أدبشخصيات

معركة جهاد

قصة قصيرة للكاتبة عزة أبو العز

 من مركز دائرة شعرَتْ أن قُطرها يساوي قطر الأرض الكروية، شاهدَتهم بكل بشاعتهم، بجلودهم السوداء الملساء، ووجوههم الخالية من أي سِمَةٍ للرحمة، بأفواهـهـم المفتوحة عن آخرها، تود تمزيق جسدها الضعيف إربًا إربًا.

شعرت جهاد بشلّ حركتها، كمسمار ثُبِّتَ بقوة في لوح خشبي على سريرها الفاخر الفارغ إلا من وسادة غارقة بالدموع والصراعات والمعاناة النفسية.

وكالعادة تفيق على صوتها، المردد لكلمات التوحيد المصحوبة بالدموع، وجسدها يتصبب عرقًا، وملابسها تبدو كمن خرجت للتو من صراع مع بحر هادرٍ، يَعْلُو بها لترى العالَم من فوق موجاته العَاتِيَة، ثم يهبط بها في داخل أحشائه المظلمة، فتحبس أنفاسها، حتى إذا أوْشكت أن تلفظَ أنفاسَها الأخيرة، يعلو بها تارةً أخرى، فتصرخ، وتصرخ، وتصرخ بصوت لاهث متحشرج ينادي: “يا الله”.

تستيقظ واجمة، وتتذكر كلمات أمها، وحوارات طبيبها النفسي؛ فالأم مصرّة -بخبرة وحكايات الجدَّات- على أنّ جهاد قد أصابها مسّ جني، والطبيب يرى ضرورة تغيير نمط حياة جهاد، وإلا ستدخل في مرحلة أسوأ من حالات الاكتئاب والانهيار النفسي. 

وهي وحدها رغم قلة حيلتها، وهزالها الجسدي، الذي غيَّر معالمَها الشكلية، تشعر أنه لا خلاص إلا بخلاصها من ذاك الزوج الطاووسي، الذي سلبها الكثير من سلامها النفسي، وأمانها، وحال بينها وبين كل مَنْ ومَا تحب في الحياة.

وقعت جهاد، الشابة الجامعية، تلك الوردة الناضرة، الذكية، بوداعتها وجمالها وطبعها الهادئ، تحت سيطرة الزوج المهندس الناجح المتأنق، ابن الحسب والنسب والإمكانات المادية، كانت تُحسد من الجميع، لأنها أصبحت في عصمة هذا الشاب الثري، الذي رسم لها -قبل الزواج- صورة حياة وردية من الحب والرومانسية تفوق حياة الأميرات في القصور الملكية، ولكن ما إن دخل بها حتى تبدل الحال، وتوقفت لغة الحوار بينهما، وتبدلت نظراته وأفعاله بتصرفات سادية، ومع مرور الليالي التي لا يحدث فيها سوي شد وجذب وإهانات متكررة من زوج “عاجز”.

بدا لجهاد أنه يعاني من اضطرابات نفسية، وظلت في صراع دائم بين قلب الفتاة المحبة، وعقلية واستفسارات المجتمع المحيط إن طلبت الطلاق بعد مُدة وجيزة. 

وبدأت خطته المحكمة بوضعها في سجنه الذهبي المنمق، والتعامل معها بازدواجية غريبة، فهو أمام الناس نعم الزوج الخلوق المثقف، وبينه وبينها يتحول لشخص، آخر يعشق الوحدة والصمت، ولا يجد متعته إلا في قراءة الكتب الفلسفية، والتسفيه من أي رأي لها، حتى لو كان تفضيل صنف من الطعام على آخر.

كان مُصِرًّا على أن ينال منها وعدًا صريحًا بألا تتركه مهما حدث، واستجابت جهاد بمنتهى السلبية، لتستمر في نزفها الروحي والنفسي والوجداني، حتى تساوت بقطع أثاثه الغالية في شقته الفاخرة، التي تحولت حياتها فيها لسجن بلا أسوار، ظل السجان بداخلها “قسم ووعد” لسنوات طويلة، تشبه النفق المظلم، لا يُستدل له على نقطة ضوء، للخروج من مصير محتوم، تعاملت معه جهاد كنوع من القدر والنصيب. 

وبعد سنوات مريرة من القهر والحرمان وإلغاء الشخصية في معركة جهاد اللاإنسانية، خرجت من معركتها بكابوس دائم، لتلك الذئاب السوداء تمزق جسدها وروحها كل ليلة.

…………………..

من كتاب نَزْفُ الْوَرْدَة (مجموعة قصصية)  للكاتبة عَزّة أَبُو الْعِزّ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى