شهادة على العصر بقلم الأستاذ الدكتور أنور مغيث الأستاذ بجامعة حلوان، ورئيس المركز القومي للترجمة، ووكيل وزارة الثقافة الأسبق
الحمد لله، فالبدايات الصحيحة هي التي تؤدي دائمًا إلى الطرق السليمة. ولدتُ في باريس مرفوع الرأس، ومنذ ذلك اليوم، أسستُ أول مركز ثقافي عربي خاص في أوروبا، بدعم كريم من الفنان الكبير وعاشق التمثيل الأستاذ ناصر أباظة، وإحدى السيدات المصريات الفاضلات، وذلك بعد أشهر قليلة من وصولي إلى باريس في صيف عام 1993.
ومع الأسف، فإن معظم الذين عاصروا تلك الأحداث إما غادروا الحياة وإما عادوا إلى بلدانهم العربية. لكن الصدفة، وبعد مرور هذه السنوات، جمعتني من جديد بالمفكر والفيلسوف والمترجم الأستاذ الدكتور أنور مغيث، أستاذ جامعة حلوان، والحاصل على الدكتوراه من جامعة ستراسبورغ، والرئيس الأسبق للمركز القومي للترجمة. وقد قدّم شهادته في عدة مناسبات، ثم تحولت كلماته إلى نص مكتوب وموثّق، ليؤكد على البدايات التي قادت لاحقًا إلى تأسيس متحف دارنا في القاهرة، وإلى عضوية أكبر الصالونات التشكيلية والثقافية في فرنسا والعالم.
نعم، لقد كانت تلك المحاولة الأولى عربيًا، والتي لم يخفت نورها إلى اليوم، رغم ما أحاطها من محاولات تشويه وتضليل للثقافة العربية. ولذلك تبقى شهادة الدكتور أنور مغيث وسامًا مضيئًا على صدري، وتاجًا أعتز به بعد أكثر من ثلاثين عامًا، رغم أنه شارك معنا في عدد محدود من الفعاليات والمعارض، إلا أن كلماته مثمّنة غالية.
كل الشكر والتقدير للأستاذ الدكتور أنور مغيث، ذلك الإنسان الراقي النبيل، على شهادته التي عبرت بصدق عن جانب من رحلة التأسيس. وهي شهادة تخص الجانب المصري، أما الجانب العربي فقد جسّدته لقاءات وإسهامات مبدعين كبار مثل:
الفنانة والكاتبة والمفكرة إتيل عدنان
الكاتبة هذي بركات
الروائية عالية ممدوح
الفنانة سمر الهامس
المبدع عيسى مخلوف
الرسام الشهيد ناجي العلي (من خلال عرض مسرحي من تأليفي وإخراجي)
المبدع صلاح جياد
الأستاذ محمد سعيد الصكار
الفنان إياد شلبي
الفنان السوري مروان أبو سكة
الفنان فاتح المدرس
وآخرون كُثر من العرب والمصريين والفرنسيين، بلغوا عشرات بل مئات، خلال عامين فقط.
لكن، حين سافرت في بعثة إلى اليابان، عدتُ لأجد أن بعض الأشرار قد أقنعوا صاحب المكان بتحويله إلى مقهى، فانطفأ نور تجربة ثقافية جديدة كنّا قد بدأناها، رغم أننا قدّمنا أيضًا خلالها أسماء بارزة مثل المخرج التونسي الكبير ناصر خمير ومحمد الزرن وغيرهما.
وسوف نكتب قريبًا عن هؤلاء جميعًا، بما يليق بإسهاماتهم.
ومرة أخرى، أوجّه خالص الشكر والامتنان للأستاذ الدكتور أنور مغيث، الذي قدّم شهادته في زمنٍ كان كثيرون يحاولون فيه إجهاض تجربة شاب مصري، فقط لأنه كشف زيف بعض الوجوه التي ادّعت الثقافة وهي وهم، فسعوا إلى اغتياله معنويًا مرارًا، بل وفعليًا في مرتين.
الحمد لله أن هناك من ينتصرون للحق على هذه الأرض.
عبد الرازق عكاشة٬ باريس
عكاشة وجاليرى إمحتب | بقلم دكتور أنور مغيث
فى الثمانينات من القرن الماضى بينما كنت أدرس الدكتوراه في مدينة ستراسبورج، كنت كثير الزيارات لباريس. كانت تجمعني الصدف بمصريين أتوا هم أيضاً للدراسة.. وآخرون أتوا للبحث عن عمل فضلاَ عن لقاءاتي مع مثقفين كبار من معارضى النظام.
وفى لقاء بالصدفة تعرفنا على الشاب عبد الرازق عكاشة الذى كان في مصر صحفيا ورساما وكان هدفه من القدوم إلى فرنسا محدداً وهو تعريف القارئ العربي برواد الفن التشكيلي العالميين وتعريف القارئ الفرنسي بالفنانين المصريين من خلال كتب مزودة بصور لأعمالهم. تعجبنا لطموحه وارتياده لطريق غير مألوف بالنسبة لنا دارسي العلوم الانسانية.
كان متدفقاً مليئاً بالحيوية.. وفي عام 1993 سمعنا أن عبد الرازق عكاشة بالاشتراك مع أصدقاء له قد استأجر موقعاً فى شارع موفتار فى قلب باريس أطلق عليه جاليرى إمحتب ويريد أن يجعله مركزاً ثقافياً غير حكومى للمصريين، كل المصريين فى باريس. كان الشارع قريب من السوربون والمدارس الكبرى في باريس. وبالفعل تحول جاليرى أمحتب إلى ملتقى حر للمثقفين المصريين والعرب يتداولون فيه قضايا الفن والثقافة وهموم أوطانهم.
وحينما كانت إحدى المؤسسات مثل معهد العالم العربى أو اليونسكو أو وزارة الثقافة الفرنسية تقوم بدعوة مفكرين وأدباء وفنانين من مصر في أي مناسبة كان عبد الرازق عكاشة يسعى إليهم لعقد لقاء غير رسمى مع المصريين فى جاليرى إمحتب.
التقيت هناك بأصدقاء مثل رضوان الكاشف ومجدى أحمد على وبأدباء مثل إدوارد الخراط وإبراهيم أصلان وإبراهيم عبد المجيد وجميل عطية إبراهيم وكوكبة من كبار الفنانين التشكيليين أصدقاء عكاشة. وتحول جاليرى إمحتب إلى مقصد يسعى الضيوف الكبار إلى زيارته، وكان المفكرون المقيمون فى باريس مثل أديب ديمترى ومحمود أمين العالم ومصطفى صفوان يأتون إلى الجاليري يطرحون علينا فى ندوات مفتوحة تأملاتهم الفكرية والثقافية. وكان عكاشة مقاوما لكل محاولات الاستقطاب التي تهدف لإبعاد الجاليري عن رسالته ومعتزا بالثقافة المصرية مناضلا ضد محاولات تهميشها، وداعما لكل مبادرات ابرازها مثل مشاركته مع الناقدة فاطمة اسماعيل في اعداد معرض اليونسكو عن الفن الافريقي وكانت مصر هي ضيفة الشرف.
كنا نهرع تلقائيا إلى جاليري إمحتب في الملمات واثقين بأننا سوف نلتقى بالأصدقاء دون ترتيب موعد، كما حدث مع خبر محاولة اغتيال نجيب محفوظ.
أتذكر لقاءات أشعلت فى قلوبنا نحن المغتربين الحنين إلى الوطن مثل اللقاء الذى تم مع الأستاذ سعد الدين وهبة والأستاذة سميحة أيوب حيث روى كل منهما مسيرته المليئة بالصعوبات والإحباطات والنجاحات وكان محركها هو حب مصر. وأذكر بكثير من الشجن اللقاء الذى عقد لتأبين الفنانة التشكيلية منى زعلوك والذى تحدث فيه الفنان جميل راتب والدكتور غالى شكرى. أتاح لنا جاليرى إمحتب كل هذا الزاد من الفن والثقافة كما أتاح لنا اللقاء بأشقائنا من البلاد العربية المنشغلين بالعلم والفن والفلسفة. كل هذا مصحوباً بابتسامة عبد الرازق عكاشة وأصدقائه وترحيبهم الحار.
كان ترحيباً بالغاً لدرجة أننا اعتبرنا جاليرى إمحتب هو بيتنا فى باريس نلتقى فيه بأصدقائنا وزملائنا في الدراسة القادمين من مصر.
تحية لعبد الرازق عكاشة وجهده الكبير في مجال الثقافة والفنون