
عبد الرازق عكاشة يكتب:
الفنانة التونسية دكتورة فاطمة الحاجي
خارج عن المعروف والسباحة في فضاء المالوف
في تاريخ التشكيل العربي غُيِّب عن الباحثين والفنانين العرب أحداثٌ تشكيلية كبرى، لمدارس أو لجماعات أسست للتنظير، والتطوير، والتجديد في التشكيل العالمي، ولم نركز عليها كثيرًا دراسيًا وبحثيًا، سابقًا أو لاحقًا.
نموذجًا:
مدرسة الأنبياء:
بونار،
وموريس دوني،
وتيو فان جوخ،
وفويار،
وسوريزييه،
وريبل روناي،
وغيرهم.
حتى جبران خليل جبران، الشاعر الخالد الذكر، كان ضمن مجموعة تلك المدرسة، أبناء جوجان الرائع.
ثم جماعات التشكيل بعد الحرب العالمية الثانية، نموذجًا جماعة (كوبرا) وفنانيها:
لاندستروم،
وكروني،
والنشنسكي،
وكارل آبل،
وغيرهم.
وجماعات من فنانين يهود روسيا وأوروبا الشرقية، منهم:
الرسام الروسي جاولينسكي،
هنريك ستازيفسكي،
آرثر شيك (Arthur Szyk)،
شارلوت سالومون (Charlotte Salomon)،
وغيرهم.
قدّموا نماذج إبداعية كبرى ضد هتلر، ومنحازة إلى مذابح اليهود، الحقيقة والافتراض.
هذه الفترة تحديدًا تحتاج إلى رسائل علمية ودراسات كبرى، لأن بها فنانين كبارًا وثراءً بحثيًا لم نلتفت إليه كثيرًا، وإن كان هناك بعض الفنانين العرب يلتقطون أعمالهم من الإنترنت على سبيل التقليد، وربطها بأحداث عربية حديثة، لخداعنا نتيجة عدم المعرفة.
المهم أن هذه الجماعات شكّلت حراكًا بصريًا مغايرًا للواقع، ومحطمًا للركود البصري والخمول الإبداعي، الذي سيطر على العالم بعد فترات الحروب العالمية والعنف الإنساني.
هذا الحراك وهذه الجماعات غيّرت وبدّلت في وضع اللوحة أو التمثال.
حتى مدرسة الواقعية الجديدة مع (إيف كلين)، ومدرسة باريس الأولى والثانية، كلها جماعات ومدارس وفنانين تمردت، فزادت التشكيل ثراءً وغنىً بصريًا وجماليات، مع ضخ دماء جديدة في تطوير التشكيل العالمي.
وكلها، أو معظمها، كانت أهدافها:
إما فتح آفاق حداثة جديدة للفنون،
أو تغيير وضع اللوحة،
وإعادة صياغة مزاج المتلقي،
والتلاعب بتوسيع حالة المشاهدة،
وإدماج الروح المسرحية،
مع إدخال التجديد كحالة ضمن حالات السينوغرافيا.

تذكرت تلك المقدمة وأنا أتابع تجربة الفنانة فاطمة الحاجي، التي تساهم منذ سنوات—عرفتها فيها دائمًا مطلعة، باحثة، ومجددة—من خلال أعمال البيرفورمنس، والتجديد السينوغرافي لمشاهدة العمل التشكيلي.
وكذلك تقدم نموذجًا للخروج من نفق الزمن الثابت، الواقف، الصعب، والنجاة بالروح من سجن المفروض أو المتخيل.
تحطم بجسدها الملوّن قيودًا فرضتها الحياة المادية والسطحية، عوالم الصناديق المستطيلة والمربعات المحكمة، لتفاجئنا الفنانة بقوة الانفجار والخروج، تاركةً خلفها على الأسطح لوحات تجريدية شاهدة على تلك اللحظات القوية.
التي تلعب فيها السينوغرافيا والطاقات الإيجابية دورًا كبيرًا.
اللون هو المؤرخ، والمسطح هو المسرح (الركح).
لطمات من الجسد، وضربات تلون السطح، وكأنها دفتر تسجيل لحظات، وليس يوميات. هي لحظات بريق، حالة عابرة للخروج من النفق، والتدوين والأرشفة في دفتر مسجَّل ومصوَّر دراميًا، مع تدوين للحظات الخروج.
وهنا يتحول الجسد إلى روح،
والروح إلى حالة،
يغوص في داخلها المتلقي.
هو مشهد تشكيلي مسرحي درامي بجدارة،
تتوافر فيه لغة جسدية لصناعة وتشكيل وجدان ورؤى حديثة في اللوحة المُحدَثة المُجدَّدة،
من خلال نص حركي مدهش حينًا، ومبهر حينًا آخر.
— معرضها الآن: كسر الحواجز في تجاوز الحاضر —
نعم، كالعادة لتلك الفنانة الباحثة، قررت أن تضع الإنسان—العنصر البشري المتلقي لمعرضها—في أزمة حوارية، وأسئلة ناتجها الدهشة.
ومن الدهشة يأتي السؤال، ثم الحوار، ثم الناتج الإبداعي.
فاطمة، أو دكتورة فاطمة المُجهِدة، التي لا تكل ولا تمل من البحث، ما شاء الله، تبحث عن التجديد طبقًا لفكرة تحطيم قانون الثوابت، وإعادة بناء حلمها على مشاعر حسية تخصها.
في معرضها تضع خطة جديدة لمشاهدة اللوحة، ليس على الجدران كالعادة، وهذا ما يدور في فلكه 90%، وربما 99%، من معارضنا العربية.
هنا قررت الاختلاف، كسر الجمود، من أجل صياغة الدهشة وتوظيف الصدفة.
لذلك قررت الاختلاف في طريقة العرض:
تعليق الأعمال بأحجامها الكبيرة في مشهد سينوغرافي إبداعي.
نزعت الحائط،
حطمت البعد المسند،
ظهر اللوحة التي تتكئ عليها في حوارها مع المشاهد،
لتتحول كل تلك العناصر إلى فكرة طائرة، وروح عابرة محلقة في الفضاء الداخلي، كنص حواري جديد ومبهر.أصبح سقف المعرض هو الركح، خشبة مسرح مقلوبة للأعلى، تتحرك عليها اللوحات، وتغني وترقص طربًا لفكرة التجديد والتغيير.
أما الخزفيات، أو أعمال الخزف على قواعدها المثبتة على أرضية المعرض، ليبدو المشهد هو اشتغال على إشغال العقل في أسئلة افتراضية بين عالمين:
بين السماء كخيال مجازي،
والأرض الباثقة كواقع افتراضي.في معرضها أرى الجمهور المتلقي يدور حول دهشة لا تتوقف، وخيال لا يجف.
فاطمة تقدم نصًا بصريًا سرديًا بمنتهى العمق، لتنقل الحاضرين إلى الحلم، والسفر داخل الروح، إلى الحلم والحقيقة داخل مربع المعرض.
— د. فاطمة الحاجي: خيال يتجدد وبصيرة لا تمل —
في الحقيقة، هي فنانة مميزة في المحترف التونسي والعربي، وخلقت حالة وروحًا من التجديد، أحيانًا تُقابل باستهانة غير المدركين لمعنى الإبداع، لكنها في المقابل تُقابل باحترام وتقدير شديدين عند المتابعين لتجربتها، وإصرارها على البحث وخلق لغة بصرية جديدة في الحوار الإنساني بمفهومه الواسع وغير التقليدي.
باريس
القاهرة – متحف دارنا
عبد الرازق عكاشة
فاطمة الزهراء الحاجي فنانة تشكيلية وباحثة، متحصّلة على شهادة الدكتوراه في علوم الفنون وممارساتها من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس، وعلى ماجستير بحث في الفنون التشكيلية، إضافة إلى الأستاذية من المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس.
تنتمي ممارستها التشكيلية إلى حقل الفنون المعاصرة، حيث تحتلّ عروض الأداء موقعًا مركزيًا بوصفها ممارسة قائمة على الجسد الحيّ، والفعل الزمني، والتفاعل المباشر مع الفضاء. وقد شاركت بعديد العروض الأدائية ضمن تظاهرات ثقافية وملتقيات فنية محلية بكلّ من تونس، صفاقس، المحرس، المنستير، سوسة وسليانة، ودولية بالدار البيضاء، مراكش وطنجة (المغرب)، وبالقاهرة، الغردقة والأقصر (مصر)، إضافة إلى روما (إيطاليا) ومسقط (سلطنة عُمان). كما شاركت في عدة معارض جماعية وطنية ودولية، واشتغلت خلالها على تقاطعات الجسد، المادة، والزمن بوصفها عناصر مولِّدة للأثر. وتحصلت على الميدالية الذهبية للإبداع من منظمة اليونسكو للفنون و الآداب بروما خلال بنالي روما للفن المعاصر.
قدّمت ثلاثة معارض فردية شكّلت محطات مفصلية في تطوّر تجربتها التشكيلية، من بينها معرض «أحلام مؤجّلة» بسلطنة عُمان، الذي تناول مسألة الذاكرة المؤجَّلة والجسد بوصفه حاملاً للتجربة، ومعرض «M2OI ULTUPLE» برواق علي الفندري بالمدينة العتيقة بصفاقس، حيث انفتح العمل على تعددية الوسائط وآثار الفعل الأدائي داخل الفضاء التشكيلي. أمّا معرضها الشخصي الثالث «Palimpseste intérieur»، فقد مثّل امتدادًا بحثيًا وجماليًا لمبحثها الأساسي، إذ اشتغلت فيه على آثار العروض الأدائية بوصفها طبقات حسّية و ذاكرية متراكبة، يتحوّل فيها الأثر من بقايا فعل إلى بنية تشكيلية قائمة بذاتها، تُعيد مساءلة العلاقة بين الجسد الغائب/الحاضر، والمادة، والزمن.
يندرج هذا المعرض ضمن مسار بحثي يتناول الأثر باعتباره نتيجة للفعل الأدائي وفضاءً لإعادة إنتاج المعنى، حيث لا يُنظر إلى الأداء كحدث عابر، بل كفعل مولِّد لآثار مادية وحسّية تستمرّ بعد انقضاء الجسد الحيّ. ومن هذا المنطلق، يتأسّس اشتغالها على الانتقال من الجسد المؤدّي إلى أثره، ومن الحضور الآني إلى الذاكرة البصرية، في محاولة لتوسيع مفهوم العرض الفني من الحدث إلى الامتداد.
على المستوى الأكاديمي، يتركّز مبحثها العام على الجسد الخاص بوصفه وسيطًا حسّيًا ووجوديًا في الممارسة التشكيلية المعاصرة، مع اهتمام خاص بمسألة العرض القياسي، وبحدود التمثيل، وبالعلاقة الجدلية بين الفعل الأدائي وأثره. وقد نشرت مقالات علمية ورقية وإلكترونية تناولت هذه الإشكاليات، مستندة إلى مقاربات فينومينولوجية ونقدية تنطلق من التجربة الذاتية وتُعيد تأويل الجسد والأثر داخل الفضاء الفني.
إلى جانب مسارها الإبداعي والبحثي، تشغل فاطمة الزهراء الحاجي عضوية الهيئة المديرة لمهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية، كما تولّت رئاسة اللجنة الفنية بملتقى الأقصر الدولي للفنون، و لجان تحكيم في مسابقات دولية ووطنية في الرسم مساهمةً في النقاش الجمالي وتنظيم الفعل التشكيلي على المستويين الوطني والدولي.
عبد الرازق عكاشة يكتب:





