نهى سويد تكتب “… ثم ّ زغرودة امرأة”

ـ مشفى في درعا

( ” كنا ميتين من العطش، والممرضة تقول لنا:

خسئتم أن نعطيكم حتى شربة ماء.. تستحقون القتل يا خنازير الهجري”

غابت الممرضة، فرمتْ إحدى المريضات لها بقنينة ماٍء وقالت:

” أنا كرديّة..لا تخبريهن أن الماء من عندي”

ليلى المصابة في كلتا يديها، لا تستطيع إمساك شيء بهما، انحنت برأسها حتى أطبقت بأسنانها على القنينة، مشت بها، بخطاً متعثرة إلى سرير أختها (هلا)، العاجزة عن المشي بسبب إصابة رجليها الاثنتين، فتحتْ (هلا) القنينة بيدها الوحيدة السليمة، حتى استطاعت الأختان أن تشربا القنينة كلها. )

…..

يأتي  كتاب “غزوة  السويداء بلسان ضحاياها”  الصادر عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر في باريس، للكاتبة والطبيبة نجاة عبد الصمد، كمادة توثيقية تفصيلية لبعض المجازر التي اقترفتها قوات وزارتي الدفاع والداخلية التابعة للحكومة السورية الموقتة بمشاركة مجموعات من العشائر العربية في تموز/يوليو 2025.

يحمل الكتاب سمات الوثيقة التاريخية التي نعتقد بازدياد أهميته مع مرور الزمن، حين تنطفئ جذوة النزاع الاجتماعي السياسي المستعرة الآن، و يغدو من الممكن للمطلع المهتم أن يقرأ سطوره بحيادية الباحث عن الحقيقة بعيداً عن اصطفافات اللحظة الراهنة والتباساتها.

 الموضوعية التوثيقية عند نجاة عبد الصمد

تتجلى الموضوعية الصارمة  في هذا العمل من الصفة  التي تميّزت بها نجاة عبد الصمد منذ اشتغالها بالشأن العام السوري، خصوصاً عقب انطلاق حراك 2011  هذه  الموضوعية الصارمة  التي شكّلت في كثير من الأحيان  مدعاة أرق وقلق وإزعاج لأطراف متصارعة عديدة ظلّ كلّ منها متحيزاً لرؤاه الخاصة ومصالحه المباشرة. فيأتي  انحيازها الأخلاقي التام والدائم  للضحيةقبل أية صفة أو تصنيف آخر من أي نوع،  دون أن يفقدها ذلك رصانتها العلمية؛  وإذ  تعبّر عن صعوبة هذه المهمة في تمهيدها لهذا الكتاب فتقول:

” أنا ما أزال في مكاني، إلى جانب الضحية، لكن إعداد هذا الكتاب كان أصعب تجاربي في الكتابة حتى اليوم”.

تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا العمل من المزاوجة والشراكة بين دقةّ  المشرط الطبي لإخصائية  في الجراحة النسائية مارست عملها قرابة الثلاثين  عاماً، في السويداء، في سوريا، وفي بلاد أجنبية أخرى، وبين الحس الأدبي والجمالي لروائيّة حائزة على جوائز عالمية.

 

ـ سؤال الكتاب التأسيسي وغايات السرد

لم تبن الكاتبة توثيقها الراهن على رصد اللحظة العابرة ، إذ  أسسته على أرضية زمانية ومكانية أقدم وأصلب، فعمدت إلى تفكيك واستعراض المسلسل التاريخي البعيد  للصراع الاجتماعي والديني والسياسي في المنطقة.

يُفتتح الكتاب بمدخل مفاهيمي فيوجه السؤال  إلى الضميرالإنساني العام  ونحو الجهات التي حاولت اختزال الكارثة الإنسانية  في مسوغات واهية بشكل خاص.

صاغت  المؤلفة سؤال الكتاب الأول بمباشرة  نافذة: “هل أفعال انتهاك الكرامة الجمعية والإعدام الميداني العشوائي، وقتل أطفال واغتصاب نساء وحرق شيوخ دروز في بيوتهم، والخطف والتهجير، وحرق المساكن وبيوت العبادة ومنظومة الخدمات والمرافق والثروة الزراعية، والشحن الطائفي السابق للحملة، ثم الحصار والتجويع اللاحق؛ هل هذه كلها أخطاء وتجاوزات فردية؟!. وهل تصح مقاربتها كحوادث منفصلة؟.

تضع الشهادات الميدانية  الصريحة والواضحة  والتي بلغت 409 شهادات موثقة، أدبيات السلطة الانتقالية موضع المساءلة  الواجبة؛ لتكشف أن ما جرى في السويداء  لم يكن مجرد انفلات فردي، وإنما شمل منظومة أفعال مادية ممنهجة ومترابطة ومتتالية  تفصح عن ملامح حرب عقائدية تكفيرية لا لبس فيها،  تستهدف وجود جماعة بشرية كاملة،  وتحدد الكاتبة غاية التدوين والسرد  رداً  على أدبيات التحسّر و الندب العاجز فتقول : ” نروي سرديتنا لا لنندب، بل لأن الصمت عن الجرائم يسمح بتكرارها، وإنكارها يعمق الجراح، يحيلها مصنعاً يعيد إنتاج الحروب وأهوالها،  نرويها لنكشف مظلومية وقعت، ولنحمي هوية جمعية، ونخطو في طريقنا إلى العدالة ومحاكمة المجرمين”. ثم تختتم مقدمتها بالنداء الوجداني الموجه لكل انسان: “صديقي الإنسان؛ على الأقل حدق في المجزرة وفكّر في:  كيف لا تحدث مرة أخرى”.

 

ـ اختبار الهوية، سؤال الجاهلية المعاصرة، تجربة “سقوط الأبد” و فندق الشام.

تستعيد المؤلفة لحظة استثنائية عقب ثلاثة عشر يوماً من ” سقوط الأبد” والتحول السياسي في دمشق؛ حيث زارت سوريا والسويداء سريعاً  بعد سبع سنوات وبضعة أشهر من رحيلها القسري عن ” الوطن” . مثلت  هذه العودة تجربة حية ومباشرة حول مفهوم الهوية؛ تجربة تداخلت  فيها لهفة اللقاء بحس الرهبة من واقع البلاد.

وفي هذا السياق، تسرد الكاتبة تجربة سابقة أضاءت على عمق الشرخ الثقافي والهوياتي في المجتمعات السورية. في عام 2014، أُقيمت ورشة عمل  موضوعها  الانتهاكات الجنسية بحق النساء أثناء الحروب، ميدان الورشة  فندق الشام بدمشق، شاركت فيها طبيبات قادمات من مختلف المحافظات السورية.

على الرغم من الفضاء الحداثي المزين باللوحات التشكيلية القيمة  وأجهزة العرض الرقمية، وما ساد النهار من آمال عريضة بالتأسيس لوعي جمعي يحيد الدين عن الفضاء العام، أفاقت الكاتبة في جلسة مسائية على سؤال طرحته إحدى الطبيبات بتردد: “هل صحيح أن الدروز يغلقون أبواب  بيوتهم على أنفسهم في ليلة الجمعة لتمضي كل عائلة ليلتها حتى الصباح في سفاح المحارم؟”. ثم توالت الأسئلة الجادة  ذات الصلة  من باقي الطبيبات حول ما إذا كان للدروز ذيول، وهل يعبدون العجل ويحرمون أكل الملوخية.

قشرت تلك الأسئلة وهم الحداثة الصورية، ورأت الكاتبة هويتها تنخمص وتتلاشى أمام عيون زميلاتها المتعلمات، فلا يبقى منها سوى أنها امرأة  درزية سليلة جماعة مارقة تُنسب إليها الأساطير المريضة.

هنا تطرح المؤلفة تساؤلها الفكري المقلق:  إذا كانت هذه الصور النمطية والافتراءات تعشش في رؤوس نساء جامعيات وطبيبات يفترض في المنهج العلمي  على الأقل إنقاذهن  من الارتهان لمرويات الجهلة والجهالة،  فكيف هو  الحال وسط جموع العامة التي لم تحظ بتعليم كافٍ ولا اطلاع  ولا تجارب إنسانية تحفزها على التفكير والبحث؟ وكم من سردية تكفيرية تعشش في الأوساط الشعبية التي  تشيطن الآخر وتستسهل  استباحته؟

 

التفكيك التاريخي لمجتمع الدروز: المذابح والولاء للدولة الوطنية

تبني الكاتبة توثيقها الميداني  من خلال  العودة إلى الجذور الأولى لمجتمع الموحدين، ثم تستعرض المذابح والمحن التاريخية الكبرى  التي ألمت بالجماعة؛ بدءاً من حملة الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله  (محنة أنطاكية وحلب ووادي التيم) ، مروراً بالحملات المملوكية المتتالية وفتاوى ابن تيمية التكفيرية التي شرعنت استباحة الدماء والأموال والأعيان  وسبي  النساء، وصولاً إلى حملات إبراهيم باشا المصري التي استهدفت الجبل وتصدى لها أهلوه  بصلابة وبأس،  ثم الحملات العثمانية المدججة بالسلاح المتطور  كحملة سامي باشا الفاروقي عام 1910 التي انتهت  بإعدام أعيان الجبل في ساحة المرجة بدمشق.

تستطرد.. فتلقي الضوء على الشواهد التاريخية لعلاقة الدروز الإيجابية المتجذرة عضوياً بالمشروع القومي العربي وبالدولة الوطنية السورية؛ التحالف مع الشريف حسين في الثورة العربية الكبرى  1916، وقيادة سلطان الأطرش للثورة السورية الكبرى عام 1925 ، وإعلاء  شعار الدين لله والوطن للجميع، فتح الدروز اهراءات الحبوب كما  منازلهم لإغاثة المنكوبين والمجوعين السوريين  من مختلف الطوائف إبان مجاعة عام 1917.

تواصل الكاتبة  القراءة التاريخية  نحو  العصر الحديث لتبرز انخراط السويداء السلمي في ثورة عام 2011  ودورها واحتضانها آلاف الأسر النازحة من داريا ودرعا وحمص وأرياف دمشق، تأسيس حركة رجال الكرامة عام 2014  ودورها في حماية الشبان الدروز الرافضين  للتجنيد  الإجباري والقتال  في جيش نظام الأسد تحاشيا لتلوث  أياديهم  بالدم السوري، وصولاً إلى مأساة الأربعاء الأسود عام 2018 إثر هجوم تنظيم داعش على السويداء و الذي حصد 263  شهيداً.

 

ـ العلاقة مع السلطة الانتقالية وإرهاصات الاجتياح.

ترصد المؤلفة مسار العلاقة المتوترة بين السويداء والحكومة السورية المؤقتة ورئيسها  الشرع عقب  استبدال الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024  بهيئة تحرير الشام،  موضحة  اعتراضات الجبل على أداء السلطة المركزية المحتكرة للقرارات السياسية الوطنية؛ حيث طالب الشيخ حكمت الهجري والقيادات المحلية في السويداء  بدولة مدنية علمانية تضمن حقوق جميع مكوناتها بأن تكون على مسافة واحدة من كل أبنائها،  وبقاء ملف الأمن بيد أبناء المحافظة.

تبرز الشهادة الموثقة للسيدة محسنة المحيثاوي تفاصيل إجهاض السلطة الانتقالية لمبادرة التوافق المحلي التي قضت بتكليفها رئاسة مجلس المحافظة، حيث تعمد مبعوث السلطة الدكتور مصطفى البكور تفريغ هذا التكليف من  مضامينه، والعمل على تعطيله، وتسويف القرارات القانونية الرسمية، الإدارية والمالية التي تضمن سير العمل بطريقة صحيحة ومنضبطة أصولاً.

ترافق ذلك مع توقيع اتفاقات وتفاهمات  لم تنفذ، مثل اتفاق 1 أيار/مايو 2025،  وتصاعد الحملات الإعلامية والشحن الطائفي الرقمي، والاعتداءات على الطلاب الدروز في الجامعات، ، والتعديات المستمرة خلال  نيسان/أبريل 2025  على قرى الريفي  الشمالي والغربي للسويداء  والتجاوزات المستمرة عند حاجز المطلة على طريق دمشق السويداء و التي تفاقمت أواسط تموز/يوليو 2025  لتتخذها السلطة المؤقتة  مسوغاً وحجة  لشن الحملة العسكرية الدموية على الجبل.

 

ـ الوقائع الميدانية للغزوة المجازر  والانتهاكات

تستعرض الكاتبة تفاصيل سير  الحملة العسكرية التي انطلقت فجر 13 تموز/يوليو 2025 تحت  ذريعة  ” فض الاشتباك بين البدو والدروز” مترافقة مع قطع تام للمياه والكهرباء والاتصالات والمحروقات، حيث اقتحمت قوات وزارتي الدفاع والداخلية يرافقها عناصر العشائر القرى والأحياء.

أوردت  المؤلفة تفاصيل موثّقة  لمجازر  عينية قامت بها القوى العسكرية التابعة لحكومة دمشق  جسدت سلوك الإبادة المحمولة على البعد الديني بشكل مباشر.

تفاصيل مجزرة آل سرايا في مدينة السويداء؛ حيث اقتحمت عناصر الأمن العام منزل العائلة، عزلت النساء والأطفال عقب سلب حليّهن وسرقة ما وجد من أموال وعينيات ثمينة، ثم ساقت  ثمانية رجال مدنيين حفاة  بثيابهم المنزلية  إلى ساحة خلدون زين الدين وأعدمتهم جماعياً  رمياً بالرصاص،  وثقت الجريمة بمقطع مصور، وبشهادات حية ، وكان من بين الشهداء الشاب حسام سرايا الحامل للجنسية الأمريكية والحائز على الماجستير في المحاسبة، والذي أسس مدرسة افتراضية تقدم مقاعد مجانية للفقراء.

“الرمي من شاهق “، استهداف الكفاءات العلمية في حي الشرطة العسكرية؛ إذ اقتحمت عناصر أمنية تابعة لسلطة دمشق  البناء، وعقب قتل المهندس بشار عرنوس، اقتيد ابناه طبيب الأسنان معاذ وطالب الهندسة براء) وابن عمهم (الطبيب أسامة عرنوس إلى شرفة  المنزل في الطابق الثالث،  وجرى إرغامهم بقوة  السلاح على القفز منها مع رشقهم  بالرصاص الكثيف أثناء سقوطهم.

تكررت ذات  المشاهد في مجزرة آل رضوان داخل مضافتهم، ومجزرة شباب آل قرضاب الستة الجامعيين، وآل بدر، آل مزهر.. وغيرهم.

وفي قرية رضيمة اللوا، ترصد الكاتبة جريمة شتات عائلة مروان الخطيب؛ كمثال على الانتهاكات وجرائم الحرب التي أقدمت عليها قوات سلطة دمسق في ريفي السويداء الشمالي والغربي،  حيث قُتل الابن ربيع وزوجته رؤى فوق سطح منزلهما و أمام طفلتيهما الصغيرتين، وأُعدم الأب مروان الخطيب جريحاً، وسِيقَت الأم والابنتان والطفلتان حافيات فوق الدماء  ليتم نقلهم ” خطفهم” إلى معتقلات في مدينةحماة قبل إعادتهن عبر عملية تبادل.

تفرد الدراسة فصلاً كاملا لحصار واقتحام مشفى السويداء  الوطني بالدبابات والرشاشات الثقيلة. حيث جرى قنص طبيب الجراحة طلعت عامر برصاصة في الرأس أثناء توجهه إليها  لتأدية واجبه الإنساني، وقتل المرضى  على أسرّتهم، وتصفية المهندس المتطوع محمد بحصاص برصاصتين في الصدر لرفضه تقبّل الإهانة من جندي. ثم قتل المهندس وائل عزام لرفضه تسليم الأرقام السرية للكاميرات المثبته داخل المستشفى.

تسبب ذاك الهجوم بخروج  المشفى عن الخدمة،  وبعدد كبير من الضحايا كوادر طبية ومدنيين وتفسخ مئات الجثث في الممرات والأروقة والفسحات الخارجية ومحيطها بسبب الحصا وانعدام امكانية الحركة.

تكتمل الصورة مع شهادة إيناس مطر، ابنة داريا وأخت الشهيد غياث مطر، التي أوت في منزلها بالسويداء ممرضات وجيران فارين من بطش القوات الحكومية المهاجمة  موثقة حالة العنف الطائفي الذي  استهدف الوجود الإنساني دون تمييز.

البدو، الانحياز الإعلامي السوري العربي والاقليمي،  والتقارير الدولية

تفتتح  الكاتبة ملف بدو السويداء بقاعدة سلوكية : ” الهزيمة الأخلاقية دوماً  تسبق الهزيمة السياسية”.

تستعرض خلاله حالة  بدو السويداء علاقتهم بالمحيط  منذ بدايات توطينهم من قبل  حافظ الأسد بقرار حكومي عام 1979

وتوضح بالوثائق  كيف أبقت السلطات المتعاقبة هذه التجمعات متصلة بالفروع الأمنية واستخدمتها  كأداة  ضغط ديموغرافي سياسي  ضد أهالي الجبل،  ثم تأتي على دور البدو في مجازر تموز عبر شهادة الممرضة  (س.ف)) في  حي المقوس، والتي كشفت تسليح شبان البدو وتدريبهم قبل الحملة بأشهركان ذلك بالتخطيط والتنسيق مع المحافظ  مصطفى البكور والإدارة الأمنية الانتقالية للقيام بدور الدليل  والانغماس العسكري  الميداني.

تشير الكاتبة بالدلائل الرقمية  على انحياز الإعلام السوري ومن خلفه  العربي وتبنيه  للرواية الرسمية المغلوطة؛ حيث عمدت  المنصات الرئيسة التابعة لسلطة دمشق والمحطات الاعلام العربية وما يدور في فلكها من سوشل ميديا إلى تقديم معلومات كاذبة وأرقام مفبركة.

ادعت مثلا ً وجود 250 ألف بدوي في محافظة السويداء فيما تؤكد الإحصاءات الرسمية الأحدث 2023 إلى أقل من 40 ألف بدوي في مجمل تجمعاتهم على أرض محافظة السويداء.  كما وروّجت  لمجازر مزعومة ارتكبها الدروز بحق البدو، إلا أن جميع تلك المنصات والمحطات والمواقع الرديفة وخلال أكثر من عام على الواقعة لم تستطع إثبات هذا الادعاء بوثيقة واحدة من أي نوع، حتى أنها ذهبت إلى محاولة إثبات تبين فيما بعد أن الفيديو الذي اعتمدته في ادعائها الكاذب يعود إلى مقتل طفل درزي من آل مقلد.

في المقابل، جاءت التقارير الدولية الصادرة عن لجنة التحقيق الأممية ومنظمة العفو الدولية لتؤكد على  الطابع المنهجي للجرائم المرتكبة ضد الدروز.

من بين  التوثيقات الهامة التي جاءت عليها نجاة عبد الصمد في كتابها،  شهادة الآب طوني بطرس، خادم كنيسة القديس فيليبوس في شهبا، الذي  يبيّن الموقف المسيحي المنسجم كلياً مع الموقف العام للدروز في الجبل؛ مؤكداً استشهاد مسيحيين وإحراق ونبش كنيسة مار ميخائيل وكنائس تعارة والدويرة والمزرعة ورضيمة اللوا، ليثبت أن الاستهداف طال  مسيحيي ودروز السويداء على حد سواء.

 

ـ مقارنة حقوقية،  شيزوفرينيا الهوية، و  تقرير المصير

تقيم الكاتبة مقارنة بين مجازر الساحل التي اقترفتها قوات الحكومة السورية  بحق العلويين في آذار/مارس 2025 ومجازر السويداء في  تموز/يوليو من نفس العام،   وتخلص إلى أن الجريمتين تنبعان من بنية عقائدية استئصالية واحدة،  تستخدم مسوغات حماية الدولة أو محاربة الفلول كحجة  لتنفيذ التصفية؛ مع تميز الحملة على  السويداء بتجريف كامل للبنية التحتية الزراعية والخدمية العامة والخاصة،  وممارسة انتهاكات العنف الجنسي والسبي واختطاف النساء على نحو أوسع، وفرض حصار شامل وشديد عقب الانسحاب الجزئي.

وتحلل المؤلفة حالة ” الشيزوفرينيا” والهزة النفسية العنيفة التي أصابت الوجدان الجمعي في السويداء؛ فالجماعة التي قامت أدبياتها التاريخية على الانتماء القومي العربي والولاء للدولة الوطنية، وجدت نفسها تباد بسلاح جيش حكومتها وصيحات التكفير الصادرة عن أبناء وطنها. وفي لحظة الانكشاف المطلق، جاء القصف الجوي الإسرائيلي لمواقع المهاجمين ليوقف زحف الحملة ويجبر السلطة على الانسحاب، مما أحدث شرخاً هوياتياً عميقاً بين استخدام هذه الضربات كأداة إنقاذ اضطرارية لوقف الإبادة، وبين استغلال السلطة للحادثة لتخوين المجتمع الدرزي بأكمله.

أدى هذا الخذلان الشامل والانسداد السياسي إلى ولادة حملة حق تقرير المصير ثم  تبلورها  وتمددها في  حركة تقرير المصير،  تستند الحركة في رؤيتها  إلى مفهوم الانفصال العلاجي المعتمد في القانون الدولي؛ وهو الحق القاضي بانفصال الجماعة التي تمارس ضدها الدولة سياسات الإبادة والتدمير الوجودي وتفشل في توفير حماية المواطنة.

جمعت الحملة أكثر من 227 ألف توقيع اسمي صريح  في الداخل والمغترب تطالب بحق السويداء في تقرير مصيرها.

 

ـ السلطة، جمهورها،  والسد الفاصل

تخلص الدكتورة نجاة عبد الصمد في خاتمتها المكثفة إلى أن السلطة الانتقالية وجمهورها أضحيا شركاء في القتل والتغاضي،  فبعد مضي أشهر طويلة على الحملةالعسكرية الممنهجة التي قامت بها سلطة دمشق عبر أدواتها العسكرية، الرسمية والشعبية وما نتج عنها من مجاوز وانتهاكات وجرائم،  لم تعترف السلطة بتلك الجرائم، لم تعتذر عنها، ولم تنسحب من قرى الريفين الغربي والشمالي  المحتللين من قبلها ، لم تُعد جميع المخطوفين والمحتجزين كرهائن مدنيين خطفوا من بيوتهم ومن الطرقات أثناء غزوة قوات السلطة الانتقالية للسويداء، كما أنها لم تزل تفرض الحصار عليها ، لم تقدم مخططي ومرتكبي الجرائم والمسؤولين عنها  إلى القضاء، بينما يواصل إعلاميوها ومؤيدوها ومجتمعها  رفع سقف التحريض الطائفيعليها حتى الآن.

وتؤكد الكاتبة أن هذه المجزرة استهدفت الدروز فقط بوصفهم دروزاً، فصارت سداً منيعاً  يفصل بين السويداء وعمقها السوري،  وما يزال شطر وازن من جمهور السلطة، وجزء وازن من مثقفيهم، يسخر من ألم السويداء ويشمت بأهلها .

من المؤكد عدم إمكانية الوقوف التفصيلي على كل بينيات ودقائق الكتاب خلال مقال أو مادة صحفية، إلا أنه من الواضح للقارئ المتمكن أن نجاة عبد الصمد قدمت وثيقة ستستقر بوصفها أثراً تاريخياً وحقوقياً بالغ المتانة والأهمية، وثيقة  مدونة تحفظ  شهادات الشفاهة والجراح، تحمي الذاكرة الجمعية من خطر المحو،  وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية في الحاضر والمستقبل.  

نهى سويد

 

  • Related Posts

    إقامة حفل تقديم كتاب «كيف عرفتُك» في مركز سومقاييت للمقام الموسيقي

    في 17 أكتوبر، أُقيم في مركز سومقاييت للمقام الموسيقي حفل تقديم مهيب لكتاب «كيف عرفتُك» (المجلد الأول)، المهدى إلى الذكرى العطرة للشهداء الأبطال الذين ضحّوا بأرواحهم دفاعاً عن الوطن. وشهد…

    ديجول ـ بورقيبة.. وصراع الإرادات في بنزرت

    قراءة نقدية: خالد سليمان طريق الحرير اليوم ـ تونس لم يتنفس صبح يوم 19 يوليو ـ جويليه 1961 كما جرت العادة في ثغر بنزرت الهادئ البديع، إذ طغى عليه فحيح…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *