أحداثأدبشخصيات

ڤالس الإسكندرية الأخير: حين يكتب الحب مدينة ويشيخ معها

د. حسين عبد البصير

تأتي رواية «أتينيوس.. ڤالس النهاية والبداية» للكاتب الكبير سمير لوبه، الصادرة عن دار إضاءات للنشر والتوزيع بالقاهرة، لتؤكد مكانته كأحد الأصوات الروائية المصرية المعاصرة التي تجمع بين الحس الموسيقي للغة، ورهافة التعبير، وقدرة على استحضار المكان والذاكرة والهوية. سمير لوبه، المولود في الإسكندرية عام 1970 وحاصل على ليسانس آداب قسم اللغة العربية من جامعة الإسكندرية، يكتب القصة والرواية بنبرة تتكئ على تفاصيل الحياة اليومية، ويعتبر الإسكندرية رفيقة قلمه ومصدر إلهامه الدائم.

هذه الرواية ليست مجرد قصة حب تقليدية، بل مرثية مدينة، وسيرة زمنٍ يتبدل بعنف، وحكاية قلوب حاولت أن تحب في لحظةٍ لم تكن تسمح بالحب. الإسكندرية في الخمسينيات والستينيات هنا ليست خلفية ثابتة، بل كائن حيّ، يتنفس الموسيقى ويشيخ بالتحولات، ويحمل في تجاويفه قصص العشاق الذين مرّوا وتركوا أثرهم مثل نغمة لا تختفي بعد انطفاء الصوت.

الرواية تبدأ من الإيقاع نفسه: ڤالس يُعزف مرة واحدة، ثم يتحول إلى استعارة كبرى لبنية النص كله. اختيار «أتينيوس» عنوانًا ومكانًا ليس مصادفة، فالمقهى العتيق الذي كان رمزًا للحياة الثقافية الكوزموبوليتانية في الإسكندرية يتحول هنا إلى مسرح رمزي تُختبر فيه الأحلام، وتنكشف هشاشة الحب أمام الزمن.

سهير وأحمد ليسا مجرد بطلي قصة حب، بل تمثيلان لزمنين يتجاوران ويتصادمان. سهير، ابنة المحامي الشهير فهمي سليم، تمثل عالم الطبقة الوسطى التي تخشى السقوط أكثر مما تحلم بالتحليق. في المقابل، يأتي أحمد الشيمي، ابن تاجر الآلات الموسيقية، العازف الحالم، الذي يرى في الموسيقى خلاصًا داخليًا وفي الحب إمكانية لاكتشاف الذات. العلاقة بينهما تُبنى على الرقة والتردد، لا على التمرد الصاخب، وهذا ما يمنحها صدقها وألمها معًا.

تحسب للرواية قدرتها على تحويل الأبوة إلى محور صراع إنساني عميق. شخصية الأب، فهمي سليم، لا تُقدَّم كخصم نمطي، بل كرجل قلق يحمل ذاكرة زمن سابق، ويشاهد عالمه وهو يتغير على نحو لا يفهمه تمامًا. هذا الصراع بين الأجيال يُكتب بهدوء، بلا أحكام جاهزة، ليكشف كيف يمكن للحب أن يُهزم بالخوف، وليس بالقسوة، وبالرغبة في الحماية التي تتحول إلى قيود.

من أبرز عناصر القوة في رواية سمير لوبه تعدد الأصوات السردية. صوت يني، عازف الكمان اليوناني، يمنح النص بعدًا إنسانيًا وثقافيًا بالغ الثراء، ويعيدنا إلى الإسكندرية المتعددة، المدينة التي كانت تتحدث لغات مختلفة وتعزف ألحانًا شتى. يني ليس مجرد راوٍ، بل شاهد حضاري يعرف أن الموسيقى أصدق من السياسة، وأن المدن حين تفقد تنوعها تفقد روحها. إلى جانبه، تأتي أصوات أخرى، مثل الخادمة ثريا، التي تؤدي دور الشاهد الصامت على التحولات الاجتماعية، وتمنح الرواية عمقها الواقعي والطبقي.

تقنيًا، تعتمد الرواية على نسيج سردي متنوع: يوميات، رسائل، مونولوج داخلي، وشهادات غير مباشرة. هذا التنوع لا يأتي للاستعراض، بل لخدمة فكرة الذاكرة المتكسرة والحنين الذي لا يُقال كاملًا. القارئ يجمع أحداث الرواية كما تُجمع النوتات المتناثرة، ليكتشف في النهاية أن ما لم يُعزف أحيانًا أهم مما عُزف بالفعل.

لغة الرواية أحد مفاتيح جمالها، لغة مشغولة بالإيقاع، أقرب إلى الموسيقى منها إلى التقرير. لا إفراط في الزخرفة، ولا جفاف في السرد، بل توازن دقيق يجعل من كل مشهد لوحة، ومن كل جملة نغمة.

الإسكندرية هنا ليست مجرد فضاء للرواية، بل الأم، والذاكرة، والقبلة، والمرآة، والجرح. المدينة تغرق ببطء كما يغرق الحب، وهذا التوازي بين انكسار المدينة وانكسار العشاق يمنح الرواية عمقًا إنسانيًا كبيرًا.

ورغم أن الرواية ليست سياسية بالمعنى المباشر، إلا أن السياسة تنهش الحكاية من الداخل، فتظهر في تفاصيل الطبقات، والتحولات الاقتصادية، وحتى في الخوف المستتر داخل البيوت والمقاهي.

بعد إنهاء الرواية، يبقى في الصدر شعور يشبه ما بعد سماع قطعة موسيقية مؤثرة: مزيج من الحنين والحزن، من الامتلاء بالذاكرة، ومن إدراك أن الحب والمدينة والزمان مترابطون بطريقة لا تُنسى.

سمير لوبه، من خلال هذه الرواية وأعماله الأخرى مثل مجموعاته القصصية «كواليس..» و«البحر بيضحك ليه..» وروايته السابقة «الوعد والمقسوم..»، يثبت أنه كاتب يجمع بين الحس الموسيقي للغة، ورهافة التعبير، واهتمامه بالتفاصيل اليومية، ليخلق نصوصًا تنبض بالحياة، وتعكس روح الإسكندرية وتاريخها الثقافي والاجتماعي.

«أتينيوس.. ڤالس النهاية والبداية» للكاتب سمير لوبه، الصادرة عن دار إضاءات للنشر والتوزيع بالقاهرة، تذكّرنا بأن الحب، مثل الموسيقى، قد لا يغيّر العالم، لكنه يغيّر من يعيشونه، ويخلد المدينة في ذاكرة من أحبّوها وعايشوها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى