بقلم الدكتورة رانيا سعيد

تتجلى إحدى السمات البارزة في تجربة الفنان من خلال التباين بين الاختزال اللوني والتكثيف التعبيري؛ حيث اعتمد على توجه تشكيلي يقوم على التعبير الوجداني وإعادة صياغة الموضوع المرئي من خلال اختزال التفاصيل، وتحرير اللون، وتأكيد الأثر الحركي للفرشاة. ولم يتعامل الفنان مع الشكل بوصفه محاكاة بصرية للواقع بقدر ما يعيد بناءه وفق رؤية ذاتية تتداخل فيها العلاقات اللونية والبنائية مع الشحنة التعبيرية للموضوع.

ففى بعض الأعمال نجد الفنان قد اعتمد منظومة لونية محدودة تتدرج بين الأسود والرمادي والأبيض، مع مساحات من الدرجات الترابية الدافئة.
ويسهم هذا الاقتصاد اللوني في خلق مناخ بصري يميل إلى التأمل والهدوء المشوب بالتوتر، بينما تؤدي التباينات بين المناطق المضيئة والكتل الداكنة دورًا أساسيًا في تنظيم التكوين وتوجيه النظر نحو مركزه. كما تمنح ضربات الفرشاة الظاهرة السطح التصويري ملمسًا حسيًا، يحافظ على حضور الفعل التشكيلي ولا يخفي آثاره خلف معالجة مصقولة.

وعلى وجهٍ آخر قدم لنا معالجة مغايرة من حيث الطاقة اللونية والإيقاع البصري؛ إذ يتصدر الأزرق بدرجاته المتعددة البناء العام، متداخلًا مع البنفسجي والأبيض ومساحات محدودة من الألوان الدافئة. ولا يقتصر اللون عنده على وظيفته الوصفية، بل يتحول إلى عنصر بنائي وتعبيري يختزل الأشكال ويعيد تحديد علاقاتها، كما تؤدي الخطوط المنحنية والضربات المتتابعة دورًا في إنتاج حركة داخلية تتجاوز حدود التمثيل المباشر، فيما يسهم التباين بين المساحات اللونية المشبعة والفراغات الفاتحة في إبراز البؤر التعبيرية للتكوين.
ومن الناحية البنائية؛ تتسم الأعمال بميل واضح إلى تحرير الشكل من الالتزام بالتشريح الدقيق والمنظور التقليدي، لصالح صياغة تعتمد الاختزال والتحوير وتفاوت درجات التحديد. ففي حين تحتفظ العناصر المصورة بقدر من قابليتها للتعرف، تتعرض حدودها للتفكك والاندماج مع الخلفية، بما يجعل العلاقة بين الشكل والفضاء علاقة متحولة لا تستند إلى الفصل الحاسم بينهما. وتبدو الفرشاة في هذا السياق أداة لإنتاج الشكل بقدر ما هي وسيلة للكشف عن الانفعال المصاحب لتكوينه.
وتشير الأعمال إلى قدرة الفنان على توظيف اللغة التشكيلية ضمن اكثر مناخ تعبيري مختلف؛ فالمعالجة الأحادية اللون في بعض الأعمال تؤسس خطابًا بصريًا أكثر انضباطًا واختزالًا، بينما تمنح المعالجة اللونية في الاعمال الأخرى التكوين انفتاحًا حركيًا وانفعاليًا أكبر. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، يظل الاهتمام بأثر اللمسة، ومرونة الحدود الشكلية، واستقلال اللون النسبي عن وظيفته الوصفية، من السمات المشتركة التي يمكن استشفافها من المعروضات.

وخلاصة القول :
يمكن النظر إلى الأعمال بوصفها تجارب في إعادة بناء المرئي، لا مجرد تسجيل لموضوعاته؛ فالمعنى لا يتحدد من خلال العناصر المصورة وحدها، وإنما يتشكل أيضًا عبر طريقة توزيع الكتل، وطبيعة التباينات، وإيقاع الضربات، والتوتر الناشئ بين التجسيد والاختزال. ومن هنا، تتأسس القيمة التعبيرية للعمل على التفاعل بين الموضوع وأدوات تشكيله، حيث يصبح الأسلوب نفسه حاملًا للدلالة، وليس مجرد إطار شكلي لها.





