أبناء الطين المجفف بالحب، شعر،  مجيدة محمدي، تونس

أبناء الطين المجفف بالحب

شعر،  مجيدة محمدي، تونس

الغازي…
لا يعرف شيئًا عن النتوءات التي ترقد في خاصرة الجبال،
ولا يفهم لِمَ تُغني الصخور العتيقة في البلاد حين تشرق الشمس على شقوقها.
و كيف تتحسس يد العجوز التراب كتحسسها رأس الحفيد.

أيها الغازي…
نحن حين نعجن خبزنا، لا نكتفي بالدقيق،
نمدّ أيادينا إلى الذاكرة،
نذرّ فيها زعتر الأمهات،
وريحان النوافذ الذي شهد صيف الحصاد،
نخبز الرغيف في تنورٍ من الحنين،
ونرسم على وجهه تجاعيد جدٍّ مات واقفًا في أرضه،
كشجرة زيتون تعلّمت الصمت من كثرة ما مرّت عليها الريح.

لا تأكل معنا،
فأنت لا تعرف كيف يُغمس الخبز في الزيت والملح والدعاء.
أنت لا تسمع نشيد الأرض بعد المطر،
حين تتلو الغيومُ أسماءنا…
وحين يُنبت الوادي وجوه أسلافنا،
زاحفين من الطين،
بعيونٍ شديدةِ القدم،
وأحذيةٍ من سُخام المعارك القديمة.

أيها الغازي…
نحن لسنا من تراب عابر،
نحن من طينٍ يُجفف بالحبّ،
نُغمس في الشمس،
ونُترك على حوافّ الأيام حتى يزداد الجلدَ صلابة .

نحن الذين وُلِدوا من رحم التراب، والرماد ،
جئتنا متوهّمًا أن التاريخ حجر يمكن قذفه،
لكنّك لم ترَ الأظافر التي حفرت الحكاية على صدر الكهف،
ولم تسمع غناء المزامير حين نكبد الضباع فصول الخسارات الكبرى.

أيها الغازي…
هل جرّبت أن تُقَبِّل أرضًا فتبتلعك؟
هل سمعت عن قرى تنام وهي تلد أبناءها من الحجارة؟
فنحن نُولد من رحم الصخر، المبلّل بالصبر،

أيّها الغازي…
أيّها العابر بين الحُجب،
أيّها المطمئن إلى خوذةٍ تلمعُ تحت شمسٍ ليست لك،
قفْ حيث لا ينبت ظلك،
فالأرضُ التي دنوتَ منها ليست أرضًا… بل ذاكرة.

أيّها الطامع،
لم يعلّمك أحد كيف تقرأ الأرض بعد المطر،
كيف تُدمي الأقدامُ الترابَ
فتُكتب أسماءُ الأجداد بحروفٍ مبلّلة بالعرق،
وكيف تُنبت الزهور من صُراخ الولادة الأولى،
من رعشة الخوف الأولى،
من شهوة الأرض الأولى.

نحن أبناء الطين،
الذي جُفف بالشوق،
بدموع الحصّادين،
بضحكات العشاق في البساتين ،
نحن الذين نُغني للعشب ،
حين ينبت في باحة الدار.
نُكلم الينابيع بصوت الجدات،
ونربط أبوابنا بخيوط المطر.

نحن أبناء التراب الذي لا يُشترى،
ولا يُمْحى !!!

أيّها الغريب،
أصابعك لا تعرف ترتيبَ الحصى في الطريق،
ولا كيف يُخبَّأ مفتاح الدار تحت أصيص الزهر،
ولا ماذا يعني أن تقف تحت شجرةِ تينٍ
في تموز،
وتُقسم بشفاهٍ يابسة ، أنك تنتمي….!

لك خوذتك،
ولنا أغنية الجدّة حين تهبُّ الريح،
لك سلاحك،
ولنا الدفء المتسرّب من فُرن الطين،
لك الخرائط المزيفة،
ولنا خطوطُ الكفِّ،
حين تُفتح في وجه الشمس وتقرأ الأرضَ كما تُقرأ القصائد.

نحن أبناء الطين المجفف بالحب،
ولدنا من ظلال الشهداء،
ومن حكاياتٍ عتيقة،
ومن صمتٍ ينام بين ضلوع الأرض،
لكنّه إذا استيقظ…
زلزل الجبل.

مجيدة محمدي ، أديبة وشاعرة تونسية

Related Posts

المسرح بين الماضي والحاضر 

مقالة بقلم: أحمد فاروق بيضون  (مصر –دمياط)   لربما تطور المسرح في العموم عن ذاك النمط الكلاسيكي القديم، منذ عباءة المسرحي النرويجي (هنريك إبسن) الذي ركن إلى الدراما الواقعية في…

الغياب عن القرار | قصيدة : ريتا نجيب نفاع

الغياب عن القرار يستهلك العمر على دفعات بين وعد صغير وأمل مؤجل. يترك الروح معلّقة في فضاء الإنتظار … استنزاف بطيء يسرقك من نفسك منتظراً وضوحاً …لن يأتي ينهكك دون…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *