
يُستَحضَر عيدُ الميلاد في الذاكرة الداخلية للطفولة بوصفه ذكرى مضيئة بخفّة الزغب، وبشفافية ملائكية، وبدوارٍ مبتهجٍ بوجود الحياة، فيُدرَك عيد الميلاد كأسمى خيرٍ في التقويم، يعيشه القلب مع نذرٍ بصون جريانه عبر دوران السنة، حين تنكشف أندر ساعات الرحمة، والطيبة المجانية، والغفران غير المشروط، فتتلاقى الجواهر الإنسانية مع بعضها بعضًا باتفاقٍ صامت، وسط عبق الصنوبر، ووهج الشموع، وتلألؤ البريق، ولحظاتٍ متفلّتةٍ تمرّ كسلسلةٍ حُلُمية، حيث تكون كل نبضة قلب على قياس لحظةٍ كونية، تنتهي إلى فهمٍ هادئٍ بأنّه في هذه الأيام بالذات يُباح ويجب أن نصير أطفالًا — لا بوصف ذلك فقدانًا للنضج، بل عودةً إلى الأصل الأول للثقة، إلى صفاء الإدراك المتحرّر من الحسابات ومن ثقل المعرفة المتراكمة،
لأنّ الميلاد ذاته وعيد الميلاد مرتبطان بصورة الطفل، الذي يتركّز فيه جلال البداية، ولذا فإن الرجوع إلى الحالة الطفولية يصبح مدخلًا إلى فضاء التناسب السماوي، حيث يُقبَل الإنسان بلا شروط، ويُسمَح له بلا عوائق، ويُعرَف بلا كلمات؛
وقد يبدو عيد الميلاد أحيانًا فرصةً نادرة للاقتراب من الجدار الفاصل بين عالمي المرئي وغير المرئي، وحينها يصبح نَفَس الزمن محسوسًا، ويتّسع المكان إلى ما لا حدود له، ويشعر الوعي بذاته صغيرًا، وفي الوقت نفسه مشاركًا في تصميمٍ عظيمٍ لا متناهٍ في الحكمة، لا يعرف الانقسام، بل يقوم على تناغمٍ تحدّده محبة الخالق ورحمته، الذي منح الإنسان زمنًا ومكانًا محدودين لمعرفة ذاته، وللنضج، ولاكتشاف القدرة على أن يكون واعيًا، يقظًا، وأن يصير تلك الخيطَ الثمين الذي يمرّ عبره النور ويُحفَظ، ذلك النور الذي لولاه لانحلّ الكل في الظلمة؛
وفي هذا التماسّ مع عيد الميلاد تتكشّف القيمة الحقيقية للحياة الإنسانية، حيث لا شيء مصادفة، بل كلّ شيء جزء من انسجامٍ عظيم، تندمج فيه الأرضيّة والسماوية، والمحدودية واللانهائية، في حضورٍ واحد، يستطيع فيه كل إنسان أن يكون في آنٍ واحد طفلًا وحارسًا، شاهدًا ومشاركًا في الحكاية الكبرى اللامتناهية، حيث يرتبط ميلاد النور ارتباطًا لا ينفصم بولادة إحساس الإنسان بالانتماء والمسؤولية في داخله، وحيث لا يكون الجواب عن الأسئلة: من أنا؟ ولماذا أنا؟ ولماذا الإنسان؟ ولماذا ليس إلى الأبد؟ ممكنًا إلا عبر هذا الحضور الواعي.



