
180 عامًا مرّت على القرار التاريخي لأحد أهم ملوك الدولة الحسينية التونسية، “أحمد باي”، بإلغاء الرقّ والعبودية وكافة أشكال الاتجار بالبشر، حيث أصدر مرسومًا بهذا القرار في 23 يناير “جانفي” 1846، ليسري على كامل الأراضي التونسية وكل ما يخضع لها من أصقاع، وهو ما جعل تونس سبّاقة عربيًا وإفريقيًا، وربما عالميًا، إذ لم تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ بتحريم الرق جزئيًا إلا بداية من 1863.
واحتفالًا بذكرى هذا القرار النبيل، بادرت جمعية فن السطمبالي التونسي بإحياء حفل في القصر السعيد بضاحية باردو، أدخل على القلوب والأجساد الدفء في ليلة شتوية قارسة البرودة.
لماذا الحفاوة السطمبالية؟!
ـ قد يتساءل البعض لماذا بادرت “جمعية السطمبالي والبنڨة” بالاحتفاء بتلك الذكرى النبيلة، لكن لكي نحصل على إجابة شافية ضافية لا بدّ وأن نعرف تاريخ هذا الفن وكيفية دخوله إلى تونس، ليتحوّل من فنّ ذي جذور إفريقية تنتمي إلى إفريقيا السوداء، إلى فن تونسي يعبّر عن التنوع الثقافي والفني في تونس.
الذي يرجع ظهوره إلى علاقاتها القديمة مع إفريقيا السوداء من خلال القوافل التجارية، وهجرات قادمة من بلدان مثل مالي وغانا والنيجر ونيجيريا… إلخ، حاملةً معها ثقافات وفنونًا بدأت في التجذّر شيئًا فشيئًا، خاصة مع ازدهار تجارة العبيد في القرون الماضية.
ومع استقرار الأعراق القادمة من إفريقيا السوداء في تونس توغلت تلك الثقافات والفنون، التي سهّل انتشار بعضها الموسيقات والإيقاعات التي تميّزها وشغف السكان بها.
ففي تونس، على سبيل المثال، تطوّرت واندُمجت فنون مثل “السطمبالي” و”البنڨة” الصاخبة إلى أن أصبحت لها سماتها التونسية المحلية، وأصبحت جزءًا من تراثها اللامادي الذي تطالب “جمعية السطمبالي والبنڨة” وزارةَ الثقافة بالحفاظ عليه وحمايته.
ماهية السطمبالي:
ـ الأصول الإفريقية لموسيقى السطمبالي، والتي استمرّت معها بعد انتقالها من مواطنها الأصلية إلى أوطان جديدة، تؤكد على أنها موسيقى تخاطب الوجدان البشري وتحاول ضبط علاقته بالماورائيات وتنظيمها. ويُقال إن بها روافد وثنية تربطها بعوالم الأرواح والسحر والجان. وبطبيعة الحال، مع انتقالها لأوطان جديدة تعتنق معتقدات أخرى، ويتبنّى بعضها الطرق الصوفية، اختلط الماورائي الوثني بالروحاني الجديد ليشكّل شكلًا من أشكال المعتقد الشعبي بغطاء ديني أيضًا، لكي ينظّم العلاقات بين البشر والعالم الميتافيزيقي بكل ما يتردّد حوله من أرواح وأشباح وشعوذات تدور حول أسياد الجان الذين يتحكّمون في العالم حسب معتقدات البسطاء.
وتقوم فلسفة هذا النوع من الفن الطقوسي، إن جاز التعبير، على أساس التواصل مع العالم “الميتافيزيقي ـ الماورائي” بطرق مختلفة تختلط فيها الشعوذات الوثنية بالروحاني السماوي بكل روافده، وغالبًا ما يرتكز هذا التواصل على فكرة المصالحة أو الخضوع للكائنات الخفية التي تسكن العالم الآخر.
ـ ولم يكن “فن السطمبالي” الذي أصبح تونسيًا ذو أصول إفريقية حالةً وحيدة، بل انتشر هذا النوع من الفن الذي تلعب فيه الإيقاعات دورًا رئيسًا في دول شمال إفريقيا مع اكتسابه خصوصية كل بلد وفد إليها، فنجد فنونًا تشبهه مثل “الزار” في مصر والسودان، و”القناوة” في المغرب.
وبنفس الملابسات والمعطيات تقريبًا، عبر هذا الفن المحيط ليصل إلى دول أمريكا اللاتينية والوسطى المغرمة بالإيقاعات القوية الصاخبة، مع وفود أعداد ضخمة من العبيد المجلوبين من إفريقيا السوداء من أجل الأعمال الشاقة في المستعمرات الجديدة في تلك المناطق آنذاك، حيث عُرف هناك بأسماء مختلفة لعل أشهرها “الماكومبي”.
ـ وجدير بالذكر أن الآلات المستخدمة في هذا الفن في معظم تلك الأماكن ذات روافد وأصول إفريقية، وبالعودة إلى فن “السطمبالي” التونسي نجد آلة “الڨمبري ـ أو الكمبري”، وهي آلة يختلط فيها الوتري بالإيقاع، حيث يُصنع “صدر القصعة” لتلك الآلة من الجلد الحيواني الرقيق، وهي تتشابه كثيرًا مع آلة “الغيمبري” المستخدمة في المغرب، وكذلك آلة “الشقاشق ـ Shaqshaq” المعدنية ذات الصوت القوي التي تصاحب عادة لحظات النشوة والذروة في ذلك الفن الطقوسي، خاصة في تلك الحالة التي يُطلق عليها في تونس “التخمّر أو التخميرة”، حيث تنتاب بعض المشاركين حالات تشبه الإغماء أو الغيبوبة المؤقتة، إذ يصاحبها أحيانًا بعض الهذيان، والتي تتشابه إلى حدّ كبير مع حالات “الوجد ـ سُكر الوجد” عند الصوفية في حال “الكشف” والاقتراب من “مقام الفناء”.
كما يصاحب “السطمبالي” التونسي شخصية شهيرة تُدعى “بوسعدية”، الذي يتنكّر في زيّ حيواني مخيف عادة ما يكون جلد الذئب، خلال رحلة بحثه عن ابنته المختفية في الغابات والصحاري.
ومن الروافد الإفريقية الوثنية القديمة “Animism” التي بقيت مع فن “السطمبالي” في تونس والفنون المشابهة مفردات بلغات إفريقية مثل “الهوسا، والسواحلي، والبمبارا… إلخ”.
ـ ولم تقتصر وظيفة فن “السطمبالي” على كونه فنًا علاجيًا أو طقوسيًا مرتبطًا باحتفالات مثل المولد النبوي الشريف والحضرة والزردة، بل انتقل أيضًا إلى موسيقى “الچاز والروك” في مختلف بلدان العالم بما فيها تونس، حيث عُرف فيها باسم “Stambeli Fusion”.
ـ لم يكن انتقال فن “السطمبالي” في تونس من الزوايا والاحتفالات الطقوسية ليندمج مع فنون موسيقية وإيقاعية أخرى كافيًا للحفاظ على هذا الرافد الهام من روافد التراث اللامادي التونسي الذي يؤكّد ويوثّق عُرى الصلات بين تونس وعمقها الإفريقي، لذا كان تأسيس “جمعية ثقافة السطمبالي والبنڨة” بمثابة تكريس لحماية هذا التراث المهم من الاندثار. ويناضل “رياض الزاوش”، رئيس الجمعية، ورفاقه فيها بمختلف الوسائل وشتى السبل من أجل نشر هذا التراث اللامادي الهام والحفاظ عليه، بالإضافة إلى مناشداتهم لوزارة الثقافة لكي تشمله بالرعاية.
وتتخذ “جمعية ثقافة السطمبالي والبنڨة” من مقام الولي الصالح “سيدي علي الأسمر” بحي “باب الجديد” العريق مقرًا لها، وهو اختيار له دلالة ورمزية عُرفت بها المنطقة وهذا الولي الصالح.



