أحداثأدبجاليريشخصيات

قراءة نفسيَّة- اجتماعيَّة في ماهيَّة (التَّكديس)

[قصة (السِّجَّادة) لـ(روزْ غرَيِّبْ)]

قراءة نفسيَّة- اجتماعيَّة في ماهيَّة (التَّكديس)

[قصة (السِّجَّادة) لـ(روزْ غرَيِّبْ)]

2026-2-2 بيروت

بقلم: د. إيمان بقاعي.  دكتوراه في أدب الأطفال والناشئة

قدمت (رُوزْ غرَيِّبْ) قِصَّة (السّجّادة) التي نُشِرَت في مجموعة (النَّار الخفية). بيروت، بيت الحكمة، ط6: 1996. تربويًّا ونفسيًّا: القِصَّة غير موجهة إلى عمر معين، خالية من اللَّوحات الدَّاخِلية، وتصميم الغلاف بريشة:  رضوان الشَّهال. تربويًّا: تحقق الهواية رضى ذاتيًّا قد لا تحققه الأساسيات. فنيًّا: قِصَّة حوادث اعتمدت على السَّرد الذّاتيّ.

وتصرُّ فيها بطلتها العَجُوز الَّتي تعشق جمع الأمتعة وقطع الأَثَاث على شراء سجادة عجمية هي من الكماليات الَّتي تحتاج (أم جميل)إلى أساسيات قبلها، كتصليح الدَّرج المؤدي إلى الحديقة، و“تركيبةأسنان” بدل أسنانها المكسورة. وتظل المَرْأَة تنتظر الحصول على سجادة بدل الَّتي اشترتها وباعتها لترسل ثمنها لابنها المريض في البرازيل. اجتماعيًّا: تحقق الهواية رضى ذاتيًّا قد لا تحققه الأساسيات.

وقد قدمت (رُوزْ غرَيِّبْ) هذا النّمُوذج النِّسائي المتعلق بأشياء البيت كما في قِصَّة (البيت القديم)، حيث تتحدث الرّاوية عن جدتها الَّتي تشتري قطع المنزل المتينة الَّتي تقاوم الدَّهر.

كما قدمت (إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ) بإعجاب-  على لسان بطلة قِصَّة (سجادة جدتي) التي نُشرتْ في مجموعة (عقد الياسمين). بيروت، دار الإبداع – الحرف الذَّهَبي. ط1: 1999، وقُدِّمَت للسنوات الخامسة والسّادسة والسّابعة، وهي مزينة بلوحة كلاسيكية ملونة بريشة: (تاتيانا جربنايا)، وتهدف إلى أن الموهبة تستمر مع العمر. وهي قص اجتماعية قصية سادت فيها الحوادث وحققت حبكتُها الصّور العضوية المتوازن من خلال السّرد الذّاتي.

 وعمل جدة ربى العَجُوز الَّذي تحول من مَجْمُوعة بقايا خيطان صوفية إلى سجادة لا تقل جمالًا عن سجادة (أم جميل) بطلة قِصَّة (رُوزْ غرَيِّبْ) (السّجّادة)، بل كَانَت هذه السّجّادة أغلى على قلب الحفيدة الَّتي وصفت جدتها بـ “المصممة الفنانة”، وبـ “المميزة”، ما يعني-  اجتماعيًّا-  أن الهوايات تستمر باستمرار الحَيَاة.

تقول قصة (السّجّادة)

ها إنَّ أشعةَ الشَّمسِ تكادُ تغمُر جميعَ السّطيحة المواجهةِ للبحر في منزل “سعدى: أمّ جميل الحدّاد. وها هي صاحبةُ الدّارِ تقفُ بجانب النَّافذة تنتظرُ مرور موزِّع البريدِ،  لعله يأتيها بمكتوبٍ من ابنِها المغترب في “البرازيل” منذ ستِّ سَنَوَات.

ومع أن الابنَ لا يكتب إلا مرتين أو ثلاثًا في السَّنة،  فقد تعودَتْ أن تقفَ هناك كلَّ يومٍ قُبيل الظُّهرِ حين مرور الموزِّعِ.

“إنّه نشيطٌ وطيِّبُ النّفسِ، هذا الموزِّع”، تفكرُ “أم جميل” وهي تصغي إلى خطواتِه الثّقيلةِ على الطَّريق المزفَّتَةِ.

“كل يومٍ يمر من هنا على الوقتِ من غيرِ تأخُّرٍ، وإذا لم يأتِني بمكتوبٍ فليسَ الذّنْب ذنبه”.

ثم تُقْفِلُ النَّافذةَ وتسرعُ إلى المطبخِ لتنهمكَ في إعدادِ غدائها البَسِيط المؤلَّفِ من قطعة لحمٍ مع قليلٍ من الخضار الذي ينتجه بستانُها الوحيدُ القائمُ بجانبِ المنزلِ.

فإذا انْتَهَتْ من عملِها في المطبخِ، وتناولَتْ طعامَها، لم يبقَعليها سوى أن تجلس في غرفتها وتستريح، لأن عشاءها ينحصر في  قليل من الجبن والخبز والزَّيتون، ولا يحتاج إلى تحضيرٍ.

أما البستان، فقد انْتَهَتْ من تعشيبِه وسَقْيِهِ، وسيأتي غدًا أصحابُ الدّكاكين بسلالِهم فتقطف لهم ما بقي هناك من البرتقال واللّيمون الحامض.

الوقت ربيعٌ، وقد أنجزَت نكشَ البستان في الأسبوع الماضي؛ لكنها لا تبخلُ عليه بزيارة كل يو لتقطع هنا غصنًا يابسًا، وهناك عشبةً نابتة في الجدران أو في مساقي الأشجار. لأن هذا البستان مصدر حياتِها، تزرع فيه كل ما تحتاج إليه من خُضرةٍ إلى هنا وصلت في نقل القصة وزهقت

ولأنَّ لأمّ ِجميل فَلْسَفَة تقومُ على أن الأمتعة وقطع الأَثَاث إنما يقتنيها الإِنْسَان ويكدِّسُها في بيتِهِ ليستمتعَ بمنظرِها،  لا ليستعملَها، تراها في “عزيل العِيد”،  تنظِّفُ الخزائنَ والصَّناديق،  فتخرِج منها البُقَجَوالصُّررَ الملونة،  وأكداس الشّراشف والأغطية والحرامات،  وتمسح الغبار داخل الأَثَاث،  ثم تعيد البُقَج والصُّرر والأكداس إلى أماكنِها.

وتلاقي أَشدَّ التَّعبِ عندما تنظف خزانة الصُّحون، لعلوِّها أولًا،  ولكثرة ما عليها تنظيفه وتلميعه من زجاج وفضة ونحاس ورثتْه عن أشخاصٍ كثيرين ماتوا قبلها،  تاركينَ لها هذا الإرث  الَّذي لا تستعمله،  إذ تشرب  بإبريق الفخَّار،   وتنام على شرشف قديم مرقَّع،  وتأكل بأصابعِها لتخبئ الملاعق والشِّوَك الفضيَّة ملفوفة بالأوراق في الأدراج.

وكَانَت أمّ جميل تحبّ- إلى جَانِبِ تكديس الأشياء- جمع المال الَّذي توفره من غلَّة البستان وتقتّره على نفسها منذ خمس سَنَوَات حالمةً بشراء سجادة عجميَّة كبيرة كسجادة جارتها “أنيسة”،  تكسو ردهةفي منزلها،  فتتباهى بها أمام جيرانها،  ويرثُها ابنُها بعد عودتِه من أمريكا،  مخفية مشروعها عن ابنتها الوحيدة “أسماء” التي كَانَت سترفض فكرتها وتدعوها إلى تصليح أسنانها أو خشب الدَّرَج المؤدي إلى الحديقة،  والَّذي يشكل بقاؤه مكسورًا خطرًا جسيمًا عليها. لكنَّ أمّ جميل التي جمعَت ثمنمائة ليرة،  اشترت السّجّادة من بَيْرُوت وفاجأَت زوّار العيد مدّعية أنَّ ابنَها جميل أرسل لها ثمنَها،  مرسلةً له تخبرهعنها،  متمنّية عودَته ليراها،  فأجابَها أنَّه يتمنى العودة إلى الوَطَن،  ولكنَّه مريض ومفلس،  فما كانَ منها إلا أن باعت السّجّادة وأرسلت ثمنَها لابنها،  منتظرة جوابَه الَّذي قال لها فيه إِنَّه تعافى وتحسنت أوضاعه المادّية،  وينوي الزَّواج بفتاة برازيليَّة،  ولا يدري متى يمكنه الرُّجوع إلى الوَطَن.

ومرّت السُّنون،  وانقطعَت مكاتيب الابن من “أمريكا”،  وتهدَّم الدَّرج وتهرَّأت أخشابه،  ولكن.. في زاوية خفيَّة من زوايا البيتِ صرَّة صغيرة تفتحها “أمّ جميل” مرة أو مرتين في الشَّهر لتعدَّ ما فيها من نقود،  وتعاين تضخُّمَها البطيء،  لأَنَّها ما تزال تأْمل بشراء سجادة عجميّة كبيرة كسجادة جارتها “أنيسة”!

كاتبة الاطفال اللبنانية (روز غريّب) بريشة الرسامة اللبنانية غريد مصطفى جحا .
قراءة في فلسفة (التَّكْديس) في قصة (السّجّادة)

أولًا: الفكرة الرئيسة في القصة (التّكديس)

الانتظار الطَّويل يحوِّل الحاجة العاطفية إلى تعلُّق مادي، فيصبح (التَّكْديس) بديلًا عن الحبّ الغائب والأمان المفقود.

(أم جميل) لا تنتظر المال ولا السّجّادة في جوهر الأمر، بل: تنتظر الابن الغائب، تنتظر عودة المعنى إلى حياتها، وتنتظر ما يثبت أنها لم تُنسَ.

ثانيًا: كل ما يدل على قضية (التَّكْديس) في القصة

(التَّكْديس) هنا ليس جشَعًا، بل سلوكٌ تعويضيٌّ نفسيٌّ. ويتجلّى في عدّة مستويات:

(أ)تكديس الأشياء غير المستعملة: خزائن مليئة بالبُقَج والصُّرر، شراشف وأغطية لا تُستعمل، أدوات فضيَّة وزجاج ونحاس ورثتها عن أشخاص كثيرين ماتوا قبلها. ودلالة التَّكديس هنا: الاحتفاظ بما هو ميِّت/غائب بدل الحاضرِ الحيِّ.

(ب)فلسفة التَّكْديس المعلَنة: الأمتعة وقطع الأثاث إنما يقتنيها الإنسان ليستمتعَ بمنظرها، لا ليستعملَها.” وهذا تصريحٌ فكري من بطلة قصة (السِّجّادة) واضح: فالأشياء للعَرْضِ، لا للحياة، والجمال مُجَمَّد، والاستعمال يعني الاستهلاك، وهي تخاف الفَقْدَ. 

(ت)التَّكْديس مقابل التَّقشّف على الذَّات: بطلة قصة (السّجّادة) تشرب بإبريق فخّار، تنام على شرشف مرقَّع، تأكل بأصابعها. والمفارقة: تكدِّسُ النَّفيس، وتعيش بالحد الأدنى، كأنها تحفظ الحياة، لا تعيشُها.

(ث)تكديس المال: تقتِّر على نفسها خمس سنوات، تعدُّ النقود مرارًا، وثمة صرّة مخبَّأة في زاوية خفيَّة. فالمالُ بالنّسبة إليها: ليس للإنفاق، بل: رمز للسَّيطرة، تعويض عن العجز، تأجيل للفرح.

ثالثًا: هل للتَّكديس علاقة بالسّجّادة؟ (نعم، علاقة جوهرية)

السّجّادة هي ذروة التَّكْديس الرمزي: فلا حاجةَ وظيفية لها، وليست للدِّفء، كما ليست للرَّاحة، بل: للزِّينة، للمقارنة مع سجادة الجارة، للتَّباهي، وللورثة بعد الموت: يرثها ابنُها بعد عودته، وهي عودةٌلم تحصل أبدًا.

(رابعًا) المفارقة الكبرى

باعتْ بطلةُ القصَّةِ السّجّادة حين احتاجَ إلى ثمنِها الابنُ، ثم عادت تحلم بشراء أُخرى “عجَميَّة” من جديد، رغم انهيار الدَّرَج وخطرِه عليها. وهذا يكشف أن: التَّكْديس أقوى من العقل، لأنه مرتبط بالأمل لا بالحاجة.

(خامسًا) خلاصة القول:

قضية التَّكْديس في القصة ليست حبًّا بالأشياء، بل خوفًا من الفراغ. والسّجّادة تمثل الحلم المؤجَّل الذي تكدّسه أم جميل بدل أن تعيشه، تمامًا كما تكدّس الرسائل والأدوات والمال، بانتظار ابنٍ قد لا يعود.

إنَّ فلسفة التَّكْديس عند (روزْ غريِّبْ)كما تتجلّى في هذه القصةليست عيبًا سلوكيًّا، ولا طبعًا مادّيًّا، بل موقفًا وجوديًا هادئًا من الخسارة. ويمكن تلخيصها: (أ) المُكدِّس لا يثق بالدَّوام، فيؤجِّل الاستعمال كي يؤجِّل الفقدَ. (ب) (أم جميل) لا تكدِّسُ لأنها تحب الأشياء، بل لأنها: فقدَتْ أشخاصًا، وجرَّبَت الغياب، وتعلَّمَت أن ما يُستعمل يَفنى، وما يُخزَّن يبقى ممكنًا. فالتَّكْديس عندها هو: حفظُالاحتمال، إبقاء الحياة غير مستهلكة“، مقاومة صامتة للزَّمن.

ولذلك، لا تستعمل الأدوات الفضية، لأن الاستعمال اعتراف باللَّحظة، تنظّف الخزائن باستمرار، لأنَّهُ طقسُ سيطرة على الفَقْدِ، تعدُّ النقود، كنوعٍ من طمأنة نفسية لا اقتصادية، تحلم بالسّجّادة حتى بعد بيعها، لأن الحلم نفسَهُ هو الشيء المُكدَّس الحقيقي.

أما السّجّادة، فهي ليست غرضًا، بل: وعدٌ مؤجَّل بالحياة، لا تريد أن تضعَهُ على الأرض للاستخدامِ، بل للعرض فقط من دون السّماح لأحد أن يدوس عليه وذلك كي لا ينتهي.

وهنا تصبح فلسفة (أم جميل) دقيقة ومؤلمة: (أم جميل) لا تعيش الحرمان، بل تعيش تعليقَ الحياة بين ما (كان) وما (قد يكون)، فهي مثل كلِّ المكَدِّسين في العالَم، ليس بالضّرورة أن يكونوا بُخلاءَ، ولا مهووسين بالأشياء، بل غالبًا هم أشخاصٌ يحمونَ أنفسَهم من الخيبةبالتَّكديس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى