عاليه عواد: أمي… حكاية وطن

توفيت والدتي عن عمر ناهز ال 95 عاما ، قضته في سردية تاريخية بين المحبة والعشق ، وحكايات الوطن الجريح على مد التاريخ الفلسطيني ، أمي عاصرت حرب ال48 وال 56 واا 67 وال 73 ، والانتفاضة الاولى ، والثانية، وكل الظروف السياسية و آخرها كان حرب الابادة على قطاع  غزة ” ٧ اكتوبر ” .

كانت أمي حتى وفاتها تتمتع بذاكرة خصبة ، كانت خفيفة الظل، طيبة القلب ، وفي عينيها يشع نور الحنين الى الماضي المعتق بالذكريات الجميلة ، أمي كانت تتسم بالشجاعة ففي حرب عام ال 76 كانت تحاول الاحتماء من الرصاص المصوب اتجاهها من المحتل الاسرائيلي ، وهي تصنع الطعام لجيراننا الذين إحتموا عندنا  في غرفة صغيرة أسفل البيت ، وعلي باب البيت ان نظرت جيدا ستجد آثارا لرصاصة كانت قد اصيبت بها أختي رسمية رحمها الله ، وقد نجاها الله منها آنذاك .

وفي الحرب الاخيرة على قطاع غزة كانت أمي تتابع الاخبار باهتمام كبير ، وكانت تبكي كثيرا على استشهاد الابرياء، المقاومين، والعظماء ،  وكانت تسألني دائما ” ايمتى بدها تخلص هالحرب يما “؟ وكانت قلقة جدا على أبناء عمي وعمتي وكل اهلنا في القطاع الحبيب ،الذي عانى وما زال يعاني من ويلات الحرب ،  ومن بشاعة المجازر التي يرتكبها المحتل الاسرائيلي بحقه .

ولدت أمي في مدينة طولكرم ، واخذت جمالية الحياة من جمالية تلك المدينة ، وهي تنتمي الى آل العيسة ، وهي احد كبرى عشائر مدينة طولكرم ، الذين نعتز بهم ونفتخر بهم ، وقد ورثت طيبة القلب عن جدتي فاطمة التي تمنيت ان اراها، واستمتع بجمال طيبتها وحنيتها كما روت عنها أمي  ، وورثت خفة الظل عن جدي سالم القص ، حيث كان شاعرا شعبيا له مكانته في المدينة ، وقد شكلوا هي واخوانها وأخواتها لوحة فنية في الانتماء والمحبة ، وأناقة الروح  .

كان زواج أمي من والدي زواجا استثنائيا ، كان والدي رجلا متعلما ومثقفا ،كريما ، وعصاميا ، وقد اقام لها عرسا استثنائيا أيضا تميز باقامة العديد من الحفلات ابتداءا من مدينة طولكرم ،  حيث اقيمت الدبكات الشعبية ، وطقوس الزفاف الفلسطينية الجميلة،  ووزعت الحناء ، وأقيمت الولائم،  وبعد العرس كان على أمي ان تغادر مع زوجها عبر قطار من طولكرم الى غزة ،حيث ستقيم مع عائلتها الثانية , وكانت تلبس ثوب الزفاف الابيض ، وكان معها جدي وجدتي وجمع غفير من المدينتين ،وفي القطار أقيمت لها حفلة أخرى شارك فيها كل من فيه ، وفي غزة استقبلت امي بفرق الكشافة الفلسطينية ، وامتدت الذبائح والولائم ، ولبست أمي الثوب الغزي الذي يحمل في طياته خطوط الحنين ، وعبق الروح .

عاشت أمي في قرية “حمامة ” المهجرة المكللة بظلال الاشجار المثمرة ، والحدائق البهية التي كانت تحيط بالبيت في ذلك الوقت،  وكانت أمي تروي لنا أجمل الذكريات هناك  ، وتخبرنا  قصص شيقة عن علاقتها الرائعة مع حماها ،وهو جدي عبد الرحمن عواد ، وقد اخبرتني عنه انه كان  شجاعا وقوي الشخصية، وحماتها جدتي حمدة، وكانت ايضا تتمتع بشخصية قوية ،ولها مكانة خاصة ببن افراد عائلتها وفي محيطها ،  وكذلك علاقتها الطيبة مع  بنات عمتها ،عمتي المناضلة جميلة،وعمتي طيبة القلب أمينة ، وعمي الغالي على قلبي محمد الشقيق الوحيد لابي الذي جمعتني معه أجمل الذكريات حين كان يزورنا في بيتنا في القدس ، وخاصة حينما كنت اقدم امتحانات الثانوية العامة ، كنا نستيقظ سويا في الفجر ، كنت اصنع  له القهوة ، ونحتسيها معا وكان  يرفع يديه الى السماء  وهو على سجادة الصلاة ، وهو يصلي صلاة الفجر ، يدعو لي بالنجاح والتوفيق ، وصوته مكلل بالمحبة والحنية ،  رحمهم الله ما اجملهم  وما أجمل ذكراهم .

تنقلت امي مع والدي خلال عمله في عدة مدن فلسطينية مثل المجدل ، يافا، وبيت دجن وغيرها ،واكتسبت موروثا ثقافيا لكل مدينة .

بعد النكبة وفي الخمسينيات من القرن الماضي عاشت أمي في ظلال والدي الذي كان مهندسا في مجال الكهرباء ، وقد بنى لنا بيتا جميلا في مدينة القدس محاطا بأرض مزروعة بالاشجار الجميلة ، وبحديقة جميلة زرعتها أمي  بيديها الخضراء ، كانت امي متميزة بزراعة الورد بالمصاببح الكهربائية ،مما كان يضفي نورا ورونقا في المكان الذي تضعهم فيه ، كان الخير والحب يملأ زوايا البيت ، وكانت الايام لها متعة خاصة ، وبالاخص يوم الجمعة حيث كنا نجتمع حول “مقلوبة أمي ” الساحرة التي يعرف مذاقها الطيب كل من جاء الى بيتنا  وزارنا وتذوقها .

كانت أمي تحب مدينة القدس محبة خاصة ، وفي زقاقها واحيائها كانت لها حكايا جميلة ومختلفة  .

أمي أسميها ”  الصابرة ” توفي زوجها ، ابنتها واولادها , وفي ظل  مرارة هذا الفقد الأليم عليها وعلينا كانت أمي السد والسند ، احتضنتنا ومسحت عن عيوننا دموع الحزن , وعذابات الفراق المر.

أنا آخر عنقود أمي ،ومدللة أبي رحمه الله ، واخواني واخواتي ، وحين كنت صغيرة كنت ابنة أمي ،  ولكنني حينما كبرت أصبحت أمي ابنتي، ورفيقة دربي، ومتعة حياتي ، كنت آخذها بنزهة بالسيارة الى بعض الاماكن المفضلة لدينا مثل مكان يسمى ” الجبل ” وهو موقع قريب من التلة الفرنسية في القدس، ويطل على بيتنا في حي وادي الجوز الجميل  ، ندور اغاني عبد الحليم وفريد الاطرش ،  كنا نقضي اجمل الاوقات نضحك ونغني سويا “عتابا وميجانا” و ” دلعونة ” ، واغاني التراث الفسطينية ، فقد كان صوت أمي جميلا وعذبا ، وكانت تحب ان اسمعها بعض الاغاني الحديثة مثل اغنية ” قد ما عمري يطول حفضل احبك انا ”  واغنية ” اما براوة ” واغاني عمر العبداللات ،  وخاصة ونحن  في طريقنا الى”يافا ” “القسطل ” ، ” وعين كارم”  هذه الامكنة التي كانت تحب الذهاب اليها كثيرا.

كانت لنا أنا وأمي رموزا سرية ، وأحاديث خاصة لا يعرفها احد ، حين مرضت قبل سنوات أصبحت اخاف عليها من الالم والوجع وكنت المشرفة عليها من الناحية الصحية ،وعلى اعطائها أدويتها بانتظام ، ورغم كل الظروف استمرت برامجنا ، وضحكاتنا ، ومشاويرنا الجميلة بمساعدة اخوة لنا اعتبروا أمي مثل والدتهم ، واعتبرتهم أمي مثل أبنائها .

رغم أني كبرت الا انني كنت اشعر بدفء الطفولة ،حينما كنت اطلب من أمي ان تروي لي قصصها الجميلة ، التي كانت ترويها لنا ونحن اطفال ،والتي ايضا كانت ترويها لاحفادها وحفيداتها ، كنت احب قصة “الغزالة وبناتها” والتي علمتهم رمزا سريا حتى لا يأكلهم الذئب ، كنت احب ذلك الرمز السري الذي يقول ” يو سرندح يو برندح افتح البابين وامدح في قريناتي عشيبي وقي صديراتي حليبي ”  وكنت اكرره مع أمي ونضحك سويا .

كل من قابل امي أحبها ، لم تغضب أحدا يوما ما ،وكانت متسامحة الى أبعد الحدود ، قلبها الطيب كان الطريق الى قلوب الكثيرين ممن عاشروها وعرفوها .

امي يا اجمل قصة عشق كتبها التاريخ ، اشناق اليك في غيابك وابحث عن إسمي في صوتك في زوايا الزمان والمكان ، أحبك حبا يتفوق على قصص العاشقين ، واحتاج اليك  يا امي في هذا الوقت بالذات فأنا متعبة وحزينة جدا، احتاج ان اضع رأسي على كتفيك  لازيل آثار الهم ،والوجع ،وقسوة الايام ،والحزن العالق في قلبي على فراقك .

ما يثلج قلبي يا امي ، هو رضاكي عني حتى في آخر أيامك ،و دعاؤك لي دائما ، ” الله يرضى عليكي يما ويجعل لك في كل طريق صديق ” بالفعل هذا ما نفتقده هذه الايام، وما نحتاج اليه حين تغيبين يا صديقتي، ورفيقة الدرب  .

رحمك الله يا أمي ، وادخلك فسيح جنانه مع الانبياء والصديقين ، والشهداء ، يا حبيبتي وغاليتي .

أقبل يديك ، قدميك ، وجسدك الطاهر الذي كان يشع نورا في حياتك وفي وفاتك ، المعبق بالمسك ،والعنبر والريحان .

وستبقى ذكرياتي انا وانتي وضحكاتنا نورا يضيء الدروب الصعبة في هذا الزمن القاسي .

 

عالية عواد٬ كاتبة فلسطينية

Related Posts

Penprints Publication Honored by ISISAR: A Celebration of Dedication and Cultural Commitment

Penprints Publication has proudly received a heartfelt felicitation from ISISAR, marking a significant recognition of the publishing house’s sustained efforts and contributions to the literary and cultural landscape. This honor…

 أعمال فنان الرسوم المتحركة محمد يونس (الهند)

محمد يونس هو فنان رسوم متحركة ورسام كاريكاتير ومصمم رسومات توضيحية من الهند، يسعى حاليًا إلى توسيع فرصه المهنية في مجالات التحريك، ورسوم الكتب والمجلات، والسرد البصري. يعرض يونس نماذج…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *