أدبشخصيات

الكتابة ضد النسيان: الأدب بوصفه مقاومة للزوال

بقلم د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية

بقلم د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية

الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان ليست مجرد فعل ثقافي أو ممارسة فنية، بل هي عمل وجودي، واحتجاج على الطبيعة الزائلة للوجود الإنساني. منذ اللحظة التي ترفع فيها الكلمات صوتها على الورق، تصير شهادة على ما كان وما يمكن أن يكون، إنها محاولة لإيقاف الزمن عند لحظة معينة، لتخليد الوعي في مواجهة انحسار الذاكرة. يقول رولان بارت: “الكتابة هي الموت المؤجل، لكنها موت مؤجل بإيقاع ووعي”، وفي هذا القول يظهر البعد الفلسفي العميق للعمل الأدبي، الكتابة ليست فقط حفظا للوقائع، بل فعل حضور دائم أمام الزوال، وسؤال دائم عن ماهية الذاكرة والموت.

إن الأدب حين يكتب ضد النسيان، فإنه يتجاوز البعد الإخباري أو الحكاية ليصبح مشروعاانطولوجيا، أي مشروعا يتعلق بوجود الإنسان ذاته، لأنه يسائل هذا الوجود في لحظة عابرة يحيط بها خطر التلاشي. وفي هذا السياق، يمكن أن نتذكر مارتن هايدغر الذي ربط بين اللغة والوجود، فالعالم “يظهر” ويصبح موجودا بالكتابة واللغة، وما يمحى من الذاكرة بلا أثر لغوي، يختفي من دائرة الوجود نفسه. الكتابة إذن ليست مجرد نقل، بل هي فعل خلق وإعادة تشكيل للوجود، لأنها تمنح الذاكرة أفقا يمكن أن يتجاوز حدود الذات والموت.

الأدب كما رأى ألبير كامو، هو شكل من أشكال “تمرد الوعي على الزوال”. في مواجهة الزمن الذي يبتلع كل شيء، يصبح النص الأدبي صخرةً على مياه النسيان المتحركة، صدىً صامدا يصر على الاحتفاظ بالمصائر الإنسانية، بالمشاهد، بالمشاعر، وبالأفكار. كل رواية، كل قصيدة، كل مقال، هو شهادة على لحظة لم تعد موجودة إلا بفضل فعل الكتابة. إن لم يكن للكتابة هذا البعد، فإنها ستصبح مجرد لغة فارغة، مجرد حروف تتحرك بلا وزن وجودي، كما لاحظ نيتشه حين كتب: “ما لا يُكتب، كأنه لم يكن”، تأكيدا على أن الفعل الكتابي هو شرط بقاء الذكرى.

وفي هذه المقاومة للنسيان، يتبدى دور الأدب كفعل ثقافي جماعي وفردي في آن واحد. ففي كتاباته يسعى الكاتب لتثبيت تجربة لا تقتصر على الذات، بل على الآخر أيضا، ليصير الماضي جماعيا وشخصيا معا. هنا يتجلى قول إيمانويل ليفيناس: “الآخر هو الذي يجعل من الذاكرة واجبا أخلاقيا”، فالكتابة حين تخلد تجربة إنسانية ما، فإنها لا تحفظها للكاتب وحده، بل للآخر أيضا، كإيمان أخلاقي بأن النسيان قد يكون عدوانا على الإنسانية نفسها. وفي هذا السياق، يصبح الأدب فعلا مقاوما، ليس فقط ضد الزوال الطبيعي للأشياء، بل ضد الزوال الاجتماعي، ضد التلاشي الجماعي للخبرة والمعرفة.

الكتابة ضد النسيان لا تعني محاولة العودة إلى الماضي فحسب، بل هي أيضا مواجهة حاضر مشوش ومجهول. فاللغة التي نصوغ بها نصوصنا هي الوسيلة الأساسية للربط بين الذاكرة والتجربة، بين الذات والعالم، بين ما كان وما ينبغي أن يُحفظ. ولعل هانز جورج غادامر يصف هذه العملية بأنها “أفق التفاهم التاريخي”، إذ أن كل نص أدبي ليس مجرد مرآة لخبرة معينة، بل هو امتداد للذاكرة الإنسانية في إطارها الزمني واللغوي، محاولة لخلق فهم مشترك يربط الحاضر بالماضي.

الأدب المقاوم للنسيان لا يخلو من معضلة جوهرية: كيف يمكن للغة أن تنقل الحقيقة الكاملة للتجربة؟ فاللغة محدودة بطبيعتها، والنسيان جزء من الطبيعة البشرية، والكتابة مجرد محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كما كتبت مارغريت أتوود: “كل كتابة هي محاولة للحفظ، وكل حفظ محكوم بالقصور”. هنا يظهر التوتر المزدوج بين الرغبة في الخلود والوعي بالهشاشة: الكتابة تُخلد، لكنها في الوقت نفسه تدرك محدودية قدرتها على مقاومة الزوال الكامل.

وفي هذا الإطار، يمكن أن نستحضر أيضا قول جان بول سارتر: “الإنسان محكوم عليه بالحرية، لكنه أيضا محكوم عليه بالنسيان”، فالنسيان ليس مجرد خلل في الذاكرة، بل هو فعل وجودي حقيقي، جزء من طبيعة الإنسان في عالمه المحدود. الكتابة إذن، هي محاولة مقاومة هذا الجانب من الحرية: حرية النسيان، التي تعني في النهاية فقدان التواصل مع الذات والتاريخ والمجتمع. الأدب هنا يصبح فعلا استباقيا للزوال، لأنه يحاول أن يخلق وسيلة للاتصال عبر الزمن.

الجانب اللغوي للعمل الأدبي يعكس هذه المقاومة للنسيان بشكل حاد. فاختيار الكلمات، الأسلوب، البنية، الإيقاع، كلها وسائل لضبط الوقت داخل النص، لتثبيت لحظة معينة، لإعطائها ثقلا وجوديا. كما يقول أموس أوز: “كل جملة تُكتب هي محاولة لإبطاء الموت”، فالنصوص تصبح أطرا زمنية، تحفظ الحاضر، وتمنح المستقبل وسيلة للولوج إلى الماضي. وفي هذا السياق، الأدب ليس مجرد نقل للوقائع، بل هو صنع للعالم، لأن اللغة تمنح الأشياء وجودا يفوق ما هو محسوس.

يمكن النظر أيضا إلى الكتابة بوصفها ذاكرة شخصية وجماعية في آن واحد، حيث يتقاطع التاريخ بالخبرة الفردية، والواقع بالخيال. فالكاتب المغربي الطاهر بنجلون على سبيل المثال، يرى أن الأدب هو “التاريخ الذي لم يُكتب بعد”، وهو بذلك يعطي الكتابة بعدا مقاوما للنسيان الجماعي، يحفظ ذاكرة المجتمعات المهددة بالطمس والتجاهل. الأدب يصبح هنا أداة لفعل اجتماعي وفلسفي في الوقت نفسه، لأنه يتحدى محاولات الزوال من خلال إعادة تشكيل الوعي الجماعي.

كما يمكن أن نستحضر دور الشعر في هذا الصدد، فالشعر بما يحمله من إيقاع موسيقي، من رموز متشابكة، ومن تراكيب لغوية متراصة، يصبح أقوى وسيلة لمقاومة النسيان. يقول محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، والكلمة الشعرية تحاول أن تحفظ ما هو جدير بالذكر، فتجعل من التجربة الإنسانية خالدة في صيغها الرمزية والعاطفية، كما لو أن الإيقاع والكلمة معا يخلقان حصنا ضد الفناء.

الكتابة ضد النسيان تتصل أيضا بالذاكرة التاريخية، إذ أن النصوص الأدبية والثقافية تُشكّل سجلا للحضارة وللتجربة الإنسانية، وتُتيح للأجيال القادمة التواصل مع ما مضى. كما يقول هارولد بلوم: “الأدب هو المكان الذي تتلاقى فيه الأجيال”، وبالتالي تصبح الكتابة صرحا ضد الزوال، صرحا للحياة الإنسانية في مواجهة الموت والضياع. إنها ليست مجرد فن، بل مشروع حضاري، مشروع لتثبيت الوعي الجماعي.

في هذا الإطار، يصبح النسيان العدو اللدود للأدب، فالنصوص المكتوبة تحاول مقاومة الانزلاق في العدم، لكن النسيان لا يعني فقط فقدان الأحداث، بل فقدان معنى الأحداث، فقدان الوعي والتجربة. وبهذا تصبح الكتابة مقاومة فلسفية أيضا، لأنها تتحدى الزوال الوجودي والمعرفي، وتخلق مساحة للمعنى وسط الفوضى الزمنية. كما يقول والتر بنيامين: “التاريخ هو حصن من الذاكرة ضد العدم”، والكتابة هي أدوات هذا الحصن، لبناته وكلماته ومبادئه.

الكتابة، كما بدا لنا، ليست مجرد وسيلة للحفظ، بل هي فعل وجودي، مقاومة للنسيان الفردي والجماعي، لكنها في آن واحد مسار للمعنى وإعلان للوجود. وما يستحق الوقوف عنده الآن هو العلاقة الحميمية بين الذات والنسيان، بين الكاتب وتجربة العيش التي يسعى لتخليدها. فالكاتب حين يمسك القلم، لا يمسك الورق وحده، بل يمسك ذاكرته ووعي العالم المحيط به، ويحاول أن يجعل من هذا الفعل أداة لإعادة صياغة ما قد يندثر. إن الكتابة بهذا المعنى ليست نقلا فقط، بل صناعة للوجود في قالب لغوي يسمح بالتماس مع ما هو جوهري في التجربة الإنسانية، ومن هنا يظهر أن الأدب بوصفه مقاومة للزوال، يتجاوز كونه مجرد فن ليصبح فعل إنساني فلسفي.

الكتابة ضد النسيان ترتبط بالذاكرة الذاتية، لكنها تتعداها لتصبح ذاكرة جماعية. فالكاتب الذي يكتب عن لحظاته الخاصة، عن تجربته في مواجهة الألم أو الفرح، عن حبه وخسارته، يجعل من نصه مساحة للآخرين ليشاركوه تجربته، ليشهدوا على لحظة من الزمن، كما يشهد التاريخ على الأحداث. هذا ما يجعل قول الطاهر بنجلون عن الأدب كـ “التاريخ الذي لم يُكتب بعد” عميقا وذو بعد وجودي، لأنه يشير إلى أن الكتابة ليست فعلا انفعاليا أو لحظيا، بل هي إبداع للذاكرة الإنسانية، دفاع ضد الزوال، وإعلان للحضور في عالم سريع الزوال. كل كلمة مكتوبة هي محاولة للحفاظ على التجربة في مواجهة الزمن الذي يسعى دائما إلى إلغائها.

وفي هذا السياق يغدو الأدب، سواء كان شعراً أو رواية أو مقالة فلسفية، ذاكرة مضاعفة: شخصية وجماعية في آن. الشخصية لأنها تحمل تجربة الكاتب، وفعل الكتابة نفسه هو إعلان عن وعيه ومقاومته للزوال، والجماعية لأنها تنقل هذه الخبرة إلى الآخرين، تجعلهم يشاركونها، يعيدون اكتشافها ويستمرون في العناية بها. كما قال إيمانويل ليفيناس: “الآخر هو الذي يجعل من الذاكرة واجبا أخلاقيا”، وهذا القول يضيء البعد الأخلاقي للكتابة، فهي ليست مجرد حفظ للخبرة، بل فعل مقاومة تجاه كل ما يهدد بفقدان الإنسانية، سواء من خلال النسيان الفردي أو الجماعي أو التاريخي. فالنص الأدبي يصبح صرحا، ووسيلة اتصال بين الأجيال، وجسرا بين ما كان وما سيكون.

الكتابة في معركتها ضد النسيان، تستمد قوتها من اللغة، من قدرتها على منح الأشياء وجودا دائما. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة للحفظ، ولخلق معنى يتجاوز الزمن. وهنا يتجلى البعد الفلسفي للكتابة: فاللغة تمنح التجربة أفقا، وتتيح لها أن تصبح حاضرة أمام القارئ والمستقبل، كما لو أنها تقول: “لقد كان هناك شيء يستحق أن يُحفظ”. يقول والتر بنيامين: “التاريخ هو حصن من الذاكرة ضد العدم”، والكتابة هي حجر أساس هذا الحصن، كل جملة وكل كلمة تشكل لبنة في مقاومة الزوال، في مواجهة نسيان العالم والإنسان.

الشعر هنا يأخذ بعدا خاصا، فهو الأداة الأكثر حميمية في هذا الصراع ضد النسيان. الإيقاع، والصور، والرموز، كل ذلك يجعل الكلمة الشعرية أكثر قدرة على البقاء، لأنها لا تحفظ الوقائع فحسب، بل تحفظ المشاعر، الحالة النفسية، الانفعال الإنساني في لحظة محددة. يقول محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”، ويقول في موضع آخر ضمن نصوصه: “الكلمة تبقى حين يغادر كل شيء”. الشعر إذاً ليس مجرد خطاب عاطفي، بل فعل مقاومة لوجودنا، إنه صراع بين النسيان والزمن الذي يبتلع كل شيء، وبين الرغبة في الثبات والخلود الرمزي للكلمة.

ولا يقتصر تأثير الكتابة ضد النسيان على الفرد وحده، بل يمتد إلى المجتمع والتاريخ. ففي كل نص أدبي هناك محاولة لإنقاذ ما قد يندثر: العادات، التقاليد، الصراعات، الحروب، الحب، الألم، كل ما يكوّن الذاكرة المشتركة. فالنصوص الأدبية تصبح سجلاً غير رسمي للتاريخ، وتمنح الأجيال القادمة إمكانية التواصل مع الماضي وفهمه بطرق تتجاوز التواريخ الرسمية والوثائق الجامدة. كما يكتب هارولد بلوم: “الأدب هو المكان الذي تتلاقى فيه الأجيال”، وبذلك تتحقق وظيفة الكتابة كمقاومة للزوال الاجتماعي والثقافي.

التجربة الشخصية للكاتب في مواجهة النسيان ليست مجرد فعل إنساني عابر، بل هي فعل فلسفي بامتياز. فالوعي بالزوال، بالغياب، بالفراغ الذي يتركه الموت، يشكل الخلفية الأساسية لكل نص أدبي. وكلما كان الكاتب أكثر إدراكا للزمن المحدود وللهشاشة الإنسانية، كلما كان نصه أكثر عمقا، أكثر قدرة على الصمود أمام التجاهل والزوال. وكما كتب نيتشه: “ما لا يُكتب، كأنه لم يكن”، وهذا القول يؤكد أن الكتابة ليست رفاهية أو ترفا ثقافيا، بل هي شرط للحضور، ومقاومة للعدم.

وفي هذا الفضاء، يصبح النص الأدبي أكثر من مجرد كلمات على الورق: إنه مشروع وجودي، إعلان عن المقاومة، رسالة للآخرين بأن لحظات الحياة ليست عابرة بالكامل، وأن التجربة الإنسانية لها قيمة تستحق الحفظ. النصوص المكتوبة هي شهادة على حضور الإنسان في العالم على وعيه، على محاولاته لإعطاء معنى لوجوده. وفي هذا السياق، نجد أن الكتابة لا تعالج النسيان فقط، بل تحوله إلى أداة للتأمل والفهم، إلى فعل يسمح للإنسان أن يتجاوز الزمن الفاني، وأن يجعل من تجربته حاضرة للأجيال القادمة.

لكن الكتابة ضد النسيان ليست خالية من التوترات والتحديات. فاللغة محدودة بطبيعتها، والنسيان جزء من الطبيعة البشرية، ولا يمكن الكتابة أن تمنع كل ما يُمحى. هذا الوعي بالقصور يجعل من فعل الكتابة أكثر صدقا وأكثر عمقا، لأنه اعتراف بأن المقاومة ليست مطلقة، وأن الموت والزوال جزء من الواقع. ومع ذلك فإن فعل الكتابة، حتى لو كان محدودا، يحمل قيمة وجودية وفلسفية عظيمة: إنه إعلان عن الحضور، عن القدرة على صناعة أثر، عن رفض أن يبتلع الزمن كل شيء دون أثر.

يغدو العمل الأدبي مقاومة مزدوجة: مقاومة للنسيان الفردي، وللنسيان الجماعي على حد سواء. فالنص يحفظ تجربة الكاتب، ويحفظ تجربة المجتمع، ويخلق فضاءً للآخرين ليشاركوه، ليصبحوا شهودا على الماضي والحاضر في آن. وهذا ما يضفي على الكتابة بعدا أخلاقيا وفلسفيا، ويجعلها أكثر من مجرد فن، بل فعل حياة وصراع ضد الزوال، واحتجاج على النسيان الذي قد يكون عدوانا على الإنسانية نفسها.

ويمكن أن نتأمل أيضا في العلاقة بين التجربة الشخصية والتاريخية في النصوص الأدبية: فالتاريخ الفردي يصبح جزءا من التاريخ الجماعي، والذاكرة الشخصية تصنع ذاكرة المجتمع، والتجربة الفردية تصبح شهادة على ما هو مشترك في الإنسانية. وكما كتب بول ريكور: “الذاكرة هي وسيلة الإنسان للبقاء في التاريخ”، وهنا يظهر دور الكتابة كأداة للحفاظ على التجربة الإنسانية في مواجهة الزمن. النصوص المكتوبة هي جسور بين الأجيال، بين الماضي والحاضر والمستقبل، وهي بذلك تحقق وظيفتها الكبرى: مقاومة الزوال.

الكتابة ضد النسيان إذاً، ليست مجرد واجب ثقافي أو فني، بل هي فعل وجودي شامل، يمس كل جانب من جوانب الإنسان: شعوره بالموت ووعيه بالزمن وتجربته الفردية ومسؤوليته تجاه المجتمع والتاريخ. النص الأدبي يصبح مساحة للتأمل والفهم ولإعادة صياغة المعنى، ولتأكيد الحضور في عالم سريع الزوال. وكل كلمة مكتوبة، وكل نص مكتوب، هو إعلان عن الرغبة في البقاء، عن المقاومة ضد الانقراض الرمزي والتاريخي.

إن الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان هي فعل الإنسان في مواجهته للزمن، للغياب، وللموت. هي محاولة لإعطاء الوجود معنى، ولتثبيت اللحظات الثمينة في مواجهة انزلاقها نحو العدم. النصوص الأدبية هي صروح ذاكرة، جسور بين الأجيال، أدوات للحفاظ على ما هو جدير بالذكر، ومظاهر المقاومة الفلسفية ضد الزوال. إن فعل الكتابة سواء أكان شعراً، أم رواية، أم مقالة، ليس مجرد ممارسة ثقافية، بل مشروع وجودي شامل، إعلان عن الوعي وعمل حياة ومقاومة مستمرة للنسيان. وكل كلمة مكتوبة هي شهادة على الإنسان، على الزمن، وعلى ما يمكن أن يخلده الوعي البشري، لتصبح بذلك الكتابة بلا مبالغة حجر الزاوية في صرح الإنسان ضد الفناء، ووسيلة لتجاوز الزوال، ومسارا للخلود الرمزي والإنساني في آن واحد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى