

في زمنٍ تتكاثر فيه الكتب كما تتكاثر الضَّوضاء، يجيء كتاب «ثمار العمر» لا ليضيفَ صوتًا جديدًا إلى الجَلَبة، بل ليقترحَ نبرة هادئة، أقرب إلى حديث أبٍ مُجَرِّب أو شيخٍ عاش طويلًا وتأمّل أكثر. ليس هو كتاب تنظير، ولا سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هو حصادٌ إنسانيّ من الحكم والقصص والوقائع والمواقف، اختارها مؤلِّفه الباحث محمود هاني أبو عاصي بعينٍ تميل إلى العِبرة، وقلبٍ يميلُ إلى الإصلاح.
حِكمةٌ تمشي على مَهَل
منذ المُقدّمة يضعُنا الكاتب أمام تصوّر واضح: العمر ليس عدد سنوات، بل مَسيرة تُزْرَعُ فيها القِيَم وتُقطف منها الحكمة. هذه العبارة ليست افتتاحًا بل مِفتاحَ قِراءة. فالكتاب مبنيٌّ على مجموعة نصوص قصيرة، أكثر القصص لا تتجاوز الصَّفحة، وبعضها تصل إلى صفحتين، ما يُعتَبرُ ميزة في عصرٍ لم يعد الإنسان يتحمّس لقراءة صفحات كثيرة ليصل إلى المُراد. ووراء كل قصة مجموعة من الحِكم والعِبَر، لا ترتبط بالقصة مباشرة، بل تنقله إلى مواضيع أُخرى وتحمل لك أهدافًا مختلفة، وكأنّ مؤلّف الكتاب يتماشى مع روح العصر والتكنولوجيا وصفحات التواصل الاجتماعي، فأنت تنتقل من موضوع إلى آخر لا رابط بينهما، ما يُبعدُ المَلل عنك، ويُعطيك أكبر قدر من المعلومات.
في صفحاته تتجاور:
- قصص تاريخية (هند والحجّاج، سقراط، نابوليون…)
- مواقف وعِبَر لأعلام (آينشتاين، غاندي، تشرشل…)
- آيات قرآنية وتأملات إيمانية كـ (سورة العصر)
- حِكَم عربيّة وأجنبية
- خواطر تربوية واجتماعية
هذا التنويع لا يأتي اعتباطًا، بل يوحي بأن المؤلف يريد أن يقول إن الحكمة لا جنسية لها، وأن التجربة الإنسانية – مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة – تتقاطعُ في جوهرها.
أهمية الاختيارات: من التسلية إلى التهذيب
أهمية الكتاب لا تكمن في جدة القصص بقدر ما تكمن في زاوية عرضها. فالمؤلف لا يكتفي بسرد حكاية معروفة، بل يعيد توظيفَها في سياق تربوي وأخلاقي واضح. قصة “خيانة النفس” – ذلك الرَّجل الذي بنى بيتًا بإهمال فكان من نصيبه – تتحوّل إلى درس في الإتقان والضمير، وقصة “سوء الظن” تصير مرآةً قاسية لاندفاع الأحكام، أما قصة “مسامير وعِبر” فهي تعلّمكَ أن لا ترتكب الخطأ بحقِّ غيرِك، لأنك ولو اعتذرت لن يَزول أثر الجرح.
إنّ الاختيارات تؤدي وظيفة مزدوجة: إحياء الذاكرة الأخلاقيّة وتذكير القارئ بما يعرفه لكنه نسيه، وإعادة ترتيب الأولويات: الوقت، الصَّمت، الحوار، الصّدق، العمل، الوطن.
ولعلّ أجمل ما في هذه الاختيارات أنّها لا تُقَدَّم بِرُوح الواعظ المُتعالي، بل بروح مَنْ جَرّب الخطأ قبل أن يكتب عن الصَّواب… هناك نبرة اعتراف غير مباشر بأنّ الحياة تعلّمنا عبر الألم أكثر مما تعلّمنا عبر النّصائح.
أقوال المشاهير من كل العالم هي جسور بين ثقافات: من اللافت في الكتاب كثافة الاستشهاد بأقوال أعلام من ثقافات مختلفة: من التراث العربي كابن خلدون، والجاحظ، والإمام علي، وعمر بن الخطاب، وابن المُقفّع، إلى مفكرين غربيين كفولتير ودوستويفسكي وبرنارد شو، وصولًا إلى شخصيات حديثة مثل آينشتاين وغاندي وتشرشل.
هذا التَّنوع ليس استعراضًا ثقافيًا، بل محاولة لبناء جسر بين الحكمة العربية والإنسانية العامة. حين يُورد الكاتب قولًا لابن خلدون عن فساد العمران، ثم يجاوره بحكمة لفولتير عن الضَّمير، فإنه يخلقُ حوارًا عابرًا للقرون.
واللافت أيضًا أنه في بعض الأحيان لا يكتفي بنقلِ القول، بل يضعُه في سياق قصصي أو تأمّلي يجعلُه حيًّا، لا مجرَّد سطر محفوظ؛ فالحكمة هنا ليست زينة لغويّة، بل حجر أساس في بناء الفكرة.
تدخل الكاتب: حين يعترض على الرواية
من أكثر ما يمنح الكتاب حيويته أن مؤلِّفه لا يتعامل مع النصوص والشَّخصيات بروح التلقّي السلبي، ففي بعض المواضع يتدخل صراحةً لِيُخالف رأيًا أو يصحّح انطباعًا.
في حديثه عن المقولة المنسوبة إلى تشرشل بشأن الشعوب، هو لا يمرُّ عليها مرورًا عابرًا، بل يفكّكها ويناقشها، ويعترض على التَّعميم، ويُعيد الاعتبار لشعوب أُلْصِقَتْ بها صفات قاسية؛ هنا يتحوَّل الكاتب من ناقل إلى محاور، ومن جامع حِكَم إلى صاحب موقف.
هذا التدخل مهمّ لأنه يكسر رتابة السَّرد، ويمنحُ القارئ شعورًا بأنه أمام عقل يفكر، لا دفتر اقتباسات، وهو أيضًا دليل على أن الكتاب لا يُقَدِّسُ النّصوص، بل يُخْضِعُها لِميزان العدالة والإنصاف.
بين القصة والموعظة: توازن دقيق
يقتربُ الكتاب أحيانًا من الأدب الوعظي، خاصة في الفصول ذات الطابع الدَّعْويّ، لكنّه يتفادى الوقوع في المباشرة الثقيلة عبر القصة، فالقصة تليّن الموعظة، وتمنحها جسدًا إنسانيًّا.
قصة الرسالة إلى الأب بعد الخصام، أو قصة الشّيخ الذي اختار القاضي ابنه شيخًا، أو قصة الخيَّاط الذي ظُلم بظنّ الناس… كلّها نصوص قصيرة لكنّها مشحونةٌ بعاطفة واضحة، كأن الكاتب يريدُ أن يعيد الاعتبار لمشاعر باتت تُسْتَبْدَلُ اليوم بسرعة الردود الرَّقْميّة.
الكتاب كمرآة اجتماعية:
يمكن قراءة “ثمار العمر” بوصفه نقدًا اجتماعيًّا هادئًا. هناك قلق واضح من:
- تفشي التعصب.
- شيوع العنف اللَّفظي والفكري.
- ضياع الوقت.
- تقديس الجهل.
- اختلال العلاقة بين الإنسان ووطنه.
لكن هذا النقد لا يُقَدَّمُ بصيغة هجاء، بل بصيغة دعاء وأمل؛ الكاتب لا يجلدُ المجتمع، بل يُناشِدُه، لا يصرخُ، بل يهمسُ بإلحاح.
أخيرًا… ثمارٌ تُقطف ببطء
“ثمار العمر” كتاب لا يُقْرَأُ دفعةً واحدة، بل يُقرأ على مهلٍ، كمن يقلبُ ألبومَ ذِكريات أو دفتر ملاحظات قديم. قد لا يُدهشك بأسلوب بلاغيٍّ مُعَقَّد، لكنه يُلامسك ببساطته، ويُعيدُك إلى أسئلة أولى: ماذا زرعتَ في عُمرك؟ ماذا سيبقى منك بَعْدَك؟ هل عِشْتَ كما ينبغي أم كما اتَّفَق؟
هو كتاب يصلحُ أن يكونَ رَفيقَ جلساتٍ هادئة، أو مادّة نِقاشٍ في حلقة ثقافيّة، أو هدية تحمل معنى لا ثمنًا.
وفي النهاية، قد تختلف مع بعض آرائه، أو تتوقف عند بعض مُبالغاته، لكنك ستجدُ نفسك – ولو في صفحة واحدة – أمام جملة تُشْبِهُكَ، وحين يحدثُ ذلك، تُدْرِكُ أنَّ الثَّمرةَ قد نَضجت فعلًا.



