
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتبدّل الوجوه، يقف المصوّر المصري الفنان علاء فريد كشاهِد بصري على لحظات لا تُنسى في فضاء الثقافة والمعرفة. فمن وراء عدسته التي اقتنصت 20 ألف صورة لزوار وزائرات معرض القاهرة الدولي للكتاب، على مدى أسبوعين يطرز الفنان سردا بصريا (فريد) يوثّق تلاقح الفكر مع التعبير، والكتاب مع صاحبه، والفضول مع الشغف.
لقد جعل علاء من صورته أكثر من مجرد لقطة، بل جعلها قصة تحكي نفسها؛ قصة لقاء بين الإنسان والمعرفة، حيث يلتقي القارئ بكتبه المفضّلة تحت قبة المعرض، وتلتقط لعينيه لحظات من الفرح والتأمل والإصرار. في كل وجه زائر، كل ابتسامة، وكل كتاب ممسوك بين الأيدي، ثمة حكاية تُروى—حكاية عن عشق القراءة، وعن هوس الثقافة، وعن حضور الغد المثقف في تفاصيل اليوم.
وقد امتدت رحلة علاء فريد عبر الإنترنت أيضًا، ليشمل التوثيق ليس فقط من خلال الصور، بل عبر اللقاءات والتصريحات والأخبار المتداولة في المنصات الرقمية، كمنهلٍ آخر يروي تجربة المعرض من منظور مرن ومتنوع. هذه الصورة التي يوثقها علاء لا تبقى مجرد تسجيل عابر، بل تصبح أرشيفاً إنسانياً وثقافياً يخلّد لحظات من حياة مجتمع بأسره.
قصص لا تنتهي. تكاد تكون الصورة هدية مجانية في مساحات لا تعرف غير الأسعار اللاهبة – رغم الشتاء. حضرت موقفا تطالب فيه شخصية ظهرت صورتها فيما يبدو بشكل يصنع لها ورطة اجتماعية تقول له: “أرجوك احذف الصورة. ستكون سببا في طلاقي!” قلت له وأنا أحاول أن أجد حلا: لا بد أن تستدعي المأذون مع كل صورة! البعض يوصي بأخفاء الصور وكأنها رحلة لعالم كاميرا خفية.
ذات عام قال لي إن الوشاح الأحمر لن يكون مناسبا. خلعته ونسيته. سلمه إلى صديق لي. بقيت الصورة بلا وشاح. ونام الوشاح للابد في خزانة صديقي!
يحدث أن تصطاد كاميرا الملاعب في المباريات صور شخص وصديقته. وربما تنقل الصورة على الهواء إلى بيت زوجته. سيفوز فريقه الذي سيشجعه ولكنه سيخسر مباراة الزوجية بعد كشف المستور!
في الصباح التالي للصور الملتقطة يمكنك أن تتصفح وجوه هؤلاء الذين عبروا أمام عيون فريق التصوير الذي اختار هذا العام جدارية فرعونية جعلتني احضر العدد الثالث من السلسلة التي أصدرها (أنطولوجيا طريق الحرير) وكانت مخصصة للمصريين القدماء والشعراء المعاصرين. الصدفة جعلتني احمل هذه النسخة تحديدا لضيفة المعرض في أمسياته الشعرية الصديقة سو زو التي جلبت لي نسخة من انطولوجيا نشرت لنا فيها قصيدة. تبادلنا الأنطولوجيتين وحظي كل منا بحضوره في المعرض والصور وعلى صفحات الكتب.
سيجد متصفحي الصور فاصلا بين صوري. تذكرت أن مختاراتي لم تكن بين الكتب المصورة في هذه الإطلالة الثلاثية التي أنصتت لها عدسة الفنان المبدع علاء فريد، راق لي أن أستدعي أغلفةً لا تُرى بوصفها صورًا فحسب، بل بوصفها دلالاتٍ وذاكرة.

هناك غلاف العدد الثالث من أنطولوجيا طريق الحرير (مصريون قدماء، شعراء معاصرون) وقد بدا متناغمًا مع الخلفية التي وسمت صور هذا العام، كما حضرتُ مع غلاف الكتاب الذي احتفينا به في مائدة مستديرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، عروس البحيرة والمشط الذهبي ، للشاعر التتري الأيقوني عبد الله طوقاي.
ويطلّ أيضًا غلاف الملحمة المنتظر صدورها هذا الشهر، ملحمة أوراسيا ، للشاعر الصيني تشاو شوي، إلى جانب غلاف الكتاب الذي جمعتني صفحاته بالفنان الراحل حلمي التوني، ذلك (الشاعر) الذي رسمه منجّمًا، فإذا به اليوم يقيم بين غلافين.
وأخيرًا، مختاراتي الشعرية (قصائد) من دواويني المنشورة وغير المنشورة بين عامي 1989 و2024. إنها صورة للذكرى، أحيّي فيها العدسة والحرف، والأصدقاء، والثقافة.
وهكذا في معرض القاهرة الدولي للكتاب، لا تُقاس الزيارة بعدد الكتب المشتراة وحدها، بل بعدد القصص التي يُسمح لكل وجه أن يرويها. وعلاء فريد، بعدسته الأقرب إلى القلب، يقول لكل من وقفت عدسته أمامه: «صورني شكراً!»—شكراً لحضوركم، شكراً لفضولكم، وشكراً لأنكم جعلتم هذا المعرض لوحة بشرية نابضة بالحياة.
لعلي اتوقف عند منشور شارح ومحبب لي كتبه المصور الفنان:
“البوست الاخير عن المعرض وفوتوبوك لازم يكون مننصيب Ahmed Tatas احمد صلاح
بس قبل ما اقول عن تاتس، أحب اقول عن الصورة دي، دي في أول يوم معرض وتحديدا اول ساعتين، شاحن اللاب توب الماك اتحرق لوحده الساعة ١٠ الصبح، وده اللاب الرئيسي بتاعنا، تخيل مدى الصدمة في أول يوم، وازاي قدرنا نتمالك اعصابنا علشان نقدر نحل الموضوع، طب تخيل الناس دي بمنظرها ده، بعدها بسويعات المفروض يكونوا بيضحكوا في وش الناس، لكن بفضل الله وتوفيقه عدت واشترينا شاحن بسرعة وابتدينا نكمل يومنا. وده جزء بسيط من كواليس يمكن محدش بيشوف منها كتير.
انا بس حبيت أقول عن تاتس كلمتين:
– تاتس هو الشريك المؤسس ل أيزو معايا يمتلك ٥٠٪ من اسهم الشركة وانا اديته١٪ من نصيبي علشان انا جدع.
– تاتس هو اشطر مصور محترف وغير محترف ومن غيره مفيش أيزو.
– اكتر حد بيطمني وبيأكدلي دايما اننا هننجح في عز ما مفيش أمل.
– كان مسؤول لوحده عن تعديل اكتر من ٢٠ ألف صورة طوال فترة المعرض بدون كلل أو ملل.
– مفيش فكرة أو نقطة بتحصل في أيزو إلا وهو مشارك فيها او هي فكرته بالكامل.
– أحمد مش مجرد زميل عمل، أحمد اخ عشرة ٣٠ سنة (منهم ١٥ سنة مش بنكلم بعض ومتخانقين بسبب الشغل)
– أحمد دايما خلف الكاميرات وخلف الكواليس ومش بيحب الظهور وده لأنه تقيل وكاريزما جدا.
لولا تاتس… ما كانت أيزو… “
هذه الرحلة المستمرة في توثيق المبدعين وكتبهم ليست مجرد مشروع فني، بل رسالة اجتماعية وثقافية؛ رسالة تثبت أن الصورة قادرة على أن تكون جسرًا بين المعرفة والوجدان، وأن كل زائر للكتاب هو جدارية معرفة يضيف إلى المشهد الحضاري ملامح لا تُمحى.
د. أشرف أبو اليزيد
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتبدّل الوجوه، يقف المصوّر المصري الفنان علاء فريد كشاهِد بصري على لحظات لا تُنسى في فضاء الثقافة والمعرفة. فمن وراء عدسته التي اقتنصت 20 ألف صورة لزوار وزائرات معرض القاهرة الدولي للكتاب، على مدى أسبوعين يطرز الفنان سردا بصريا (فريد) يوثّق تلاقح الفكر مع التعبير، والكتاب مع صاحبه، والفضول مع الشغف.



