
تتكشّف مجموعة مارجريتا آل الشعرية بوصفها تأمّلًا غنائيًا في الوعي واللغة، وفي الحدّ الهشّ الفاصل بين الأسر والتعالي. منذ القصيدة الأولى يدخل القارئ فضاءً تتلاقى فيه الأنفاس والكلمات والصور. الصوت الشعري لا يكتفي بسرد التجربة، بل يُجسّدها ويُحييها. تتحرّك سطورها كما لو كانت شهيقًا وزفيرًا—إيقاعًا عضويًا يعكس اضطراب الداخل وتوق الروح إلى المعنى.
من أبرز سمات الكتاب مناخه الميتافيزيقي. تكتب مارجريتا آل من حالات وعيٍ متوهّجة: فالشاي طقس، والحديث انكشاف، والصمت عمارة تُشيَّد في الخفاء. في قصائد تتمحور حول جلسات الشاي أو اللقاءات الحميمة، يتحوّل العادي إلى احتفال، ويُرفع اليومي إلى مستوى تبادلٍ كونيّ. بهذه التقنية تنتمي الشاعرة إلى تقليدٍ يرى المقدّس في تفاصيل الحياة، لكنها تمارسه بحساسية معاصرة واضحة.
تتكرّر ثيمة الأسر والتحرّر بإلحاحٍ لافت. المتكلمة تنتقل «من أسرٍ إلى أسر»، في إشارة إلى أن الحرية ليست مطلقة، بل انتقالٌ دائم. تسكن القصائد العتبات: بين الكلمة والصمت، الأنا والآخر، الوطن والمنفى، الذاكرة والإحساس الآني. هذا التوتّر يولّد كثافة عاطفية دون أن ينزلق إلى اليأس. بل إن الشاعرة تتعامل مع الأسر بوصفه شرطًا مفارقًا للإبداع—حيّزًا مغلقًا يُولّد الصدى.
لغويًا، تميل كتابتها إلى التكثيف والإنشاد. تتدفّق الجمل في سلاسل أشبه بالأنفاس، تتراكم فيها العبارات بدل أن تنغلق. ينشأ بذلك إحساس بالاستمرارية، كأن القصيدة تقاوم النهاية. لا تعوّل على البنية السردية التقليدية؛ بل يتكوّن المعنى عبر التكرار، وأصداء الصوت، وتراكب الصور. الكلمات تحترق، الأعوام تنكشف، الساعات تقترب—ويغدو الزمن كائنًا حيًا. كثيرًا ما تُشخْصِن الشاعرة المجردات، فتجعل الزمن والذاكرة والحنين محسوسة الملمس.
قوةٌ مركزية في المجموعة تكمن في بعدها الحسيّ. النفس، والغبار، وحبوب اللقاح، والعلوّ، والدفء—ليست زينة بل عناصر بنائية. انتباه الشاعرة للإحساس الجسدي يؤسّس تأملاتها الفلسفية. لا يواجه القارئ تجريدًا صرفًا؛ بل يلمس ملمس الهواء، وحرارة القول، وقرب حضورٍ آخر. هذا التجسيد يحفظ للشعر قابليته للتواصل حتى حين يتّسع أفقه المفهومي.
كما يحدّد التفاعل بين الحميمي والكوني أثر الكتاب. فضمير «أنتِ/أنتَ» يتعدّد معناه: قد يكون الحبيب، أو القارئ، أو الوطن، أو اللغة ذاتها. هذا الالتباس مقصود وخصب، يسمح للنص بالتأرجح بين الاعتراف الشخصي والدعاء الجماعي. الأنا الغنائية لا تنغلق على نفسها؛ تبقى مسامية، باحثة عن حوار.
بنيويًا، تتماسك المجموعة عبر عودة الصور لا عبر تقدّم خطي. ثنائية العلوّ والهاوية تصنع محورًا عموديًا يعكس سعي المتكلمة الروحي. ثمة إحساس بالانحناء على حافةٍ ما، وبالتوجّه نحو مجهولٍ واسع. ومع هشاشة الموقف تأتي الصلابة؛ فالقصائد لا تُؤدّي مشهد الانهيار، بل مشهد الاقتراب.

بعدٌ آخر مهم هو صداها التناصيّ. مع أن صوتها مستقل، فإن أصداء الحداثة الروسية والغنائية الصوفية تتردّد في الخلفية. تستحضر نبرة شعراء رأوا في اللغة جرحًا ودواءً معًا. غير أنّ مارجريتا آل تتجنّب المحاكاة؛ معجمها نقيّ، واستعاراتها مباشرة. لا تعتمد على رمزيةٍ مثقلة، بل تبني ثقلها الرمزي تدريجيًا عبر السياق والتكرار.
عاطفيًا، يعمل الكتاب بطاقةٍ داخلية لا استعراضية. لا بيانات كبرى ولا خطابات سياسية صريحة. الدراما كامنة، تكاد تكون مجهرية. غير أن هذا الاقتصاد يُكثّف الأثر؛ فالصمت ذاته يصبح مشحونًا. يشعر القارئ بأن تحت كل صورة تيارًا من الشوق—شوقًا إلى الوصل، وإلى الصفاء، وإلى الخلاص من التفتّت.
قد يرى بعض القرّاء في كثافة النص تحدّيًا؛ فغياب المراسي السردية يستلزم قراءة يقِظة. وربما يُراد انتقالٌ أوضح بين المقاطع. لكن هذه الكثافة هي فضيلة الكتاب؛ إنها تدعو إلى إعادة القراءة، حيث تكشف العودة علاقاتٍ جديدة وتحولاتٍ نغمية أعمق.
في المحصلة، تقدّم مارجريتا آل رحلة تأملية لا بيانًا تقريريا. تُقرّ بقدرة اللغة على التحويل دون أن تُؤلّهها. الكلمات قد تحرق، والقول قد يجرح؛ ومع ذلك يظلّ النطق ضرورة. الكتابة هنا هشاشةٌ ومقاومة في آن.
تقف المجموعة تأمّلًا في الحضور—في أن تكون كاملًا في اللحظة، وأنت مدركٌ هشاشتها. تسأل: ماذا يعني أن نتنفس داخل اللغة؟ أن نسكن الزمن دون أن نستسلم له؟ عبر تفاصيل حسّية وتأملٍ ميتافيزيقي ودقّةٍ وجدانية، تصوغ الشاعرة فضاءً شعريًا حميميًا ومتسعًا معًا.
في هذا الفضاء، لا يكون القارئ شاهدًا فحسب، بل شريكًا في طقس المعنى. لا تنغلق القصائد بخاتمة نهائية؛ بل تظلّ ترنّ، كأثر الشاي في الحلق أو دفء صوتٍ عالقٍ في الذاكرة. ذلك الصدى هو إنجاز هذا الكتاب الباقي: يحوّل القراءة إلى لقاء، واللقاء إلى تحوّلٍ هادئ.
د. أشرف أبو اليزيد
الأمين العام، مؤتمر الصحفيين الأفارقة (CAJ)
تتكشّف مجموعة مارجريتا آل الشعرية بوصفها تأمّلًا غنائيًا في الوعي واللغة، وفي الحدّ الهشّ الفاصل بين الأسر والتعالي. منذ القصيدة الأولى يدخل القارئ فضاءً تتلاقى فيه الأنفاس والكلمات والصور. الصوت الشعري لا يكتفي بسرد التجربة، بل يُجسّدها ويُحييها. تتحرّك سطورها كما لو كانت شهيقًا وزفيرًا—إيقاعًا عضويًا يعكس اضطراب الداخل وتوق الروح إلى المعنى.


