
اليوم (5/2/2026) الذكرى السنويّة لرحيل عمر أميرالاي، المخرج السوري الذي شكّل إرثه السينمائي حضورًا بارزًا في تاريخ السينما الوثائقية العربية. ركّز أميرلاي في مشروعه الفني على دراسة معمقة لتقنيات السلطة، انتظام الخطاب الأيديولوجي داخل الحياة اليومية، وحدود السرديات التنموية التي صاغتها الدولة الوطنية السورية في النصف الثاني من القرن العشرين. تبلور هذا المشروع منذ مراحل تكوينه الأولى في باريس خلال ستينيات القرن الماضي، حيث درس المسرح ثم السينما في مرحلة مفصلية شهدت صعود السينما السياسية الفرنسية وانتشار النزعات النقدية المرتبطة بأحداث أيار 1968.
خلال هذه الفترة اطلع على تيارات السينما المقالية والتجريب الوثائقي لدى كريس ماركر وجان روش، وطور مقاربة توجه الكاميرا نحو التحقيق المعرفي والتحليل النقدي للواقع السياسي والاجتماعي، مع التركيز على التفاصيل التي تحكم العلاقات اليومية بين المؤسسات والمجتمع، بما في ذلك توظيف الإيقاع، اللقطة، والبانوراما، في الكشف عن تراكيب السلطة وخطاب الأيديولوجيا ضمن المشهد البصري.
عاد أميرالاي إلى سوريا في مرحلة كانت فيه مشاريع التنمية الكبرى تشغل مركز المخيال السياسي الرسمي، فأنجز سنة 1970 فيلمًا بعنوان ” محاولة عن سد الفرات ” يعرض الفيلم هذا المشروع الصناعي ضمن سردية تقدم قومي تنسجم مع خطاب الدولة في تلك المرحلة، اعتمد الفيلم نقدًا ضمنيًّا من خلال اختيار اللقطات، التكرار البصري، والمونتاج التحليلي لإظهار الفجوة بين الادعاء التنموي والواقع المعيشي للسكان المحليين المتأثرين بالمشروع، فكشفت الصورة ضمن هذه اللغة السينمائية عن تأثير السد على القرى، إعادة تنظيم العمل الزراعي، والتغييرات الاجتماعية، دون الحاجة إلى تعليق صوتي أو مواجهة مباشرة مع السلطة، إن أهمية فيلمه محاولة عن سد الفرات” تكمن في مسار أميرلاي اللاحق وفي الوظيفة التاريخية التي سيؤديها الفيلم عند العودة بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى الموقع نفسه في”طوفان في بلاد البعث “(2003)، حيث أسست تجربته الأولى لتحليل نقدي انتقل من احتفاء بالهندسة الكبرى إلى تفكيك آثار السياسات العامة على الحياة اليومية ،عبر تصوير القرى، المدارس” التعليم الموجّه”، الاجتماعات الحزبية، والاحتفالات الرسمية، مع اعتماد بنية تقوم على مقابلات طويلة، لقطات ثابتة، ومونتاج تحليلي يراكم التناقضات داخل الخطاب المنطوق، دون فرض تعليق خارجي موجّه، ما يسمح بفهم العنف الرمزي حيث تتكرس الهيمنة السياسية عبر اللغة التعليمية، الشعارات، والتنظيمات، في هيئة بديهيات يومية تتشكل داخل التجربة اليومية للمجتمع دون الحاجة إلى فرض الطاعة المباشرة.
ابتداءً من التسعينيات، توسع السرد ليشمل عنصرًا ذاتيًا عبر إدخال صوته الشخصي وذكرياته السياسية الأولى ضمن العمل السينمائي، لا سيما في أعمال تستعيد الطفولة الأيديولوجية أو حواراته الطويلة مع سعد الله ونّوس، ما أتاح مساءلة موقع المثقف ضمن الحقل الثقافي السوري، وحدود المعارضة الرمزية تحت أنظمة رقابية، ما يوضح علاقة الإنتاج الثقافي بالبنى السلطوية المحيطة به، إذ يتناول شروط تشكّل الوعي ذاته، وعلاقة الفرد بتاريخ وسياق شكل بعض مفرداته الأولى ضمن مشروع نقدي لا يكتفي بتوجيه النظر للدولة فقط.
يتسم مشروع عمر أميرالاي بانضباط بصري صارم، إذ تُحافظ الكاميرا على ثباتها في غالبية المشاهد، وتُقنن الحركة داخل الإطار، فيما يُنظّم الإيقاع البصري بوتيرة بطيئة تمنح المشاهد زمناً للتحليل العميق بدل الانجراف خلف استجابة عاطفية سطحية، ويكتسب الصمت، التردد، والارتباك قيمة دلالية مساوية في أثرها للكلام المنطوق. تخضع اللغة المصورة لمنطق التحليل النقدي لا لمنطق الإثارة أو المبالغة، فيما يتجنب المخرج الموسيقى المعلّقة والتعليق الصوتي الإرشادي الذي يفرض قراءة مسبقة، مفضّلًا ترك بنية مفتوحة تنتج معناها من الصراع الداخلي بين العناصر البصرية والصوتية والسردية. هذا الخيار الجمالي يرتبط بأخلاق سينمائية واضحة، إذ يحجم عن تشويه أو تشهير الشخصيات المصوَّرة، ويضعها ضمن شبكة علاقات مؤسساتية وخطابية تسمح بفهم مواقعها ضمن منظومة السلطة الأكبر، ليصبح النقد بنيويًا ومعرفيًا لا مجرد إدانة فردية.
واجهت أعماله عراقيل رقابية واسعة داخل سوريا، شملت المنع الرسمي أو التقنين الصارم للتداول المحلي، في مقابل اهتمام دولي مكثف داخل المهرجانات السينمائية الكبرى والأرشيفات والمؤسسات الثقافية الغربية والعربية المستقلة، حيث قدمت أعماله قراءة متقدمة للسلطة والتنمية والتعليم، فكانت مادة أساسية لفهم تعقيدات الدولة السلطوية في المشرق العربي. تضفي وفاته في شباط 2011 دلالة تاريخية إضافية على مشروعه، إذ وقعت قبيل أسابيع من اندلاع الاحتجاجات السورية، ليبدو أن أفلامه الأخيرة سجّلت تراكمات اجتماعية وسياسية ستظهر لاحقًا في المجال العام.
ماذا لو ظلّ أميرلاي حيًّا بعد إسقاط نظام الأسد، في ظل حلمه وحلمنا الجماعي بالتحرر، وبعد سيطرة هيئة تحرير الشام على مؤسسات الحكم؟ هل كان سيركز في محور عمله السينمائي الجديد على التحول البنيوي للثورة، من نموذج الدولة الوطنية إلى صيغة سلطوية تقوم على هيمنة أيديولوجية متطرفة، تُخضع الحياة اليومية للسوريين في المدارس، أجهزة الأمن، المحاكم، وحتى الفضاءات العام لنموذج حكم متسلّط تستخدم خطاب الأمن والاستقرار لتبرير التضييق على حرية المرأة، ومحاربة المختلفين، وإعادة إنتاج الطاعة داخل المجتمع؟
هل كانت كاميرا أميرلاي ستحلل الفجوة بين الخطاب المتطرف وواقع الناس، لتظهر كيف تأثرت الحياة اليومية في القرى والمدن بتحويل الخطاب الديني المتشدد لقواعد التحكم في البنى الاجتماعية والثقافية. أم كانت ستسلّط الضوء على تغييرات المناهج التعليمية، والتحوير في المصطلحات الاجتماعية والسياسية داخل المؤسسات، والضغط على الأقليات، بما يبرز توظيف الدين لتبرير القمع المادي والمعنوي في الوقت ذاته؟
هل ستكشف عدسته التناقض بين ادعاءات الشرعية الدينية وحقوق الإنسان المعيشية، موضحة كيف تُعاد إنتاج أشكال الهيمنة من خلال التحكم في توزيع الموارد والخدمات، وإقصاء المختلفين، واستغلال الانتماءات الاجتماعية بدلاً من بناء توافق مدني، والأهم ماذا كان سيقول عمر أميرلاي عن المثقف السوري اليوم؟
اليوم (5/2/2026) الذكرى السنويّة لرحيل عمر أميرالاي، المخرج السوري الذي شكّل إرثه السينمائي حضورًا بارزًا في تاريخ السينما الوثائقية العربية. ركّز أميرلاي في مشروعه الفني على دراسة معمقة لتقنيات السلطة، انتظام الخطاب الأيديولوجي داخل الحياة اليومية، وحدود السرديات التنموية التي صاغتها الدولة الوطنية السورية في النصف الثاني من القرن العشرين. تبلور هذا المشروع منذ مراحل تكوينه الأولى في باريس خلال ستينيات القرن الماضي، حيث درس المسرح ثم السينما في مرحلة مفصلية شهدت صعود السينما السياسية الفرنسية وانتشار النزعات النقدية المرتبطة بأحداث أيار 1968.


