د. حسين عبد البصير
ليست مكتبة الإسكندرية مجرد مبنى يضم ملايين الكتب، ولا مجرد مؤسسة ثقافية تستضيف المؤتمرات والندوات، بل هي فكرة خالدة عبرت أكثر من ألفي عام، واستطاعت أن تهزم الزمن. إنها رمز لانتصار العقل على الجهل، والمعرفة على الظلام، والحوار على التعصب. ولعل أعظم ما يميز مكتبة الإسكندرية أنها لم تكن يومًا ملكًا لمدينة أو دولة، وإنما كانت وما زالت ملكًا للإنسانية كلها.
حين أسس البطالمة مكتبة الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، لم يكن هدفهم جمع الكتب فحسب، بل إقامة مشروع حضاري غير مسبوق، يجعل من الإسكندرية عاصمة للمعرفة في العالم القديم. كانت السفن القادمة إلى ميناء الإسكندرية تُفتش بحثًا عن المخطوطات، فتُنسخ بعناية ثم تُعاد إلى أصحابها، بينما تحتفظ المكتبة بالنسخ الأصلية أو بأفضل النسخ. كان ذلك إعلانًا مبكرًا بأن المعرفة هي الثروة الحقيقية للأمم.
داخل قاعات المكتبة القديمة لم يكن العلماء مجرد قراء، بل كانوا صناعًا للحضارة. هنا وُضعت أسس علم الجغرافيا، وحُسب محيط الأرض بدقة مذهلة، وتقدمت الرياضيات والفلك والطب والفلسفة والأدب. لم تكن المكتبة مخزنًا للكتب، بل مصنعًا للأفكار التي غيرت تاريخ البشرية.
لكن التاريخ يعلمنا أن الحضارات قد تتعرض للحريق، بينما الأفكار لا تحترق. اختفت المكتبة القديمة عبر قرون من الاضطرابات والصراعات، غير أن أسطورتها بقيت حية في ذاكرة العالم، وأصبحت رمزًا لكل ما فقدته الإنسانية من كنوز العلم.
ثم جاء العصر الحديث ليعيد الحلم إلى الحياة. ففي عام 2002 وُلدت مكتبة الإسكندرية الجديدة على شاطئ البحر المتوسط، في المكان نفسه تقريبًا الذي شهد ميلاد المكتبة القديمة. لم يكن الهدف إعادة بناء الماضي، بل بناء المستقبل. فجاء التصميم المعماري المذهل، الذي يشبه قرص الشمس الصاعد من البحر، ليعلن أن شمس المعرفة لا تغيب.
اليوم أصبحت مكتبة الإسكندرية واحدة من أهم المؤسسات الثقافية والعلمية في العالم. فهي تضم ملايين الكتب، ومتاحف متخصصة، ومراكز بحثية، ومكتبات للأطفال والشباب وذوي الإعاقة البصرية، وقاعات للمعارض والمؤتمرات، ومعامل للترميم والرقمنة، فضلًا عن برامج تعليمية وثقافية تمتد إلى مختلف فئات المجتمع.
لكن القيمة الحقيقية للمكتبة لا تُقاس بعدد الكتب، وإنما بعدد العقول التي تغيرت داخلها. فالكتاب لا يصنع الحضارة وحده، وإنما الإنسان الذي يقرأه ويفكر فيه ويناقشه ويطوره.
ومن منظور عالمي، تؤدي مكتبة الإسكندرية دورًا بالغ الأهمية في الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان. ففي عالم يمتلئ بالصراعات والانقسامات، تقدم المكتبة نموذجًا عمليًا للتعايش الإنساني، حيث يجلس الباحث المصري إلى جوار العالم الياباني، والمؤرخ الفرنسي إلى جانب الأثري الأمريكي، والطالب الإفريقي مع الباحث العربي، يجمعهم جميعًا هدف واحد هو البحث عن الحقيقة.
وأتذكر قصة مؤثرة تعكس هذا الدور. فقد جاء باحث شاب من إحدى دول أمريكا اللاتينية إلى مكتبة الإسكندرية باحثًا عن وثيقة نادرة تتعلق بتاريخ البحر المتوسط. وبعد أيام من البحث، قال: “لم أجد الوثيقة فقط، بل وجدت عالمًا كاملًا لم أكن أعرفه.” كانت تلك الجملة تلخص رسالة المكتبة؛ فهي لا تقدم إجابة عن سؤال واحد، بل تفتح أبواب آلاف الأسئلة الجديدة.
وفي مناسبة أخرى، دخل طفل إلى مكتبة الأطفال وهو يظن أن المكتبة مكان للصمت فقط، لكنه خرج وهو يحلم بأن يصبح عالم آثار بعد أن شاهد آثار مصر القديمة وتعرف إلى قصص الحضارة المصرية. هنا تتجلى المعجزة الحقيقية؛ فالمكتبة لا تحفظ الماضي فقط، بل تصنع المستقبل.
إن الثورة الرقمية غيّرت شكل المعرفة، لكن مكتبة الإسكندرية لم تقف متفرجة. فقد أصبحت من أبرز المؤسسات في مجال الرقمنة، وحفظ التراث الإلكتروني، وإتاحة المعرفة عبر الإنترنت، وتطوير قواعد البيانات والمشروعات الرقمية، لتصل المعرفة إلى كل مكان في العالم.
وربما يكون التحدي الأكبر اليوم ليس نقص المعلومات، بل فيضها. فالعالم يعيش عصرًا يمكن فيه لأي شخص أن يصل إلى ملايين الصفحات بضغطة زر، لكن الوصول إلى الحقيقة أصبح أكثر صعوبة. وهنا يظهر الدور الجديد للمكتبة؛ فهي لم تعد مكانًا لتخزين المعلومات، بل مؤسسة تساعد الإنسان على التمييز بين المعرفة الحقيقية والضجيج الرقمي.
إن مكتبة الإسكندرية الحديثة ليست نسخة من القديمة، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. فالمكتبة القديمة كانت أعظم مشروع علمي في عصرها، والمكتبة الحديثة تسعى لأن تكون أعظم منصة للحوار والإبداع والبحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية.
وفي النهاية، تبقى مكتبة الإسكندرية رسالة قبل أن تكون مبنى، وحلمًا قبل أن تكون مؤسسة، وجسرًا يربط الماضي بالمستقبل. إنها تؤكد أن الحضارات لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى بالكتاب، وبالعلم، وبالعقل الحر.
ولهذا ستظل مكتبة الإسكندرية، قديمًا وحديثًا، منارة ثقافية عظمى، لا يقتصر نورها على مصر أو البحر المتوسط، بل يمتد ليضيء دروب الإنسانية كلها، كما فعلت منذ أكثر من ألفي عام، وكما ستواصل فعل ذلك في القرون القادمة.



