الوسائل التقليدية بوسائط وتقنيات حديثة…
…Old wine in a new bottle
– التحقيق الاستقصائى الذى نشرته الفاينشيال تايمز بالأمس عن مشروع “ذا لاين” الذى يتم تنفيذه فى المملكة العربية السعودية ضمن رؤية المملكة 2030؛ هو نموذج ودليل على أن الصحف التقليدية (الورقية + نستختها الالكترونية) مازالت هى القادرة على الفاعلية والتأثير والانتشار مقارنة بالعقلية السطحية التى ترى فى السوشيال ميديا بديلا عن تلك الصحافة التقليدية وستقضى عليها لنعيش فى مجتمعات يسيطر عليها السطحية والترندات فى غياب العمق والتحليل والاستقصاء والحوار؛ وهو تفكير سطحى وساذج Naive لانه تحول من النظر للتقدم التكنولوجى والتأثير المتنامى للسوشيال ميديا كوسيلة وتطور طبيعى يتم توظيفه فى تسويق المحتوى الجاد والعميق وحتى الترفيهى إلى محاولة لتسطيح كل ما هو محتوى جاد ليناسب وسائل وتطبيقات حديثة محدودة الكلمات والمدة الزمنية والعمق بهدف الوصول وصناعة ترند يسيطر على الاهتمام والمتابعة؛ وهو أمر يصلح فى الامور التسويقية والإعلانية لجذب اهتمام المستهلك والغريزة والعقلية الاستهلاكية ولا يصلح لاهتمام قارىء وتشكيل وعى وتأثير فى عقل ووجدان وبناء علاقة سليمة مع قارىء او مشاهد… فتحول الاهتمام من المحتوى/المضمون إلى الشكل فغاب التأثير وزادت الشكوى من الإنحدار والسقوط فى بئر “عبادة التقنيات” دون عقل يوظفها ويشغلها… (محدثين نعمة بعيد عنك)…
– التكنولوجيا والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعى وغرف الاخبار المدمجة موجودة ومتطورة ومتوافرة على قارعة الطريق وإقتناءها والتدريب عليها حتمى وسهل ويسير وبرامج التدريب الحديثة فى كل بلد ومؤسسة لمن يرغب؛ ولكنها تظل تقنيات تطرأ على المهنة منذ أن نقل يوحنا جوتبنبرج الكتابة إلى أفق جديد فى ثورة تعدد النسخ للمخطوط الواحد وأخترع المطبعة؛ حين قام في سنة 1447 م بتطوير قوالب الحروف التي توضع بجوار بعضها البعض ثم يوضع فوقها الورق ثم يضغط عليه فتكون المطبوعة مطوراً بذلك علم الطباعة الذي اخترع قبل ذلك في كوريا في سنة 1234م…
– وكانت تلك بداية ما عرف بالمطبعة اليدوية (1447-1800) وكانت تعمل باليد، مما سمح بطباعة الكتب والصحف بطريقة أسرع وأكثر كفاءة مقارنة بالنسخ اليدوى، ثم طرأ تطور ثورى فى عالم الطباعة مع ظهور المطبعة الآلية (1800-1900) في القرن التاسع عشر، مما زاد من سرعة الطباعة وخفض التكاليف؛ وفى عام 1843 ظهرت الطباعة الدوارة التي سمحت بطباعة آلاف النسخ في الساعة؛ ثم ظهرت الطباعة الأوفست سنة 1875 وهي طريقة تستخدم ألواح معدنية رقيقة لنقل الحبر إلى الورق، مما زاد من جودة الطباعة. وما هى إلا سنوات قليلة وفى خمسينيات القرن الماضى شهدت الطباعة تطورا كبيرا سمح بطباعة الصور والألوان بطريقة أكثر دقة؛ وفى الثمانينيات والتسعينيات وبداية الالفية الجديدة ظهر الانترنت و بدأت بعض الصحف تنتقل إلى الشكل الإلكتروني، مما أتاح للناس قراءة الأخبار عبر الإنترنت ولكن تلك الصحف خاصة الكبيرة منها لم تٌقدم على إلغاء “رصيدها وأسمها وعلاماتها التجارية والصورة الذهنية التى ترتبط بالورق والإخراج الصحفى الورقى حتى ولو على نسخ PDF؛ ولم يتوقف تطور الطباعة الورقية بل شهد ثورات جديدة فى تجويد المنتج وتعدد الملاحق مع استخدام تقنيات مثل الطباعة بالليزر والطباعة الرقمية مما زاد من جودة الطباعة وسرعتها…
– ما لحق بالطباعة تطور يشبه ثورة اختراع جهاز التليغراف 1840 والذى يعد أول وجه ومظهر للعولمة بمفهومها الحديث حين استطاع أن ينقل الاخبار والاحداث لحظيا وساهم فى سيطرة الامبراطورية البريطانية على عالم ما قبل القطبين (السوفيتى والامريكى) عندما سيطرت بالبارود والسفن البخارية والتليغراف؛ حيث كان اول استخدم “عولمى” فى ربط بورصات السلع فى المستعمرات لحظيا من الهند بشركتيها الشرقية والغربية إلى بورصات لندن التى تحولت إلى عاصمة الاقتصاد والمال فى العالم بفضل هذا الربط؛ ثم لاحقا استفادت منه الصحافة فى نقل الاخبار والملعومات؛ او هكذا يجب أن يفهم أى تطور تقنى حديث يطرا على المعالجات المهنية ارتباطا بالصحافة (ورقية – تليفزيونية – الكترونية) على انه تطور فى الوسيط الناقل للمحتوى قد يتطلب تطوير فى صيغته ولكن لا يلغى الوظيفة والدور ويتركه وسيلة/وسيط فى أى أيدى أى عابر سبيل…
– أستقرت الصحف والمجلات العالمية الكبرى مثل: الفاينشيال تايمز والدير شبيجل والنيويورك تايمز والواشنطن بوست والايكونوميست و وول سترتت جورنال والديلى تليجراف والتايمز وغيرها على أن غرف الاخبار المدمجة هى الاسلوب الافضل لاحتواء التقنيات الحديثة وتوظيفها؛ فتحول الامر إلى أسلوب عمل عندما ترد المادة الصحفية إلى الغرفة من المراسلين والمحررين والكتاب والمصورين (فيديو – ديجيتال) ورسامو الكاريكاتير ليخرج من تلك الغرفة المواد الصحفية العميقة بطريقة تلائم كل وسيط: الورقى – الموقع الالكترونى – الراديو – محطة تليفزيون (إن وجد) – تطبيقات السوشيال ميديا؛ تحت قيادة تحريرية واحدة وربط كامل بين الوسائط فى رؤية وقيادة وسياسة تحريرية واحدة تتكامل ولا تتنافس ولا تنحدر للسطحية وتسطيح المحتوى مع تطوير حتمى فرضتة طبيعة كل وسيط تقنى للقوالب التحريرية والصياغات وعمل الديسك المتخصص…
– مع كل تطور كانت تلك الوسائل التقليدية بكل وسائطها الحديثة تأخذ بالاسباب وتعمل وفق استطلاعات راى عام وبيانات واحصائيات دقيقة عن اهتمامات القارىء وترصد التغييرات الاجتماعية والإدراكية والثقافية والمستوى التعليمى والاختلاف والتنوع بين الاجيال والطبقات والفئات العمرية لكى تنعكس كل تلك التطورات على سياستها التحريرية التى دائما ما تلتقى فى منتصف الطريق ما بين المتغيرات والاهتمامات بطريقة وتناول يحافظ على شخصية الوسيلة ورسالتها وما تقدمه؛ فمنذ أسبوعين قامت صحيفة الواشنطن بوست بإدخال تغييرات جوهرية على هيكلها التحريرى لاستيعاب شريحة كبيرة من جيل زد وحددت مهام ووظائف لاطقم تحريرية للاشتباك المهنى مع اهتماماته وطبيعة المواد التحريرية التى تجتذبه إلى جمهورها المستهدف…

– الأساس الذى حافظ على بقاء تلك الوسائل وتطورها ومرونتها هو سقف الحريات الذى تمارس فيه تلك الوسائل عملها بالحفاظ على دورها وتأثيرها فى المجتمع؛ ورسوخ المفاهيم والضوابط والقوانين الحاكمة للعلاقة بين تلك الوسائل والنظم الحاكمة وأيضا المواطن (القارىء والمشاهد) وتقديس حرية الصحافة والحريات العامة وفى مقدمتها حرية الرأى والتعبير؛ وهو شرط أساسى لتطور المهنة ومكانتها وبدونها لا تطوير ولا اصلاح ولا دور وتتحول إلى أبواق فاقدة للمصداقية والرواج وتحمل بالخسائر يتبعها العار المهنى إلى ان تنزوى فى ركن بعيد وأرشيف يتأكل مع مرور الزمن وذاكر يغلب عليها النسيان…
– تلك الوسائل ووسائطها القديمة والجديدة أكتشفت أن سر تفوقها على السوشيال ميديا فى العمق وفى التحقيق الاستقصائى والتحليل الرصين العميق؛ وفى جهد ونظرة المراسل المختلفة من موقع الحدث؛ من عرض أمين للقضايا التى تعبر عن المواطن؛ من وجود أطقم تعمل على تدقيق المعلومات وتصويب الاخطاء ونشرها إن أقتضى الامر…
– تلك الوسائل تيقنت من ان الجهد المهنى الخالص “المتعوب عليه او بمعنى اخر لحم ودم” الذى يعمل عليه مراسل او محرر ملف او فريق عمل أستقصائى هو الجسر الذى يحافظ على “القراىء والمشاهد” وليس السرد والمعلومات الغير مدققة التى يلقى بها على السوشيال او فى اجابة من تشات جى بى تى او مخلقة بواسطة الذكاء الاصطناعى؛ وأن كل ما تأتى به تلك الوسائط والتطبيقات ما هى إلا حاصل جمع لمدخلات بشرية من مصادر شتى ليست بالضرورة حقيقية أو خضعت للاستقصاء والتحقق والتدقيق…
– تلك الوسائل ووسائطها القديمة والحديثة أدركت ومنذ زمن بعيد أن “المركزية” فى تغطية أخبار واحداث العواصم والمدن الكبرى او التمحور حول نشاط واخبار السلطة والحكومة والنظام السياسى فقط تفقدها جمهور عريض فى حاجة ان يرى نفسه واهتماماته وهمومه على الصفحات والشاشات؛ وأدركت أن العالم قد تحول إلى قرية صغيرة وأن حدث او قضية مهمة فى السعودية او مصر او الصين عندما توضع فى سياق مهنى احترافى يجذب اهتمام القارىء والمشاهد ويستطيع أن يسلط عليها الضوء ويضعها على راس سلم أولوياته ويستمر فى متابعة تطوراتها بعدي عن صناعة ترند وهمى يتم القضاء عليه بترند أكثر إثارة…
دمنا عقلاء…
الجورنالجى…
القاهرة فى 8 نوفمبر 2025م
– الصورة: رسم توضيحي ليوهان غوتنبرغ وهو يعرض أول تجربة طباعة بآلته (غيتي)


