محمد عبدالله عتيبي… شاعر اللون وذاكرة السودان البصرية

في لوحات محمد عبدالله عتيبي يتقاطع الحلم مع الذاكرة، ويشدو اللون كقصيدة لا تُقرأ بالكلمات بل بالعيون. فمنذ ميلاده في مدينة الدويم عام 1948، تشبع هذا الفنان بحساسية خاصة تجاه الأشياء والرموز، وصاغ من دراسته في كلية الفنون بالخرطوم طريقًا لم يكتف بالتقاليد الأكاديمية، بل فتح أفقًا شخصيًا، يزاوج فيه بين الحرف العربي والأقنعة الإفريقية، بين طقوس الصوفية وأهازيج القرى، ليؤسس خطابًا بصريًا يتجاوز اللوحة إلى معنى أرحب: معنى الانتماء.
في أعماله، تنبض عناصر الحياة السودانية ببهاء جديد؛ الجِمال والنساء والنخيل ليست مجرد صور، بل رموز تتجاوز حدودها لتغدو علامات على هوية جماعية. ألوانه هي انفعالات حيّة: كثيفة حينًا، موحدة حينًا آخر، كأنها تجسد التناقض الأبدي بين الفرح والحزن، بين الحياة والموت. المرأة عنده هي قلب اللوحة، رمزًا للخصب والذاكرة والجمال، تارةً تقف في ثنائية مع الطبيعة، وتارةً تتوحد مع الفضاء اللوني لتصبح أيقونة للوجود ذاته.
حين يميل عتيبي إلى الأبيض والأسود، يفعل ذلك ليعلن أن التناقضات ليست عيبًا في الحياة، بل سرها الأعمق؛ فالظلال والنور عنده يكتبان تاريخًا بصريًا موازٍ لتاريخ السودان. أما حين يندمج الحرف العربي مع الأقنعة الإفريقية، فإن اللوحة تتحول إلى ساحة لقاء بين العوالم، حيث لا تنفصل الأصالة عن الحداثة، ولا المحلي عن الكوني.
تجربته الفنية لم تكن حبيسة الجماليات وحدها، بل انفتحت على المعنى الإنساني؛ فبينما أحرقت الحروب ذاكرة المؤسسات الثقافية، ظل عتيبي يرسم، مؤكدًا أن اللوحة يمكن أن تكون فعل مقاومة ورسالة سلام.
وليس أجمل من لحظة اللقاء المباشر مع الفنان. فقبل أكثر من عقدين من الزمان، في معرض بمتحف السودان القومي، مدّ يده بابتسامة عريضة بعد أن باغتني مازحًا بقوله: “تصوروا ساكت؟”. ومنذ تلك المصادفة، صارت متابعة معارضه عادةً تملؤني بالدهشة والحنين معًا. حتى بعد الحرب واللجوء إلى القاهرة، ظل عتيبي يحمل روحه ذاتها، يرسم أمام النيل بطمأنينة العارف، يضع اللون فوق اللون كمن يبني عالمًا جديدًا. جلوسي إلى جواره في ورشة بالقاهرة كان أشبه بالجلوس إلى شاعر يكتب قصيدة، لكن باللون لا بالكلمة.
محمد عبدالله عتيبي ليس مجرد تشكيلي مبدع، بل شاهد على أن الفن يمكن أن يكون سيرة شعب، وحارسًا لذاكرة، وشاعرًا للون يجعل من التراث المعاش جماليات معاصرة، ومن السودان نافذة مفتوحة على العالم.
كمال هاشم
اغسطس 2025

Related Posts

Cuba Opens Its Doors to the World’s Writers

International Literary Residence Launches a New Cultural Exchange Initiative **Havana, Cuba** – A new chapter in international literary and cultural cooperation is set to begin with the launch of the…

الفنانة التشكيلية منة طارق: الرسوم ليست مجرد زينة للنص

مع الفنانة التشكيلية منة طارق حاورها : طارق العمراوي   الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات    س1: كيف تقدمين الفنانة التشكيلية منة طارق ؟  أنا منة طارق، فنانة تشكيلية ورسامة كتب أطفال، خريجة كلية التربية الفنية دفعة 2011، وبدأت رحلتي المهنية في مجال الرسم عام 2012. على مدار أكثر من 13 سنة، عملت على عدد كبير من الكتب والمشروعات الموجهة للأطفال واليافعين، بالتعاون مع دور نشر ومنصات مختلفة. أعمل بالرسم اليدوي والرقمي، وأهتم بتصميم الشخصيات ورسم المشاهد وتطوير الهوية البصرية للعمل. بالنسبة لي، رسم قصص الأطفال ليس وظيفة، وإنما وسيلة للتعبير عن نفسي وطريقة لتوصيل كل المشاعر والصفات التي يستطيع الطفل من خلالها   بناء شخصيته وتقويمها   س2: ما أهمية ورشات الرسم والأشغال اليدوية في معارض الكتاب؟ ورش الرسم والأشغال اليدوية تجعل الطفل ينتقل من دور المتلقي إلى دور المشارك والمبدع. الطفل عندما يرسم أو يصنع شيئًا بيده، يكتشف قدراته ويتعلم التعبير عن نفسه بحرية، وهذا يقوي علاقته بالكتاب أكثر. كذلك تفتح له الورش بابًا ليرى الكتاب ليس مجرد كلمات وصور، بل عالمًا يستطيع الدخول إليه والمشاركة في صنعه. وأتمنى أن تكون هذه الورش مستمرة ومتنوعة، وتتيح للأطفال فرصة حقيقية للتجربة والاكتشاف، وليست مجرد نشاط ترفيهي عادي. س3: كيف يتم التعامل بين صاحب النص وصاحب الريشة؟ هل تقرئين النص وتتخيلين المشاهد، أم يوجهك الكاتب، أم أن العمل مشترك؟  في رأيي، البداية الحقيقية تكون من قراءة النص جيدًا وفهم شخصياته ورسائله، وبعدها أبدأ في بناء تصوري البصري الخاص. أنا أحب قراءة النص وتخيل المشاهد والشخصيات والألوان، وأحيانًا تكون الصورة لديّ مختلفة تمامًا عن التصور المتوقع، وأسمع تعليقًا من المؤلف: «أنتِ وصلتِ إلى ما أريد التعبير عنه بالضبط». طبعًا الحوار مع الكاتب مهم، وسماع تعليقاته عن المشاهد وعن أحداث القصة، وكلما كانت علاقة الرسام والكاتب طيبة وفيها تفاهم، كان الكتاب أنجح. ليس تنفيذًا حرفيًا. الكاتب يقدم العالم بالكلمات، والرسام يضيف له لغة بصرية مستقلة، هذا يكمل ذاك. س4: ما تقييمكم للرسومات المصاحبة للنص في قصص الأطفال؟  الرسومات عنصر أساسي في نجاح القصة أو الرواية، لكنها ليست مجرد زينة للنص أو وسيلة لتكرار ما هو مكتوب. الرسمة الناجحة يمكن أن تكشف إحساس الشخصية، أو تضيف تفصيلة غير موجودة في الكلمات، أو تفتح بابًا لخيال الطفل. هناك قصص تكون صامتة أصلًا، والرسمة هي الوسيلة الوحيدة لتوصيل الفكرة والهدف من القصة. أنا أرى أن قوة الكتاب المصور تظهر عندما يكمل النص والصورة بعضهما، وكل واحد منهما يضيف معنى للآخر. ليست مجرد صورة مزينة فقط . س5: هل توجد ملتقيات للفنانين التشكيليين الذين يتعاملون مع أدب الطفل؟ هناك فعاليات ومعارض وورش ومبادرات تجمع رسامي كتب الأطفال، لكن أتمنى أن يكون هناك اهتمام أكبر بملتقيات متخصصة تجمع الرسامين والكتاب والمحررين والناشرين بشكل منتظم. وجود مساحة للحوار وتبادل الخبرات ومناقشة تجارب الرسم والنشر سيساعد على تطوير مستوى الكتاب المصور، سواء للطفل أو لليافعين. س6: ما القصص التي تستهويكِ وتحبين تزويدها برسوماتك: الخيال العلمي أم حكايات التراث والسحرة وغيرها؟   أنا أحب القصص الخيالية والقصص التي تكون أبطالها الحيوانات. أنا أحب رسم الحيوانات جدًا وأستمتع به، وكذلك الشخصيات الخيالية. ومؤخرًا أصبحت أحب كثيرًا القصص الدينية، وأتمنى أن تكون سببًا في قربي من الله، وسببًا في توصيل الدين بطريقة مبسطة ومحببة للأطفال . س7: هل تفكرين في إقامة معارض خاصة للرسومات التي تؤثث القصص المنشورة؟  ستكون فرصة جميلة جدًا إذا استطعت، لأن المعرض سيوضح للناس مراحل تطور العمل، من الاسكتشات الأولى وتصميم الشخصيات حتى الصورة النهائية، ويكشف حجم التفكير والتجريب الذي يمر به الرسام. فهذه المعارض يمكن أن تقرب الجمهور من عالم رسام الكتاب، وتستطيع أن توضح للمؤلف ولدار النشر المجهود الذي يبذله الفنان للخروج بقصة ناجحة. س8: هل تنافسكم المنصات المصورة للقصص؟ كيف تقرئين المشهد وما تصورك له؟   أنا لديّ مشاعر متضاربة، في الحقيقة، ما بين المنصات والقصص الورقية. أنا أحب كثيرًا القصص المطبوعة وإحساس الورق بين الأصابع، ولكن أرى أن الأطفال في هذا الجيل ليسوا جميعًا مرتبطين بالمطبوعات، فنحن يجب أن نحاول لفت نظرهم ونحثهم على القراءة من الأجهزة الذكية، ونحاول حمايتهم من التعفن الذهني. التحدي الحقيقي بالنسبة لنا هو أن نفهم طبيعة الطفل اليوم، ونكسبه ونستفيد من حبه للأجهزة الذكية.     س9: هل رفضتِ يومًا التعامل مع كاتب لأن النص لم يعجبكِ؟ وكيف بررتِ ذلك؟  نعم، كانت من أصعب التجارب، بصراحة، ولكن كانت لديّ قناعة تامة بأنني لو رسمت كتابًا لا أشعر تجاهه بالحب والشغف، فسيكون كتابًا فاشلًا. قرأت الكتاب فعلًا وحاولت أن أرسم ولم أستطع نهائيًا، فرجعت واعتذرت للدار نفسها. شرحت لهم أنني أواجه صعوبة في رسم هذا الكتاب، ووجدت ترحيبًا منهم بصراحتي واحترامًا لطلبي، وأخذت نصًا آخر وكان ناجحًا جدًا، الحمد لله. س10: ما تقييمك للقصص المصورة بلا متن أو كلمات، التي بدأت تتزايد، والتي تتطلب رسومات معبرة وموجهة للطفل القارئ؟   هذا تحدٍّ فني كبير. الرسام لا يقدم مشاهد جميلة فقط، لكنه يبني تسلسلًا للأحداث، ويوجه عين الطفل، ويعبر عن المشاعر والحركة والزمن من خلال رسوماته. ليس أي فنان يستطيع النجاح في هذا الاتجاه. لأنه يجب أن تكون الصور مترابطة، وتسلسل الأحداث مفهومًا، والتفاصيل البصرية مقصودة، من غير أن نفقد مساحة الغموض الممتعة التي تشجع الطفل على التفكير. أنا أرى أن القصة الصامتة ليست قصة ناقصة لأنها بلا كلمات، لكنها شكل مختلف من أشكال السرد، يكون فيه للصورة دور البطولة الكامل، ويؤكد أن الطفل يستطيع القراءة بعينيه وخياله، وليس بالكلمات وحدها.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *