أحداثأدبشخصيات

حين تتحول السماء إلى مغادرة: قراءة في رواية «سماء مغادرة»

د. حسين عبد البصير

 صدرت رواية «سماء مغادرة» للكاتبة منال رضوان عن دار «الآن ناشرون وموزعون»، وجاءت كعمل سردي يراهن على الداخل الإنساني أكثر مما يراهن على الحكاية الظاهرة. نصٌّ لا يتقدم بالأحداث، بل بالأحوال؛ لا يلاحق الوقائع، بل ينصت إلى ما تتركه الوقائع من شقوق في النفس.
المغادرة في هذا العمل ليست انتقالًا من مكان إلى آخر، بل حركة بطيئة في طبقات الوعي. السماء التي تُغادَر ليست سقفًا جغرافيًا، بل منظومة كاملة من العادات واليقينيات والذكريات التي تحولت من مأوى إلى عبء. هكذا تتبدى الرواية كتمرين على التحرر، لا من الخارج، بل من الداخل أولًا.
اللغة هنا لا تسعى إلى الزخرفة، بل إلى الكشف. جمل قصيرة، إيقاع متوتر أحيانًا، وصمت مقصود بين الأسطر، كأن النص يعرف أن بعض المشاعر لا تُحتمل إذا أُفرغت كاملة على الورق. هذا الاقتصاد اللغوي يمنح الرواية طاقتها، ويجعل القارئ شريكًا في البناء، لا متلقيًا سلبيًا.
المدينة، بما تحمله من مآذن وقباب وجدران قديمة وغرف مغلقة، تتحول إلى كائن حيٍّ يضغط على الذاكرة ويستدعيها. المكان ليس محايدًا، لكنه ليس خصمًا أيضًا. هو ذاكرة جمعية وفردية في آن، يربط الإنسان بجذوره حتى وهو يحاول الفكاك منها. في هذا التوتر بين الانتماء والرغبة في الرحيل تتشكل دراما الرواية الحقيقية.


الحقائب، في حضورها المتكرر، لا تُقرأ بوصفها أشياء للسفر، بل بوصفها استعارات للأثقال النفسية. ما يُحمَل ليس الملابس، بل الأعمار السابقة، العلاقات الناقصة، والخسارات التي لم تجد لغة مناسبة للبكاء. ترتيب الحقائب يصبح محاولة لترتيب الحياة نفسها: ما الذي يستحق أن يستمر؟ وما الذي ينبغي أن يُترك، ولو كان تركه مؤلمًا؟

الشخصية الرئيسية لا تُقدَّم كنموذج بطولي، ولا كصوت احتجاجي مرتفع. هي شخصية هشّة، مترددة، تعرف الخوف كما تعرف الرغبة في الخلاص. قوتها ليست في الحسم، بل في الصدق مع الذات. هذا الاختيار يمنح النص إنسانيته، ويقرّبه من القارئ الذي يرى فيها انعكاسًا لأسئلته المؤجلة.
الرواية لا ترفع شعارات، ولا تنخرط في خطاب مباشر عن الحرية أو القهر. كل شيء يُقال بهدوء، وبثقة في وعي القارئ. الأسئلة تظل مفتوحة، لأن الحياة نفسها لا تمنح نهايات محكمة. المغادرة ليست حلًّا نهائيًا، بل بداية لمسار جديد، غير مضمون، لكنه ضروري.
بهذا المعنى، تضع «سماء مغادرة» نفسها في منطقة السرد التأملي الذي يشتغل على التحول أكثر من الحدث، وعلى الوعي أكثر من المفاجأة. نصٌّ يذكّر بأن أخطر الرحلات تلك التي نقوم بها داخل أنفسنا، وأن السماء، مهما بدت مألوفة، قد تضيق فجأة، فنكتشف أن النجاة تبدأ من الجرأة على المغادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى