المياه الدافئة: كيف نضيع بهدوء دون أن نشعر

 ليس من السهل أن يكتب الإنسان عن لحظات الالتباس في حياة البشر دون أن يقع في فخ الوعظ أو الشعارات الجاهزة. الأصعب من ذلك أن ينجح الكاتب في تحويل هذه اللحظات المربكة إلى أفكار واضحة، قابلة للفهم، دون أن يفقدها دفئها الإنساني. في كتاب «المياه الدافئة» ينجح المهندس أيمن حويرة في الاقتراب من هذه المنطقة الحساسة بهدوء العارف، لا بعجلة الواعظ، وكأنه يمشي على أرض يعرف تضاريسها لأنه مرّ بها من قبل.

هذا الكتاب لا يقدم نفسه باعتباره دليلًا للنجاح، ولا يعد القارئ بمفاتيح سحرية للإنجاز أو القفز السريع إلى القمة. هو كتاب عن التوقف المؤقت، عن اللحظة التي يقف فيها الإنسان بين ما كانه وما يمكن أن يكونه، دون يقين كامل، ودون حسم نهائي. تلك اللحظة التي لا تكون باردة بما يكفي لتمنح الطمأنينة، ولا ساخنة بما يكفي لفرض القرار، بل دافئة… ومخادعة.

تنبع قوة الكتاب الأساسية من قدرته على تسمية هذه الحالة. فالتسمية هنا ليست تفصيلًا لغويًا، بل فعل وعي. كثيرون مرّوا بهذه المرحلة دون أن يجدوا لها وصفًا دقيقًا، فاختلط عليهم الأمر بين الفشل والتقصير وفقدان الشغف. بينما يضعها أيمن حويرة في إطارها الصحيح: مرحلة إنسانية شائعة، لها أسبابها النفسية والمهنية، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل حين يطول البقاء فيها أكثر مما ينبغي.

يتوقف الكتاب عند واحدة من أكثر لحظات الحياة المهنية حساسية: حين يترك الإنسان ما يحب، أو ما يتقنه، متجهًا إلى مسار أكثر تعقيدًا، ليس بدافع الشغف الحقيقي، بل بدافع إثبات الذات. الرغبة في أن يُنظر إليه باعتباره أكثر جدية أو عمقًا أو قيمة. لا يدين الكاتب هذه المرحلة، ولا يمجدها، بل يعاملها بوصفها تجربة مفهومة، وربما ضرورية أحيانًا، لكنها لا تصلح أن تكون محطة أخيرة.

ما يميّز طرح أيمن حويرة أنه لا يفصل بين القرار المهني والبناء النفسي. فالاختيارات لا تُتخذ في فراغ، بل تتشكل في ظل ضغط المجتمع، وصور النجاح الجاهزة، والخوف من التصنيف أو التكرار. ومن هنا تتجلى بصيرة الكتاب؛ إذ لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى تفكيك أسبابها، وتقديم طريقة أكثر وعيًا لفهم القرارات التي تنشأ داخل هذه المنطقة الرمادية.

استعارة المياه – الباردة والدافئة والساخنة – ليست مجرد حيلة لغوية، بل أداة تفسيرية ذكية. المياه الباردة تمثل البدايات الصافية، حيث يكون الشغف مباشرًا والاختيار فطريًا. والمياه الساخنة تمثل لحظات الحسم التي لا تحتمل التردد. أما المياه الدافئة فهي أخطر المناطق جميعًا: منطقة الراحة القلقة، حيث يختلط الرضا بالشك، والاستقرار بالجمود، والنجاح الظاهري بعدم الاكتمال الداخلي.

يلمح الكتاب، دون تصريح مباشر، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السقوط أو الفشل الواضح، بل في الإقامة الطويلة داخل هذه المنطقة الدافئة. هناك يتعلم الإنسان كيف يبرر بدلًا من أن يقرر، وكيف يتكيّف بدلًا من أن يتغير. ولهذا يشعر القارئ أن الكتاب لا يخاطبه من الخارج، بل يضعه بهدوء أمام مرآة صامتة.

يعتمد الكاتب على أمثلة من الواقع، بعضها رياضي وبعضها حياتي، قد لا يتواصل القارئ مع جميعها بنفس الدرجة، لكن الفكرة المركزية تظل واضحة وقابلة للإسقاط على تجارب إنسانية مختلفة. وربما لو كان الكتاب أطول قليلًا، لاحتوى على تنوع أكبر في الأمثلة وعمق أوسع في النقاش، خاصة في المجالات الإبداعية والفكرية، إلا أن تكثيفه يمنحه إيقاعًا متزنًا لا يثقل على القارئ.

في زمن ازدحمت فيه المكتبات بكتب التنمية الذاتية التي تُكثر من الوعود وتُقلّ من الفهم، يبدو «المياه الدافئة» كتابًا مختلفًا في نبرته ومقصده. لا وصفات جاهزة، ولا خطوات مرقّمة، ولا قصص نجاح مصقولة بعناية. هناك فقط تجربة إنسانية حقيقية، مكتوبة بلغة هادئة، صادرة عن شخص يعرف ما يقول لأنه عاشه قبل أن يكتبه.

«المياه الدافئة» ليس كتابًا عن الوصول، بل عن الوعي بالطريق. ليس عن الإجابات الجاهزة، بل عن طرح الأسئلة الصحيحة. كتاب صغير في حجمه، لكنه واسع في أثره، يذكّرنا بأن أخطر ما قد يواجه الإنسان في حياته المهنية ليس الفشل، بل الاستقرار المربك الذي يمنعه من رؤية نفسه بوضوح.

ننتظر ما يقدمه أيمن حويرة لاحقًا، لا بدافع الفضول فقط، بل لأن هذا النوع من الكتابة الهادئة، الصادقة، غير الادعائية، بات نادرًا، وبحاجة دائمة إلى من يذكّرنا بأن تسمية الأشياء كما هي قد تكون أول وأصدق خطوات التحرر.

  • Related Posts

    With Wole Soyinka

    By Ashraf Aboul-Yazid  I first heard the name Wole Soyinka forty-one years ago, while completing my military service in the Research and Translation Department at a military facility in Egypt.…

    زيتونة تالا … جدلية المسار والذات الطفولية

    طارق العمراوي ها هي قصة ” زيتونة تالا” للقاصة روز اليوسف شعبان  تنضاف كميا وكيفيا  للمدونة الموجهة للطفولة وقد  جابت عبر هذه المدونة العديد من المظاهر الحياتية والتخيلية بهدف  اثراء التجربة البشرية في فصلها الطفولي. و في قصة” زيتونة تالا” كانت  لرسومات الفنانة التشكيلية شيرين الخاني الأثيرالمميز للمتعة البصرية أثناء  القراءة  وقد أمدت عبر لوحاتها  الفنية الطفل القارئ بعديد المعلومات والمعارف  التي ستساهم في فهم القصة وإضافة متعة ثانية مع التة الإبداعية  في الفكرة  واللغة والمسار ومنها الألبسة ومظاهر الفرح  والغضب والسلال التقليدية واعطاء فرصة للأطفال للمشاركة في القطاف. وككل نص فلسطيني يحضر المعجم الطبيعي والبيئي ولأهداف عديدة منها الوصف  والمتعة الإبداعية ثم دعم التوريث كفعل مقاوم ورمزي وأخيرا للتذكير بأهمية هذه الثروات الطبيعية في حياة الفلسطينيين منذ عشرات السنين  ومنها الرياح والشمس ثم الزيتون والكرم والثمار وحديقة البيت وسفح  جبل طرعان وأغصان  الأشجار وجذوعها والحجارة والبرد والأوراق الغضة والورد الجوري. و مما يتقاطع فيه هذا النص مع المدونة السردية الفلسطينية شجرة  الزيتون التي كتبت وتحدثت عنها  العديد من  نصوص الكتاب والشعراء وغيرهم  بل وكانت  موضوعا لعدة لوحات تشكيلية لفناني الأراضي المحتلة  لكن لكل منهم زوايا الطرح والعرض والرسم   . وها هي قصة الكاتبة  التي رافقت الحفيدة حتى  أصبحت جدة كما قال النص في آخره” تردد صدى هذه الأهازيج  الشعبية في الكرم وفي الكروم المجاورة سنوات وسنوات وصارت الجدة تالا تغنيها مع أولادها وأحفادها في مواسم القطاف”. وبين الحفيدة والجدة زمن من الأحداث والمسارات بدأت بزراعة زيتونة مع جدها لتنتهي تحت أشجار الزيتون مع أحفادها . وعندما كانت حفيدة مرت أيضا  هي وزيتونتها بعدة مراحل ولحظات نفسية ووجوديةأولا لأن شجرتها لم تكبر وتنمو  كما تصورة يوم ذهاب العائلة للقطاف ثم داستها الحيوانت مرتين  وما بينهمت داسها الأطفال لتتمكن في الأخير  من حماية ورعاية زيتونتها بعد تجاربها التي  لم تنجح بالحجارة وفروع الأشجار ولكن فكرة السياج الشبكي كانت رائعة وأنهت عندها مأساتها وقلقها  وانزعاجها لأنها تريد أن ترى زيتونتها وبها ثمارها التي يسعدها أن تراها زيتونا فوق الطاولة ا زيتا معصورا في الخوابي والجرار الفخارية. و بين نبتة صغيرة مغروسة ونبتة محمية لحظات قلق بدأت عندما رأتها بعد مدة شجره مائلة عندما قال النص” أمسكت  تالا بيد جدها وسار معا لرؤية شجرتها لكن عندما رأتها جمدت في مكانها “ثم غضبت عندما داس الأطفال على شجرتها وفرحت عندما  شاركها الأطفال في وضع الأحجار حول الشجرة المائلة “ونامت وهي  مطمئنة على شجرتها وتؤمل نفسها أن تراها يوم غد وها هو الجد يمسح  دموعها بعد أن داست عليها الحيوانات مره أخرى لتفرح مرة أخرى  عندما تفطنت لفكرة جديدة إذ نظرت  إلى جدها وقد ارتسمت على خدها الوردي وقالت جدي  وجدت الحل “. لتبقى  هذه اللحظات في الذاكرة وستعاد على مسامع الأحفاد كل سنة عند القطاف مشجعة بدورها الأحفاد على تقليدها وزرع  أشجارهم التي ستكون شاهدة على ماضيهم ومعها يكونون قد تجذروا في التاريخ والأرض ومما  يجب الوقوف عليه لابرازه والحديث عنه التربية الأسرية عبر تشريك الأطفال في القطاف والتحضير لهذا الموسم الفلاحي  الموعود وكل ما تحتاجه العائلة وقد لخصتها القاصة قائلة “في نهاية الأسبوع بدأت الأسرة  تجمع آلات  القطاف : أكياس الخيش والسلم والفيلال والعصي  والدلاء وأطياف القش”. كان فضول الطفلة محطة  هامة لتكتشف معه منطقة خاصة بجبل طرعان عندما قال والدها  إنها أشكال دائرية تشبه الورد الجوري وهذه الظاهرة تميز جبل قريتنا طرعان الذي نسميه” أبو مدور”نسبة إلى  هذه الدوائر”. ثم حضور  الجد الذي أمد حفيدته بنصائح مفيدة و ذهبية كعدم الاستسلام وتجديد  المحاولة والاستمرار  وأن لكن مشكلة حل  مع دفعها  للتفاعل مع الطبيعة التي امدت الإنسان منذ القديم بحلول عدة لمشاكله عندما قال الجد “ولابد أن تفكر في طريقة أخرى لحمايتها  انظري حولك فقد تجدين الحل في الطبيعة”. ولكل مجتمع عاداته وتقاليده  وهنا حدثتنا القاصة عن الأمثال الشعبيةومنها “كل زيت بتناطح الحيط” و” اللي أمه بالبيت إيده بخابية الزيت”  والأنشودة الرمزية” على دلعونا على دلعونا “. إن نص “زيتونة تالا” للدكتورة روز اليوسف شعبان سفر في المكان وحديث عن الذات الطفولية الطموحة وأجواء القطاف  ومرامي شجرة الزيتون ورمزيتها وتوارث الكلام حولها مع فواصل سردية أخرى أثرت المسار والأحداث.  

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *