعماري الضخم.
ثم يأتي فندق أوكرانيا، المعروف اليوم باسم فندق راديسون كوليكشن موسكو. يمنحه موقعه بالقرب من نهر موسكفا وشارع كوتوزوفسكي بروسبكت شخصية مختلفة. فقد شُيد ليكون فندقًا كبيرًا، غير أن عمارته تحمل المفردات نفسها من القوة والاحتفال التي تميز شقيقاته الأخريات. كان الفندق مخصصًا لاستقبال الضيوف، لكن مبناه نفسه كان جزءًا من استقبال موسكو لزائريها؛ بوابة عالية إلى المدينة، تترك في الذاكرة صورة لا تقل حضورًا عن صور شوارعها وميادينها.
أما مبنى وزارة الخارجية، فربما كان أكثر الأخوات السبع وضوحًا في حضوره الرسمي. يقف في ميدان سمولينسكايا، وكأنه صُمم ليعلن، قبل أن يتحدث أي مسؤول، أهمية المؤسسة التي يحتضنها. واجهته الهائلة وبرجه المركزي المرتفع يحولان الدبلوماسية إلى عمارة؛ وكأن العلاقات بين الدول وجدت لنفسها شكلًا من الحجر والحديد والسماء.
بعده مبنى ميدان كودرِينسكايا، الذي ينتمي إلى فصل آخر من الحياة الحضرية في موسكو. فقد كان في الأساس مبنى سكنيًا، وهو ما يذكرنا بأن الأخوات السبع لم تكن جميعًا مباني حكومية أو رموزًا رسمية. فخلف واجهاتها المهيبة كانت هناك شقق وفنادق ومكاتب وممرات ومطابخ وعائلات وحيوات يومية؛ أي أن التاريخ الكبير كان يعيش، في نهاية الأمر، إلى جوار التفاصيل الصغيرة للناس.
أما بالقرب من البوابات الحمراء فترتفع واحدة أخرى من المجموعة، وهي مبنى البوابات الحمراء، بينما تكتمل الأخوات السبع بـ فندق لينينغرادسكايا، بالقرب من ميدان كومسومولسكايا. ورغم أن الفندق أصغر من بعض شقيقاته، فإنه يعوض ذلك بكثافة التفاصيل الزخرفية، وبداخل صُمم بالثقة والثراء نفسيهما اللذين يميزان هذه العمارة.
وأنت تمشي في موسكو، أو تنظر لخريطتها تبدأ تدريجيًا في إدراك أن الأخوات السبع لم توضع في أماكنها مصادفة. إنها تحتل نقاطًا مهمة في جغرافية المدينة، فتشكل ما يشبه كوكبة معمارية. كان المقصود لها أن تُرى من اتجاهات ومسافات مختلفة، وأن يتحول أفق موسكو نفسه إلى تكوين معماري واسع، تتجاوب فيه الأبراج من بعيد، حتى لو لم تكن تراها كلها في اللحظة ذاتها. ويمنح الرقم سبعة المجموعة اسمها ذي النبرة الأسطورية. لكن الحكاية التي تقف وراءها كانت أكبر من سبعة مبانٍ. فقد تخيل المخططون السوفييت تحولًا أكثر ضخامة لموسكو، كان من بين مشروعاته قصر السوفييت، ذلك المشروع العملاق الذي لم يكتمل.
الحكاية الثانية: : متحف النصر
انطلقنا نحو متحف النصر (الاسم الرسمي: المتحف المركزي للحرب الوطنية العظمى). مرشدتنا الآنسة سين، كانت تنتظرنا لتمضي معنا في أروقة المتحف كأنها تحمل التاريخ في يديها مصباحًا لا يخبو. بدأت رحلتنا تحت القبة الشاهقة حيث انفتح فيلم الحرب كجرحٍ يعاود الإضاءة: طائرات تصرخ في سماء ترتجف، جنود تبتلعهم الثلوج، ومدن تنهض من بين الركام كصلوات تأبى أن تموت. بدأت ألتقط صور القبة، افتقدت كاميرا الفيديو، لأن الصور الساكنة قد لا تنقل ما غمرنا به الفيلم الناطق بالروسية، لكننا فهمناه.
ومن هناك، سرنا إلى “قاعة الذاكرة والحزن” حيث دموع البلور معلَّقة في أبدية صامتة، كأن الأسى يسبح في هواء الغرفة كبخور خفيف. ثم إلى “قاعة المجد” حيث ارتفعت الأعمدة الرخامية كصفوف الجنود، ووقف الجندي البرونزي منتصرًا مُتعبًا، يذكّر بأن الانتصار لا يخلو من رجفة. صعدنا بعد ذلك إلى “قاعة القادة العسكريين”، حيث كانت الوجوه البرونزية تحدّق إلينا وكأنها تمتحن شجاعتنا، ثم تابعنا الرحلة عبر الغرف التي نامت فيها الرسائل واليوميات والحقيبة البالية لجوغوف، تنفث الحقيقة من بين صفحات صفراء.
داخل شرايين المتحف
بدا كل ركن حيا… خنادق موسكو المتجمدة، مصانع ستالينغراد المشتعلة، جوع لينينغراد الهش، رعد كورسك، النيران على ضفاف الدنيبر، وغسق برلين المرهق؛ كل مشهد بمثابة قصيدة محفورة من معاناة وإصرار. ودخلنا حيوات الناس زمن الحرب: رغيف يُقاس بالنجاة، ومكتبة محاصَرة، ومشغلٌ يكاد يدوّي بنبضات عمّاله، ورسوم أطفال تضيء بالأمل رغم كل الحصار.
تجولنا داخل شرايين المتحف، كقطرات دماء هاربة،حيث كان التاريخ ينبض في الممرات الموشّاة بهمهمات أمة عبرت المحنة. ومع يقين سين الهادئ، هبطنا إلى الأعماق، مبتدئين بـقاعة الأحداث التاريخية، حيث الخرائط المضاءة تنفتح كأنها مدوّنات قديمة، ترسم خطوط المعارك المتبدلة كأنها ندوب تتشقق وتلتئم على جسد أوروبا. أضاءت الخرائط وجوهنا: وجهي يعيد صدى حروب بعيدة على ضفاف النيل،
قبل أن نصعد إلى إحدى العربات التي تنقل الناحين، كانت هناك تتجول امرأة، تجلس بين جين وآخر على مقعد من صندوق ملقى، وبجانبها كومتا كتب، إنقاذ الكتب مهم كإنقاذ البشر، جلست قليلا، ثم لحقت بالمجموعة داخل اعربة، وسألتنا سين:
كم شخصا يمكن أن تتسع له هذه العربة؟
بعد جولة بصرية قلت “ثلاثون”، ولكن الهروب من مجال النار استدعى نقل أكبر عدد ممكن في العربة الواحدة، وكانوا وقوفا لا يستطيعون الراحة في رحلتهم المضنية.
هولوجرم القادة
من نافذة زجاجية رأينا غرفة القيادة الروسية أثناء المعركة، والأشخاص يتحركون بالهولوجرام، كأنهم أحياء بعثوا:
كانت الغرفة المظلمة مكتظة بخريطة كبيرة على الطاولة، وحواليها يجلس كبار القادة السوفييت. جوزيف ستالين رفع رأسه، عينيه تلمعان بالتركيز، وقال: “الوضع على الجبهة الغربية يتفاقم. علينا تعزيز الدفاع حول موسكو قبل أن يقترب العدو أكثر.”
ابتسم جورجي جوكوف قليلاً، وهو ينظر إلى خريطة التحركات: “نحن بحاجة إلى مزيد من الدبابات والمدفعية الثقيلة. القوات يجب أن تكون مستعدة لأي هجوم مضاد. إذا تحركنا بسرعة، يمكننا قلب المعركة لصالحنا.”
اقترب نيكولاي بودغورني من الطاولة وأضاف بصوت هادئ: “الوحدات الجوية تحتاج إلى دعم فوري. الطيران الألماني يسيطر على السماء في بعض المناطق، وإذا لم نرد، سنخسر المزيد من الأراضي.”
تنهد فياسيلي سكريابين وقال: “توفير الإمدادات والإمدادات الغذائية للجبهة مهم بنفس قدر تحريك القوات. الجنود بحاجة لكل شيء للحفاظ على الروح المعنوية.”
نظر ستالين إليهم جميعًا، ثم رفع يده وقال بصوت صارم: “نحن لا نستطيع التردد. كل قرار تتخذونه يجب أن يكون محسوبًا بدقة. موسكو هي قلب الاتحاد السوفيتي، ولن ندعها تسقط.”
ساد صمت للحظة، وركز الجميع على الخريطة، وكل واحد منهم يفكر في خطواته القادمة، مدركين أن أي خطأ قد يكلفهم الأرض والوقت والجنود.
وفي المنعطفات الهادئة وصلنا إلى قاعة الجنرالات، حيث التحديق الصارم للقادة يحمل صقيع البدايات وسهر الليالي، وعبق الورق العتيق والمعدن اللامع يحيي رائحة الاستراتيجية المحفوظة. وبعدها دخلنا قاعة الأوسمة التي تلألأت كأنها درب نجوم هبط إلى الأرض؛ الميداليات خلف الزجاج لم تكن زينة، بل حيواتٌ مصهورة: شجاعة في البرونز، وحزن في الفضة.
نقلنا المتحف إلى المدارس، والمستشفيات، ومصانع الأسلحة، والمكتبة، ومحطات القطارات، والغرف التي خبأ بين جدرانها اللوحات التي نهبها لاحقا جنود النازي، وفي قاعة الجبهة الداخلية، رأينا تماثيل العمال والمعلمات والأمهات تجسد البطولة الصامتة للحياة اليومية. مطبخ معتم يستبقي دفء ضحكاتٍ انطفأت، وآلات خياطة بجوار أدوات مصانع، كأن نسيج الحياة حيك بخيوط من حديد. قرأت ملاحظة في يوميات خلف الزجاج: “رائحة الخبز الليلة تشبه رائحة النصر.”
في قاعة جرائم النازية، حيث الضوء يخفت، والصمت يشتد. صور القرى المحروقة، المقابر الجماعية، الأطفال المشرّدين؛ وثائق، ألبسة معتقلين، وقد جردوا من أسمائهم، ولم عودوا سوى أرقام، ذكرني ذلك بروايتي التي تحمل اسم (31) حيث كل أبطالها يحملون أرقاما، شعرتُ بالهواء يضيق في صدري؛ فالرعب لم يكن روسيًا ولا أوروبيًا، بل إنسانيًا صرفًا. كانت يد أولغا ترتجف وهي تترجم، كأن الريح تعصف في أوراق روحها.
ومن الظلمة خرجنا إلى قاعة عرض النصر حيث الأعلام تهتف من السقف، وخطوات الجنود تتردد عبر مكبرات خفية. يصعد الزوار درجات الرايخستاغ كمن يصعد من العتمة إلى الفجر. رفعنا الأعلام الحمراء، لنصل بعدها إلى المدن المحررة في أوروبا، فلم تكن الحرية لروسيا وحدها، ولكن الجيش الأحمر ساهم في تحرير عواصم أوربية رأينا منشآت تمثلها في المتحف الضخم، يضم المتحف مجموعة ضخمة تتجاوز 830 ألف قطعة وفقاً لموقعه الرسمي، بينما تبلغ مساحة قاعات العرض في المبنى الرئيسي أكثر من 14 ألف متر مربع.
من الألغاز التي واجهناها العثور على الراديو المحرم، فقد منع الاحتلال المواطنين من الاستماع للمذياع، لذلك تفنن الكثيرون في اخفاء مكانه، تضيء سين مصباحا فيظهر لنا الراديو مخبأ في جدار وراء لوحة تشكيلية. المتحف لا تُعرَض فيه الذاكرة فحسب، بل تُعاش؛ وهو مشروع ضخم صمم ليحفظ ذكرى ملايين الشهداء والانتصار النهائي على ألمانيا النازية.
الأرقام… صادمة كصرخة في صمت الليل. من عشرين إلى سبعة وعشرين مليون روح سوفييتية ذهبت في دوامة الحرب، جنودًا ومدنيين، رجالًا ونساءً وأطفالًا، أي ما يقارب ربع شعب بأسره. مدن سويت بالأرض، مصانع تلاشت بين الدخان والرماد، عائلات تلاشت كأنها لم تكن. لينينغراد صمدت تحت الحصار تسعمئة يوم، وستالينغراد تحولت إلى طاحونة بشرية للدم والصلب، وموسكو نفسها قاربت على السقوط، على حافة الفناء. لكن هذه الحرب لم تكن بعيدة، لم تكن على حدود مجهولة. كانت في حدائقهم، بين مزارعهم، في أروقة منازلهم. كانت تصنع الألم في كل زاوية، وتجعل من كل عائلة قصة: قصة فقد، أو تضحية، أو جوع، أو موتٍ دفاعًا عن الوطن. ألم جماعي، نعم، لكنه ألم يخلق ذاكرة مشتركة، رابطًا متينًا يتجاوز الأجيال. ولهذا، يصبح يوم النصر في التاسع من مايو أكثر من مجرد عطلة؛ إنه يوم مقدس، يوم للبكاء والاحتفال معًا، يوم لتذكر من قدموا كل شيء، من أجل بقاء كل شيء.
ربما كانت المشاهد الأكثر رمزية، الديوراما الخاصة باحتلال برلين: أبريل – مايو 1945 وهي تصوّر الهجوم الأخير العنيف على العاصمة الألمانية، مع قتال الشوارع، ودبابات السوفييت تتقدم وسط الحواجز، والمشاة يزحفون بين أنقاض برلين. النقطة المحورية غالبًا هي مبنى الرايخستاغ، مع تصوير الصراع الواسع للسيطرة على المدينة. إنها تجسيد بصري قوي لنهاية سنوات القتال الوحشي ولحظة الانتصار النهائي. وجاء رفع العلم السوفييتي على الرايخستاغ. تصور الفوضى والإثارة في الساعات الأخيرة من المعركة، مع القتال غرفةً غرفة، وتدمير المبنى تحت نيران المدفعية، والفعل الرمزي لرفع العلم، معلنًا نهاية الحرب في أوروبا. إنها لحظة مليئة بالرمزية والفخر الوطني، مصوّرة بشكل رائع.
أمام نصب النصر
التاريخ، بهذا الحجم، ليس مجرد تواريخ ومعارك، بل الإنسان ذاته: معاناته، شجاعته، وروحه التي لا تنكسر، التي تصنع من الرماد أملًا ومن الدموع صمودًا، وتذكرنا بأن الحرية لا تُنال إلا بثمن باهظ، وبأن الذكرى هي الشعلة التي تحافظ على النار حيّة.
خرجنا إلى ليل موسكو، ولم يفتني أن آخذ صورة تذكارية أمام نصب النصر الضخم، الذي يرتفع 141.8 مترًا في السماء. هذا الرقم المميز ليس عشوائيًا؛ فهو يرمز إلى 1,418 يومًا وليلة من الحرب الوطنية العظمى. على قمته تقف الإلهة البرونزية نيكي، إلهة النصر اليونانية القديمة، ممسكة بإكليل محاطة بملاكَين ينفخان الأبواق. وفي القاعدة، تمثال رائع للقديس جورج وهو يقتل التنين (رمزًا لانتصار الخير على الشر، أو بالتحديد، روسيا على النازية) يكمل الصورة القوية. رؤية هذا النصب في سماء موسكو حقًا مشهد ملهم يهيئ الزائر لتجربة كاملة مليئة بالعظمة.
فوق تل بوكلونايا، أو ما يُعرف بـ«تل الانحناءة»، بإطلالاته البانورامية على موسكو، كان المسافرون ينحنون للمدينة عند وصولهم أو مغادرتهم. وقفت حيث وقف نابليون في عام 1812، منتظرًا مفاتيح موسكو التي لم تصل قط. كان مكانًا مشحونًا بالتوقع والأهمية التاريخية، مما جعله الموقع الأمثل، بل القدري تقريبًا، لهذا المجمّع التذكاري الحاسم. لم تكن ساعة وربع وحسب زيارتنا للمتحف، فقد شعرت بأنني عشت ألف يوم ويوم، تحت أكثر من سماء دارت فيها الحرب، ومع تاريخ لا يُنسى، وإنسان يقاوم.
الحكاية الثالثة: الكونية الروسية… الذاكرة
احدى الحكايات الثرية كانت الاحتفال باحدث كتب سلسلة إبداعات طريق الحرير … المجموعة الشعرية الفلسفية الجديدة «الكونية الروسية… الذاكرة» للشاعرة والفيلسوفة والمفكرة الروسية البارزة الدكتورة ألكسندرا أوتشيروفا، في إصدارين باللغتين العربية (بترجمتي) والإنجليزية، لتواصل مشروعها الفكري والشعري الذي بدأته في كتابها السابق «الكونية الروسية»، مضيفة إليه بعدًا جديدًا يجعل من الذاكرة جوهرًا للوجود الإنساني، وركيزةً لاستمرار الحضارة والكتابان صدرا عن دار الناشر في طبعة أنيقة تطرزها رسوم الفنان العالمي زوراب تسيريتيلي.
لا تتعامل أوتشيروفا مع الذاكرة بوصفها استدعاءً للماضي أو حنينًا إليه، بل تنظر إليها باعتبارها قوةً أنطولوجية تمنح الإنسان وعيه بذاته ومكانه في الكون. فالذاكرة، في هذا الديوان، هي التي تحفظ هوية الشعوب، وتربط الأجيال بعضها ببعض، وتمنح الحضارة استمراريتها رغم تحولات التاريخ. ومن هذا المنطلق تتجاوز «الكونية الروسية» حدودها الجغرافية لتصبح رؤيةً إنسانية شاملة، تبحث عن المصير المشترك للإنسانية من خلال الشعر والفكر.
ويكتسب هذا الإصدار بعدًا فنيًا استثنائيًا بإهدائه إلى روح الفنان العالمي زوراب تسيريتيلي، وتمتد الصداقة بين الشاعرة والفنان لنحو اربعة عقود. المختارات التشكيلية لا تؤدي وظيفة الزينة البصرية وحسب، بل تدخل في حوار فلسفي مع النصوص الشعرية. وهكذا تتجاور الكلمة واللوحة في فضاء جمالي واحد، حيث تفسر كل منهما الأخرى، وتكشف عن طبقات جديدة من المعنى، ليصبح الديوان تجربة فنية متكاملة تجمع بين الشعر والفن التشكيلي.
يمثل هذا الكتاب امتدادًا طبيعيًا لكتاب «الكونية الروسية»، وقدم رؤية أوتشيروفا للكونية باعتبارها جسرًا يصل بين الشعر والفلسفة والعلم والأخلاق والتراث الإنساني المشترك. أما «الكونية الروسية… الذاكرة» فتضيف إلى هذا المشروع سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا ينبغي للإنسان أن يتذكر لكي يواصل رحلته نحو المستقبل؟
شعر ألكسندرا أوتشيروفا يؤكد أن الحضارات لا تعيش بالقوة وحدها، وإنما بالذاكرة، والحوار، والخيال الخلاق، وقدرة الأدب على صون التراث الروحي للإنسان. وفي زمن يبحث فيه العالم عن قيم مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية والثقافية،يأتي «الكونية الروسية… الذاكرة» بوصفه تأملًا شعريًا عميقًا في وحدة الإنسان وتنوع حضاراته، مؤكدًا أن الأدب سيظل أحد أهم أوعية الذاكرة الإنسانية، وأحد أكثر الجسور قدرة على وصل الماضي بالمستقبل، والشرق بالغرب، والإنسان بأخيه الإنسان.
الحكاية الرابعة: القيم التي توحدنا
وما دمنا قد ذكرنا القيم؛ فسنذكر الحدث الاهم الذي جمعنا في موسكو بالأسبوع الثالث من شهر سبتمبر ٢٠٢٦: المنتدى الثاني لجمعية شعوب العالم تحت شعار (القيم التي توحدنا). فالقيم المعلنة التي تمثل نورا لبرامجها تنطلق من الإيمان بأن الوحدة في التنوع هي أساس التعايش الإنساني، بما تعنيه من احترام عميق للثقافات والأديان والتقاليد واختلافاتها. (نؤمن بـالشراكة الواعية القائمة على التعاون الطوعي وتلاقي القيم المشتركة، كما نرى في التحديث الإنساني طريقًا لتعزيز التعاون من خلال الثقافة والتعليم والعلم، وبـالانفتاح بوصفه التزامًا بالشفافية في العمل وبالتطور المشترك من أجل المستقبل. وتكتمل هذه المنظومة بقيمة المسؤولية، أي الوعي بعواقب أفعالنا والاستعداد لتحمل المسؤولية عنها أمام المجتمع والأجيال القادمة).
من هنا كانت مشاركات الحضور في الندوات والحلقات النقاشية وغرف العمل والموائد المستديرة. ففي الثامن عشر من سبتمبر 2026، احتضن مركز التجارة العالمي في موسكو جلسة حوارية بعنوان «القيم ومبادئ بناء الحياة الإيجابية: تقاطع الأكوان»، وذلك في إطار أعمال الجمعية العالمية العامة الثانية «عالم جديد: القيم التي توحّد»، التي انعقدت في موسكو يومي 18 و19 سبتمبر.
أدار الجلسة أندريه يافني، مستشار رئيس المجلس العام للجمعية العالمية للشعوب، والحاصل على دكتوراه في العلوم الفلسفية. وجمعت الجلسة أصواتًا وخبرات تنتمي إلى مجالات وثقافات متعددة، في محاولة للاقتراب من سؤال إنساني يتجاوز الحدود: كيف يستطيع الإنسان أن يبني حياته على أرض ثابتة من القيم، في عالم سريع التغير، تتزاحم فيه المعلومات، وتتبدل فيه المرجعيات، وتصبح فيه الحاجة إلى المعنى أكثر إلحاحًا؟
شارك في الجلسة كل من ألكسندرا أوتشيروفا من روسيا، الرئيسة المشاركة للمجلس الاستشاري الأعلى للجمعية العالمية للشعوب وسفيرة النوايا الحسنة لليونسكو؛ وتيموراز باتياشفيلي من جورجيا، رجل الأعمال والحاصل على درجة مرشح في العلوم الاقتصادية؛ وايكاترينا فيليشكينا من روسيا، الناشطة العامة والمدونة؛ وإيرينا أوماروفا من مولدوفا، عالمة النفس والمتخصصة في التعامل مع الأزمات الوجودية؛ وأشرف أبو اليزيد الدالي من مصر، الشاعر والكاتب ورئيس تحرير سلسلة «أدب طريق الحرير» ورئيس جمعية الصحفيين الآسيويين؛ وفاطمة الزهراء حسن من مصر، المخرجة التلفزيونية وكاتبة السيناريو؛
جاء موضوع الجلسة، «القيم ومبادئ بناء الحياة الإيجابية»، في لحظة يواجه فيها الإنسان عالمًا تتسارع تحوّلاته، وتتسع فيه دوائر عدم اليقين، وتتراكم المعلومات إلى حد قد يفقد معه المرء بوصلته الداخلية. ومن هنا بدأ الحوار من سؤال بسيط وعميق في آن: كيف نبني حياتنا، لا وفق مخطط مثالي مرسوم لعشر سنوات مقبلة، ولا وفق الصورة اللامعة للنجاح التي تصنعها الحكايات الإعلامية، وإنما من خلال عمل يومي هادئ للحفاظ على المعنى؟
وفي هذا السياق، أكدت ألكسندرا أوتشيروفا أن بناء الحياة لا يعني امتلاك خطة مثالية للمستقبل، وإنما القدرة على الاحتفاظ بالمعنى وسط عالم يتغير بسرعة. وقالت إن الأمر يتعلق بالقدرة على سماع الصوت الداخلي وسط سيل الإشارات المتناقضة، ذلك الصوت الذي يقول للإنسان: «هذا لي، وهذا لن أخونه، وهذا سأحميه». وانطلاقًا من خبرتها في منظمة اليونسكو، أشارت أوتشيروفا إلى أن الثقافة والتعليم والحوار بين الثقافات ليست مجرد مجالات للنشاط الإنساني، بل تمثل، في جوهرها، بنية تحتية للصمود. فهي تمنح الإنسان سندًا يتجاوز سباق الاستهلاك، وتساعده على ألا يفقد ذاته حين تتوالى عليه الرسائل الخارجية التي تدعوه إلى الشراء، والتشبه بالآخرين، وملاحقة كل جديد.
ومن الأدوات العملية التي تستخدمها أوتشيروفا ما أسمته «خريطة التراث»؛ وهي لا تقتصر على الآثار والمباني التاريخية، وإنما تمتد إلى التراث غير المادي: حكايات العائلة، والتقاليد المحلية، والذكريات الشخصية، وحتى الطقوس اليومية التي قد نمارسها دون أن نلتفت إلى معناها. فعندما يكتشف الإنسان كمّ المعاني المتجذرة أصلًا في حياته، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما فُرض عليه وما ينتمي إليه حقًا.
ومن هنا، كما قالت، يبدأ بناء الحياة: من حوار واحد، وحكاية واحدة، وفعل واعٍ واحد. ومن هذه الأفعال الصغيرة تتشكل، بالتدريج، رؤية أكثر استقرارًا للحياة. غير أن الإنسان لا يستطيع أن يحبس نفسه داخل حدوده الفردية، لأن بناء حياة الفرد يحدث دائمًا داخل منظومة أوسع: المجتمع والثقافة والحضارة. ولهذا فإن القضايا الإنسانية ينبغي النظر إليها بوصفها قضية عالمية تتصل بالحفاظ على إنسانية الإنسان، فيما يكمن أحد مفاتيح أمن التنمية في المجال الإنساني.
واستحضرت أوتشيروفا مقولة سقراط الشهيرة: «اعرف نفسك، وسوف تعرف العالم كله»، مشيرة إلى أن الإنسانية، انطلاقًا من هذا المبدأ، بنت العلم والثقافة والفن والتقاليد والقيم. كما لفتت إلى أن نموذج الإدارة الأحادي لعالم شديد التعقيد والتنوع أصبح يواجه تناقضًا بنيويًا، معتبرة أن تعقيد منظومة الحكم لا ينبغي أن يكون أدنى من تعقيد العالم الذي تسعى إلى إدارته.
ومن هنا طرحت الحاجة إلى تحديث المجال الإنساني، بما يؤدي إلى تشكيل فضاء إنساني جديد يصبح فيه احترام الإنسان مبدأ حقيقيًا لتطور الفرد، ولحماية الثقافات والشعوب كافة. وفي رؤيتها، فإن الإنسان الأخلاقي والمتفهم والمسؤول هو الضامن لاستمرار الحياة البشرية والحضارة ذات الوجه الإنساني. ولهذا تكتسب منصات الحوار القائمة على المعرفة والأدلة أهمية خاصة، لأنها تساعد على بناء بنية تحتية للفكر الاستراتيجي، وتتيح تحويل المخاطر والتناقضات العالمية إلى أهداف ذات أولوية للتنمية.
وفي ختام مداخلتها، صاغت أوتشيروفا الفكرة المركزية للجلسة، معتبرة أن «تقاطع الأكوان» لا يعود مجرد استعارة جميلة عندما تتحدث الثقافة والعلم والسياسة والحياة اليومية بلغة مشتركة من المعاني. فعندما يستطيع كل إنسان، مستندًا إلى تراثه وقيمه، أن يبني حياته بوعي، فإنه يشارك في الوقت نفسه في بناء حضارة أكثر استدامة وعدلًا.
واستكمل تيموراز باتياشفيلي هذا المعنى من زاوية الاقتصاد والأعمال، مشيرًا إلى أن القيم ليست ما نعلنه بألسنتنا، وإنما ما نستند إليه عندما نتخذ قراراتنا. وفي عالم الأعمال، كما رأى، تصبح الاستراتيجية القائمة على القيم أكثر ارتباطًا بالاستدامة من مجرد الدخول في سباق مفتوح وراء الربح.
أما يكاترينا فيليشكينا فتناولت دور الإعلام في تشكيل ملامح الحياة التي يتطلع إليها الناس، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام اليوم لا تصنع الأجندة العامة فحسب، وإنما تسهم أيضًا في تشكيل تصورات الناس عن «الحياة الصحيحة». ومن هنا تأتي مسؤولية السرد الإعلامي؛ لا في فرض نماذج براقة للنجاح، وإنما في إظهار تنوع الاستراتيجيات الحقيقية التي يعيش بها البشر.
ومن زاوية علم النفس، تناولت إيرينا أوماروفا مفهوم الأزمة الوجودية، مؤكدة أنها ليست بالضرورة طريقًا مسدودًا، وإنما يمكن أن تكون نقطة لإعادة النظر. فمن خلال عملها مع أشخاص يمرون بأزمات، ترى أن الصمود لا يولد عندما يتشبث الإنسان بما كان، بل عندما يجد سندًا في قيمه الخاصة، ثم يعيد بناء حياته من جديد.
وفي مداخلتي، ذكّرت الحاضرين بقوة الكلمة: ” الكلمة نفسها أداة من أدوات بناء الحياة. فالشعر والترجمة يعلماننا الإصغاء إلى معاني الثقافات الأخرى، والعثور على لغة مشتركة حتى في المواضع التي يبدو فيها أن اللغة المشتركة غير موجودة.”
أما فاطمة الزهراء حسن، فواصلت الحديث عن مسؤولية الإعلام من خلف الكاميرا، مشيرة إلى أن وراء كل قصة تُروى على الشاشة اختيارًا: إما أن نمنح الإنسان فرصة لرؤية بديل، أو أن نخضعه لسيناريو جاهز. والمخرج المسؤول، في رؤيتها، يختار أن يفتح أمام الإنسان إمكانية أخرى.
وفي أعقاب الجلسة، عُرض «بيان القيم ومبادئ بناء الحياة الإيجابية: تقاطع الأكوان»، الذي أكد أن القيم تمثل بنية أساسية للصمود؛ فهي لا تلغي المنافسة أو الربح أو القوانين أو التكنولوجيا، وإنما تحدد الإطار الذي يمكن لهذه القوى أن تعمل داخله من أجل الإنسان، لا ضده.
وأشار البيان إلى أن المعاني تحتاج بدورها إلى ترجمة، فما يُفهم في ثقافة على أنه خدمة قد يكون في ثقافة أخرى رعاية، وقد يعني في ثالثة حرية. ومن ثم فالمطلوب ليس توحيد المعاني، وإنما تعلم الإصغاء إليها وترجمتها بين السياقات المختلفة: “الصمود ليس حالة ثابتة، وإنما مهارة يمكن تعلمها وتدريبها من خلال التأمل والحوار والممارسات التي تصل بين الجسد والعقل والثقافة. وأن «تقاطع الأكوان» ليس مجرد استعارة، بل يمكن أن يصبح منهجًا عندما تتحدث الثقافة والأعمال والطب والفن والإعلام والدولة بلغة مشتركة من المعنى، فتتشكل بيئة يستطيع فيها الإنسان أن يبني حياته بوعي. الأزمة نقطة لإعادة النظر، لا سبب للتشبث بالماضي، بل فرصة لإعادة ترتيب الاستراتيجية اعتمادًا على القيم العميقة التي يؤمن بها الإنسان. وفي ختام أعمال الجلسة، اقترح المشاركون إنشاء مشروع بحثي دولي متعدد التخصصات بعنوان «القيم ومبادئ بناء الحياة الإيجابية: تقاطع الأكوان»، يتضمن دراسات ميدانية في بلدان وثقافات مختلفة.
ومن المحاور المطروحة أيضًا دراسة تأثير البيئات الرقمية في تشكيل المعاني، ولا سيما دور شبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات ووسائل الإعلام في صياغة التصورات المتعلقة بـ«الحياة الصحيحة»، والبحث عن الممارسات التي تساعد الإنسان على الحفاظ على وعيه واستقلاله.
وهكذا انتهت الجلسة إلى مجموعة من المقترحات التي يُنتظر نشرها ضمن مخرجات الجمعية العالمية العامة الثانية «عالم جديد: القيم التي توحّد»، لتبقى فكرة «تقاطع الأكوان» مفتوحة على حوار أوسع: حوار بين الثقافات، وبين الأجيال، وبين المعرفة والحياة، والأهم بين الإنسان وذاته، حيث تبدأ كل حكاية لبناء حياة أكثر وعيًا من سؤال بسيط: ما الذي نؤمن به، وما الذي نريد أن نحميه؟
الحكاية الخامسة: صداقات على طريق الحرير
في حكاية سابقة، كتبت عن علاقتي بالشاعر التتري الكبير عبد الله طوقاي، تلك العلاقة التي بدأت قبل عشرين عامًا، حين قادتني الصدفة الجميلة إلى تراثه، وكان لصديقتي ريسة خانوم الفضل الأكبر في أن تفتح لي أبواب عالمه الشعري والإنساني. ومنذ ذلك الحين، لم يعد طوقاي بالنسبة إليّ شاعرًا من الماضي فحسب، بل صار رفيقًا دائمًا في رحلة الترجمة والبحث عن الجسور التي تصل بين الثقافات.
وقبل وصولي إلى موسكو هذه المرة، كنت قد أرسلت إلى السيدة رئيسة، مستشارة وزارة الثقافة في تتارستان، رسالة أخبرها فيها بأنني سأكون في العاصمة الروسية. لم أكن أتوقع أن تحمل لي موسكو مفاجأة بهذا الدفء. فقد قررت أن تأتي من قازان إلى موسكو بالقطار لنلتقي، في مشهد بدا لي كأنه فصل جديد من حكاية بدأت منذ عشرين عامًا. التقينا في موسكو بصحبة زوجتي، المخرجة فاطمة الزهراء، وصديقتنا الفنانة التترية المقيمة في إسطنبول أيجول، فتحولت المدينة الكبيرة، في تلك اللحظة، إلى بيت صغير تتجاور فيه قازان والقاهرة وإسطنبول، وتتحدث فيه الصداقة بلغات كثيرة دون حاجة إلى مترجم.
كان فندق بلازا جاردن في موسكو أكثر من مكان للإقامة؛ صار مسرحًا صغيرًا لهذه اللقاءات العابرة للحدود. في بهوه وممراته، بدا طريق الحرير وكأنه لم يعد طريقًا جغرافيًا يمتد بين المدن، بل طريقًا من الوجوه والذكريات والكتب والقصائد. هناك، في موسكو، اكتشفت مرة أخرى أن أجمل ما يحمله السفر ليس ما نراه من مبانٍ وساحات، وإنما من نلتقي بهم، ومن نعيد اكتشافهم بعد سنوات، ومن نكتشف أنهم ظلوا قريبين منا رغم اتساع المسافات.
وكانت موسكو، في هذه الرحلة، بوتقة لصداقات تاريخية أخرى. فقد شارك صديق العمر، الشاعر والصحافي السوري الفذ هاني نديم، في فعاليات المنتدى، وكانت موسكو فرصة نادرة لنجتمع بعد سنوات من تفرق الطرق. بدأت صداقتنا في مسقط قبل أكثر من ثلاثة عقود، ثم جمعتنا كوريا الجنوبية في مؤتمر لصحفيي العالم، قبل أن تعيد موسكو وصل ما انقطع من المسافات.
أما الشاعر الصيني تشاو شوي (Cao Shui)، مؤلف «ملحمة أوراسيا»، فلم تكن موسكو أول محطة تجمعنا في هذا العام. فقد كنا معًا في يوليو، بين أوزبكستان وكازاخستان، خلال فعاليات مهرجان طريق الحرير الدولي للشعر والفنون، حيث تشاركنا رئاسة المهرجان، وتجدد احتفالنا بصدور ترجمتي العربية لملحمته الشعرية التي تمتد في رؤيتها من الصين إلى فضاء أوراسيا الرحب. وحين التقينا مجددًا في موسكو، بدت القصيدة نفسها وكأنها تواصل السفر من مدينة إلى أخرى، حاملة معها صداقتنا.
وهكذا، لم تكن موسكو بالنسبة إليّ مجرد محطة في رحلة سبتمبر، بل بدت كأنها ملتقى لطرق قديمة وحديثة: طريق يبدأ من قازان، ويمر بإسطنبول، والقاهرة، ومسقط، وسيول، وأولان باتور، وبكين، وطشقند، وألماتي، ثم يصل إلى موسكو؛ طريق لا ترسمه الخرائط وحدها، بل تصنعه الكتب والترجمات والقصائد واللقاءات.
وكانت في بهو الفندق تفصيلة صغيرة تمنح المكان روحًا خاصة. كانت صيحات الديك تتردد في أرجائه على فترات، فتوقظ في الذاكرة شيئًا من الشرق البعيد، ثم تتحرك التماثيل الخشبية مع إيقاعها، وكأنها تؤدي رقصة رمزية كل ساعة. كنا نضحك من هذا المشهد ونراه استعارة لطيفة لما كنا نعيشه: ديك يصيح في قلب موسكو، وتماثيل خشبية ترقص، وأصدقاء جاؤوا من جهات شتى من طريق الحرير، يجتمعون حول طاولة واحدة. ربما لهذا أحب السفر؛ لأنه يعيد ترتيب خريطة العالم داخل القلب. وما بين قازان وموسكو، ومنغوليا والصين، والشام.
الحكاية السادسة: جوائز عابرة للحدود
يفرح المبدع بأن يرى أثر ما كتب أو ترجم يصل إلى الآخرين، وربما كانت الجائزة واحدة من أجمل العلامات التي تقول له إن جهده لم يمضِ سدى. غير أن بعض الجوائز تكتسب معنى يتجاوز قيمتها الرمزية، حين تأتي من أصدقاء ورفاق درب، وتحمل معها أسماء مدن وبلدان ومهرجانات عبرتها القصيدة قبل أن تصل إلى صاحبها.
في موسكو، حمل الشاعر الصيني تشاو شوي معه عددًا من مشاعر التقدير التي تتجاوز حدود الجغرافيا. فقد قدّم ميدالية حركة الشعر العظيم ، إلى جانب جائزة هونغ كونغ للأدب والفنون لكل من الشاعرة الروسية ألكسندرا أوتشيروفا والشاعرة مارجريتا آل. وكانت المفارقة الجميلة أنني كنت قد تسلمت هاتين الجائزتين من قبل في ألماتي، وكأن الجائزة نفسها تواصل رحلتها على طريق الحرير، من مدينة إلى أخرى، ومن يد إلى يد.
لكن تشاو شوي لم يأتِ إلى موسكو بما سبق أن وصلني؛ فقد حمل إليّ جائزة جديدة، منحها مهرجان بكين الدولي لسينما الشعر، تقديرًا لقصيدتي «قطار يعبر الصحراء»… والطريف ان القصيدة هذه ايضا كانت قوام فيلم سينمائي ماخوذ عنها اخرجه في باكستان راهو إعجاز وشارك به في مهرجان قازان السينمائي (المنبر الذهبي) وفاز بجائزة… وللجائزة، في هذه الرحلة، دلالة خاصة؛ فالقطار الذي يعبر الصحراء في القصيدة لم يعد صورة شعرية فحسب، بل بدا وكأنه يواصل سفره في الواقع، عابرًا الحدود، محمّلًا بالكلمات من القاهرة إلى بكين، ومن القصيدة إلى شاشة السينما، ثم إلى موسكو.
كان يمكن أن ألتقي قبل موسكو في منغوليا بصديقي الشاعر هاني نديم، خلال احتفالات الذكرى المئوية والعشرين لميلاد الشاعر المنغولي داشدورجين ناتساغدورج، لكن سفر «ابن الشام» تعذر. لذلك حملت إليه من أولان باتور ما كنت أريد أن يصل إليه شخصيًا: ميدالية تكريمه، ونسخة من الأنطولوجيا الكبيرة التي شاركنا في مشروعها الشعري وترجمت قصائدها إلى المنغولية، إلى جانب نسخة من أنطولوجيا هندية واسعة حررتها الشاعرة ميسنا تشانو، وصدرت بسبع لغات، وتوليت فيها القسم العربي الذي احتفى بأربعة عشر صوتًا شعريًا عربيًا.
وحملت لي الشاعرة والمترجمة الروسية أولجا ميدفيدكو، رئيسة جمعية جوميليف، شهادة تكريم ودبلومة تحمل اسم الشاعر الروسي الكبير نيقولاي جوميليف، وذلك بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيس الجمعية. وكان في هذا التكريم لقاء آخر بين شاعر ورحلة؛ فجوميليف نفسه كان شاعرًا مفتونًا بالجغرافيا والأسفار، بالبلدان البعيدة (زار مصر وصورها) وبما تتركه الرحلة في الروح من صور وأسئلة. لذلك شعرت أن الدبلومة التي تحمل اسمه جاءتني محمّلة بشيء من روح ذلك الشاعر المسافر.
أما منظمة كتاب العالم (WOW)، فقد أعلنت في موسكو أسماء الفائزين الستة بميداليتها لعام 2026، وكان من بينهم الشاعر الصيني تشاو شوي والشاعر الكولومبي فرناندو ريندون. وهكذا اكتملت في موسكو صورة أخرى من صور الكتابة العابرة للحدود: شاعر من الصين، وشاعر من كولومبيا، وشعراء وكتّاب ومترجمون جاءوا من جهات مختلفة، تجمعهم القصيدة حين تعجز الجغرافيا عن الجمع.
في نهاية الأمر، ليست الجوائز ما يبقى من الرحلة وحدها، ولا هي ما يجعل المبدع يواصل الكتابة. لكنها، حين تأتي في سياق الصداقة، تصبح رسائل صغيرة تعبر المسافات، وتقول إن القصيدة التي خرجت من مكتب كاتب في القاهرة يمكن أن تجد لها صدى في بكين، وإن اسم شاعر روسي يمكن أن يصل إلى يد شاعر مصري في موسكو، وإن طريق الحرير القديم لم ينتهِ؛ لقد غيّر وسيلته فقط.
لقد أصبح طريق الحرير، بالنسبة إليّ، طريقًا للقصائد والكتب والترجمات والصداقات، وأصبحت الجوائز التي تصلني من مدنه المختلفة علامات على رحلة لا تقيس المسافة بالكيلومترات، بل بما تتركه الكلمة من أثر في قلب إنسان بعيد.
الحكاية السابعة: حين تصبح الرحلة عائلة
كنت أعشق السفر، ولا أزال. لم يكن السفر بالنسبة إليّ انتقالًا من مكان إلى آخر، بل كان طريقة أخرى لقراءة العالم، وكتابًا مفتوحًا أتنقل بين صفحاته. ولم أكن دائمًا أسافر وحدي؛ فقد كانت لنا، أنا وزوجتي، رحلات عائلية تركت في ذاكرتنا صورًا لا تمحوها السنوات.
خلال إقامتنا في الكويت، أخذتنا الرحلات معًا إلى حلب الشهباء في سورية، وإلى إسطنبول في تركيا، ثم مضينا في الهند، نجوب تسع مدن في راجستان، حيث كان لكل مدينة لونها وحكايتها ورائحتها الخاصة. وفي فيتنام، امتدت الرحلة من شمال البلاد إلى جنوبها، من خليج هالونغ وهانوي، الى هوشي منه وناترانج… قبل أن تحملنا طرق السفر إلى سور الصين العظيم، ذلك الأثر الهائل الذي بدا لنا يومها كأنه جملة حجرية طويلة كتبتها الحضارة على امتداد الجبال.
ثم هدأ السفر، أو لعل الحياة هي التي طلبت منا أن نتوقف قليلًا. انشغلنا بتربية ابنتينا، وتابعنا خطواتهما حتى دخلتا الجامعة. وعندما كبرتا بما يكفي لتفتحا لنا بابًا جديدًا من الحياة، قررنا أن نحتفل، لا بالكلمات ولا بالهدايا، وإنما بما أحببناه دائمًا: السفر معًا.
كانت موسكو هي الرحلة التي أعادت إلينا ذلك الفرح بعد اثني عشر عامًا من التوقف. للمرة الأولى منذ اثني عشر عامًا، وفي موسكو، بدا لنا أن المدينة نفسها كانت تحتفي بنا. احتضننا الميدان الأحمر بفضائه التاريخي المهيب، ثم أخذتنا أمواج نهر موسكوفا في مساءات هادئة، كأن النهر كان يعرف أننا لا نحتفل بمدينة فحسب، وإنما نحتفل بعودة العائلة إلى الطريق.
والأجمل أن هذه الرحلة لم تكن لنا وحدنا. كان حولنا الأصدقاء والصديقات الذين كانوا جزءًا من عائلتي لسنوات طويلة؛ أصدقاء التقيتهم في دروب الثقافة والشعر والصحافة، وعبر مدن كثيرة من طريق الحرير. وفي موسكو اكتشفت فرحة أخرى: هؤلاء الذين كانوا عائلتي لسنوات، أصبحوا الآن عائلة زوجتي أيضًا. تعارفن، وضحكن، والتقطن الصور، وشاركننا لحظات كان من الجميل أن أراها تنتقل عبر الجغرافيا والتاريخ. هكذا اكتملت دائرة الرحلة: أصدقاء قدامى، وبنات كبرن، وزوجة رافقتني في الطريق، ومدينة موسكو التي جمعت الجميع في فصل واحد من كتاب طويل.
ولعل أجمل ما في السفر أنه لا يعيدنا إلى المكان نفسه أبدًا؛ فنحن الذين نعود إليه نكون قد تغيرنا. عدنا إلى موسكو هذه المرة بأرواح مختلفة، وبذكريات تمتد من حلب إلى إسطنبول، ومن راجستان إلى فيتنام، ومن سور الصين العظيم إلى ضفاف موسكوفا.
كانت هذه خاتمة الرحلات الموسكوفية، وأجملها؛ لأنها لم تكن رحلة إلى موسكو وحدها، بل رحلة إلى ما تبقى من العمر حين يصبح السفر ذاكرة عائلية، وحين يكتشف الأب أن أجمل طريق قطعه في حياته هو ذلك الذي سار فيه، أخيرًا، إلى جوار من أحب.






