
دائماً ما يكون الدخول إلى تونس الخضراء بالنسبة للإنسان العربى المسلم محفوفاً بالمشاعر والأشواق ضارباً بجذوره فى حقائق التاريخ وروعة الاسطورة ..، لذا كان لابد من استئذان سلطان المدينة “سيدى محرز بن خلف” فى الدخول كما يفعل أرباب الذوق والأحوال من السادة الصوفية وبسطاء مدينة تونس والمنطقة المغاربية التى يمثل التصوف الطرقى العمود الفقرى للحياة الروحية فيها ..
ومدينة تونس لها سحر خاص تسكنك قبل أن تسكن فيها؛ عبق التاريخ ورائحة البخور الفة شيوخ يرتدون الجبة ويعتمرون الشاشية بأنواعها ..، وعجائز ملفوفات بالسفسارى الذى يذكرك “بالملاءة اللف” القاهرية. وفي تونس الخضراء نحو 350 مهرجانا لعل أهمها على سبيل المثال لا الحصر “ملتقى المبدعات فى سوسة” و”مهرجان المدينة” الذى يواكب شهر رمضان المعظم ومؤخراً أكتسب مهرجان منطقة “الكاف” ذات الطابع الخاص الصفة الدولية؛ ورغم الصيف الحار إلا أن ذلك الجو الكرنفالى الذى تتميز به تونس فى الصيف ينسيك على الفور حرارة الجو حين تنتقل من مهرجان “الزهراء” إلى مهرجان “بنزرت” الدولى الذى يحتفل هذا العام بدورته الثالثة والعشرين؛ تغادره لتمر على مهرجان “الفلفل” بأحدى المناطق الفلاحية، وتتابع السير إلى سلطان المهرجانات و “مهرجان قرطاج” لكن لابد أن تمر خلال الطريق أولاً على مهرجان “السمك” فى حلق الوادى.
كان الشغل الشاغل لإدارة مهرجان قرطاج الـ 41 فى هذه الدورة كما أعلن مديره الفنان الكبير “رؤوف بن عمر” هو تطويره وتصحيح مساره ليعود كمهرجان ثقافى فى المقام الأول وترفيهى فى المقام الثانى ..؛ وكان الرجل موضوعياً وشديد الواقعية عندما أعتذر سلفاً عن أية ثغرات أو أخطاء قد تقع أو وقعت كنتيجة لتعديل مسار درة المهرجانات التونسية “مهرجان قرطاج”
ومن خلال خمس فضاءات أثرية خصصت لتقديم ما يقرب من مائة عرض للموسيقى والطرب والمسرح والرقص والباليه .. فضلاً عن ندوتين عن المسرح والموسيقى فى الفترة من 9 يوليو إلى 15 أغسطس. قد تكون أهم هذه الفضاءات المسرح الأثرى بقرطاج ذو المدرج الرومانى المهيب الذى يسع ما يربو على العشرة آلاف متفرج والذى قدم عليه 37 عرضا للموسيقى والطرب ( وشيوخ الطرب) والأوبرا والباليه، ومتحف قرطاج الذى يقع على واحدة من أجمل وأعلى ربى قرطاج الأثرية الرائعة لتشاهد مع العروض الموسيقية والغنائية المتميزة أجمل مشهد لتونس العاصمة.
المسرح التونسى والعربى من أين وإلى أين؟ كان عنوان الملتقى المسرحى الذى انتظم تحت أشراف الكاتب التونسى الكبير “عز الدين المدنى” وضم نخبة من الأدباء والنقاد والمسرحيين من تونس ومصر وفلسطين والعراق وسورية ، وقد دار الملتقى حول ثلاثة محاور أولها طموحات الفنانين المسرحيين الشابة وتطلعاتهم النظرية والإبداعية فى الحاضر والمستقبل، وثانيها التجارب المسرحية الماضية وعلاقتها بالحياة الوطنية والتراث والعولمة الثقافية المسرحية العالمية؛ وثالثها المؤسسة المسرحية وأدوارها بين الأمس والغد .. وقد ضمت المشاركات مداخلات هامة للأسعد عبد الله ونجاة فخفاخ وأحمد عامر وحسن المؤذن ومحمد كوكة وفوزية ثابت من تونس؛ والمسرحى الكبير قاسم محمد من العراق، ود/ مارى الياس من فلسطين، ورغدة ماردينى سورية؛ والكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن والفنانة الكبيرة سميرة عبد العزيز وكاتب هذه السطور من مصر.
وقد تحدث الأسعد بن عبد الله مدير “مركز الكاف للفنون الدرامية والركحية” .. عن مشروع المركز الذى بدأ سنة 1967 كفرقة جهوية محترفة مع المسرحى التونسى الكبير “المنصف السويسى”؛ وقد ركز مداخلته فى عدة نقاط أهمها الإرتقاء بمستوى التعبير الجمالى والفكرى فى العمل المسرحى وتنمية الرصيد الدرامى من خلال تنظيم العروض وإقامة التظاهرات الفنية وقد قدم مركز الكاف تجربة جديرة بالمشاهدة لأول مرة وهى 24 ساعة مسرح بلا انقطاع وفى أوقات غير تقليدية، كما ركز على أهمية تكوين الشباب وإعداد البحوث ونشرها ..؛ أما المبدعة التونسية نجاة فخفاخ فشاركت بمداخلة عنوانها مسرح يبحث عن جمهور . في حين قدمت د. مارى الياس، من فلسطين والتى ذكرت فى بداية مداخلتها على أنها لن تتحدث عن واقع المسرح الفلسطينى لأنها تعيش فى سورية وتدرس فى الجامعة هناك منذ فترة طويلة وبالتالى فهى أعرف بالمسرح السورى عن المسرح الفلسطينى، وقد تحدثت عن البنى المسرحية بين الأمس واليوم، وقارنت بين تلك البنى فى مصر وسورية والعراق والتى تبنت فيها تلك الدول النموذج الإشتراكى وبين المسرح التونسى الذى تبنى نماذج مغايرة تأثر فيها بأوروبا الغربية، وركزت مداخلة الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن من مصر على علاقة المؤسسة بالإبداع ودورها وعن أشكال الرقابة التى ربما كانت أحياناً تطوعاً من أبناء الحركة المسرحية ذاتها، أما الفنانة سميرة عبد العزيز فقد تحدثت عن تجربتها مع المسرح فى مصر وتاريخ الفرق التى شاركت فى تأسيسها والجمهور الذى توجهت إليه الثقافة الجماهيرية؛ كما تحدثت عن تجربتها مع “ورش الكتابة المسرحية”، في حين تحدثتُ في ورقتي على ضرورة التعاطى مع ثقافة الآخر والإنفتاح عليها مع تأكيده على التمسك بالثوابت والأصول وخصوصية الفكر العربى والمحافظة عليها؛ وتعرض بإستفاضة لمسرح الشباب وطموحاته قدم فيه نماذج تطبيقية لتجارب ثلاثة من المخرجين الشباب هم “أحمد عبد الجليل” و”جمال ياقوت” و”محمد الخولى” والسمات المميزة لكل منهم.
عشرون عرضاً مسرحياً كان أبرزها “فوتوكوبى” من تأليف “أحمد عامر” ودراماتورجيا وإخراج “الأسعد عبد الله”؛ “المتشعبطون” تأليف على اللواتى وإخراج محمد إدريس؛ و”فيملياستار” تأليف وإخراج المنصف السويسى؛ “لنتكلم بصمت” نص “عز الدين قنون” و”ليلى طوبال” سينوغرافيا وإخراج “عز الدين قنون”، وغيرها من العروض المسرحية التى حملت أسماء عدداً من كبار المبدعين التوانسة.
كان من أكثر العروض المسرحية التى قدمها مهرجان قرطاج تميزاً عرض “زغاريد الهنود الحمر” الذى قدمته فرقة مسرح الأرض التى أسسها الفنان الكبير “نور الدين الورغى” وزوجته الفنانة القديرة “ناجية الورغى”..، كان العرض يقدم بحثاً على المستويين السمعى والإيديولوجى يقابله تطبيق على المستوى البصرى .. وكأنه درس حى فى فنون الأداء والسينوغرافيا، خاصة وأنت تشاهد كيفية التشكيل فى الفراغ المسرحى وعلاقات الجسد بالكتلة على خشبة مسرح سوداء وفارغة تماماً حتى أقصى العمق .. إلا من الممثلات والجثة وآله “الكونترباص” ولفافات النايلون وأشرطة الأفلام مع آلات عرض سينمائى.
فى هذا العرض الذى يجسد الوجه القبيح والمخيف لما أطلق عليه العولمة..، يحكى لنا المؤلف والسينوغرافى والمخرج نور الدين الورغى كيف أستولى الغول على العالم بأسره..، بداية من الهنود الحمر والعبيد السود الذى قام أقتصاده القوى على عرقهم وسواعدهم ودمائهم وحتى ثقافتهم وليس إنتهاء بالعرب الذين أستولى على تراثهم قبل نفطهم..؛ من خلال بحث موسيقى عملى قام به مواكبا لأحداث العرض الفنان “نور الدين الورغى” ربط فيه بين إيقاعات أناشيد الهنود الحمر وموسيقى “البلوز” فى إفريقيا السوداء والأرتام الموسيقية للحضرة عند أرباب التصوف الطرقى..، والمذهل أن الإيقاعات كانت متشابهة إلى درجة التطابق التام..، والمؤسف أن كل هذه الإيقاعات استولى عليها الغول ليؤسس بها موسيقى خاصة ينسبها لنفسه .. أنها ثروة الغير وثقافته أيضاً .. هكذا يقول المخرج من خلال العرض الذى يروى فيه قصة “دار ثقافة” محاصرة وشاعر مقتول بأيدى الغزاة وزوجة وأبنتان لا يستطيعون حتى دفن الأب تحت شجرته الحبيبة التى طالما كان يقرض الشعر تحتها وتمنى الخلود تحت ظلها.



