أحداثأدبإعلام

حين تهتدي البوصلة

عدد جديد من «سلاف» يرصد صعود السرد اليمني إلى قلب المشهد العربي

يأتي العدد الخامس عشر من مجلة «سلاف» الثقافية (يناير 2026) بوصفه شهادة ثقافية ناضجة على لحظة فارقة في المشهد الأدبي اليمني والعربي، لحظة يتقاطع فيها الإبداع مع التاريخ، والكتابة مع الوجع، والرواية مع سؤال المعنى والهوية. في هذا العدد، لا تكتفي المجلة بتقديم مواد ثقافية منوعة، بل ترسم خريطة وعي، وتؤكد دورها كمنصة فاعلة في قراءة التحولات الكبرى التي يشهدها الإبداع اليمني، وفي مقدمته الرواية.

يفتتح العدد رئيس التحرير بلال قايد بافتتاحية وازنة بعنوان «بوصلة»، تضع القارئ مباشرة أمام التحول اللافت في حضور الرواية اليمنية عربياً، مستندة إلى منجزات ملموسة لا إلى شعارات. يقول في الافتتاحية:

«فوز رواية عمى الذاكرة للكاتب اليمني حميد الرقيمي بجائزة كتارا، ورواية هذه ليست حكاية عبده سعيد للروائية اليمنية نادية الكوكباني بجائزة نجيب محفوظفتح المجال للرواية اليمنية كي تحضر وبقوة في المشهد الروائي العربي».

هذا الاقتباس لا يكتفي بالتوثيق، بل يشي بروح العدد كله، حيث تتحول الجائزة من حدث فردي إلى علامة على نضج تيار سردي كامل.

يذهب العدد أبعد من الاحتفاء، ليفكك الظاهرة. فالرواية اليمنية، كما تؤكد الافتتاحية ومواد الملف، لم تعد ترفاً فكرياً أو هامشاً ثقافياً، بل غدت أداة توثيق وشهادة حية على التحولات الاجتماعية، والحرب، والنزوح، والاغتراب، وأسئلة الهوية. وتشير المجلة إلى أن ما بعد 2014 شكّل منعطفاً حاسماً؛ إذ شهدت الرواية اليمنية انفجاراً كمياً وكيفياً غير مسبوق، دفع كتّابها إلى تجريب أشكال سردية جديدة، والابتعاد عن الخطية التقليدية، وتبني تقنيات حديثة في البناء والرؤية.

ويحضر هذا الوعي النقدي في ملف العدد الذي يعود إلى ما سبق أن أنجزته «سلاف» حول “الانفجار الروائي في اليمن”، مستعيداً محاوره الأساسية، من أثر الحرب على السرد، إلى صورة المرأة، وثيمات الاغتراب والهوية. اللافت أن المجلة لا تنظر إلى الحرب بوصفها مأساة فقط، بل ترى – بجرأة – أن من “محاسنها” أنها كسرت عزلة الروائي اليمني، ودفعت نصه لعبور الحدود، خاصة مع دعم دور النشر العربية ووسائل التواصل الاجتماعي.

إلى جانب الملف، يحتفظ العدد بتنوعه المعهود عبر أبوابه الثابتة: من «زاوية مشوشة» لعبير اليوسفي، و

«قصاصات ملونة» لبدر بن عقيل، إلى «بروفايل» و«تأملات» و«ثقافة صحية» و«الموروث الشعبي». كما يزخر العدد بنصوص شعرية وقصصية، وترجمات، ودراسات نقدية، وحوارات، ما يمنح القارئ بانوراما ثقافية متكاملة، تتجاور فيها الأصوات والتجارب.

 

ويقدم مقال «اليمن وطريق الحرير البحري» للدكتور أشرف أبو اليزيد قراءة تاريخية معمقة لشبكات التجارة البحرية التي ربطت الصين بالعالم عبر المحيط الهندي والمحيط الهادئ، مبرزاً الدور المحوري للموانئ العربية، وفي مقدمتها عدن، ضمن هذه المنظومة العالمية المبكرة. يتتبع المقال صعود تجارة الحرير الصيني عبر الفلبين، خاصة جزيرة لوزون ومدينة مانيلا

، حيث أسهم التجار الصينيون المقيمون هناك، بدعم من الإدارة الاستعمارية الإسبانية، في تحويل المدينة إلى سوق عالمية للحرير. كما يوضح دور سفن الغاليون التي نقلت الحرير الصيني إلى المكسيك، ومنها إلى أمريكا اللاتينية، حت

ى بات يشكل نسبة كبرى من وارداتها. ويعود المقال إلى القرن الخامس عشر، حين قادت رحلات الأميرال تشنغ خه مشروعاً حضارياً منظماً للاستكشاف والتباد

ل التجاري، مؤكداً أن هذه الرحلات لم تكن مغامرات عابرة بل تأسيساً لعلاقات اقتصادية وثقافية عابرة للقارات، كان لليمن موقع فاعل فيها.

إدارياً وتحريرياً، يعكس العدد تماسك فريق العمل، من الإشراف العام إلى هيئة التحرير والتصميم والمراجعة اللغوية، وهو ما ينعكس في مستوى مهني واضح، سواء على مستوى الاختيارات أو البناء البصري للمجلة. كما يبرز حرص «سلاف» على فتح أبوابها للكتّاب والباحثين، عبر شروط نشر واضحة، تؤكد سعيها إلى ترسيخ تقاليد عمل ثقافي جاد.

في المحصلة، لا يقدم العدد الخامس عشر من «سلاف» مادة للقراءة فقط، بل يقدم رؤية. رؤية تؤمن بأن الرواية اليمنية لم تصل إلى الجوائز العربية بدافع التعاطف، بل بفضل قوة سردية حقيقية استطاعت تحويل «الألم المحلي» إلى «أدب إنساني». وهنا بالضبط، تستقيم البوصلة، وتؤكد «سلاف» أنها ليست مجرد مجلة شهرية، بل فاعل ثقافي يقرأ اللحظة، ويشارك في صناعتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى