
تتقدّم الذات في الأدب بوصفها أكثر المفاهيم التباسا وأشدّها مراوغة؛ فهي ليست موضوعا يُتناول من خارج، بل هي عين النظر وأداة القول وموضع السؤال في آنٍ واحد. وحين نقرأ تاريخ السرد والشعر، نكتشف أنّ صورة الإنسان فيه لم تكن يوما بريئة من تصوّر مخصوص للأنا: مرةً جوهرا متماسكا يطمئن إلى مركزه، ومرةً روحا درامية تمتحنها التجربة لكنها تظل قابلة للالتئام. غير أنّ الأفق المعاصر جاء ليقلب هذه الطمأنينة وليضع الهوية في مهبّ ارتجاف عميق، حيث لم يعد الانقسام عارضا على الذات، بل صار بنيتها الخفية.
لقد تعرّضت الأنا الحديثة لامتحان قاسٍ مع انهيار اليقينيات الكبرى، ومع تفكك السرديات الشاملة التي كانت تمنح الإنسان موضعا ثابتا في العالم. فالفكر الذي بدأ مع تشكيك فريدريك نيتشه في وحدة الوعي، وتعمّق مع كشف سيغموند فرويد عن انقسام النفس بين ظاهر وباطن، وانتهى إلى مساءلات جاك دريدا حول استقرار المعنى ذاته، لم يترك للذات ملاذا نهائيا تستند إليه. اللغة التي كانت تُظنّ مرآة صافية للهوية، انكشفت عن كونها شبكة من الاختلافات، تنتج الأنا بقدر ما تشتتها.
في هذا المناخ، لم يعد الأدب مرآة تعكس ذاتا مكتملة، بل صار فضاءً تتجلى فيه هشاشتها، وتنكشف عبره طبقاتها المتراكبة. الشخصية الروائية لم تعد كيانا واحد الصوت، بل حقلا تتجاور فيه ضمائر متعددة؛ والقصيدة لم تعد نشيدا لذات متعالية، بل صدى لأصوات تتقاطع داخل المتكلم. كأن النص المعاصر يعلن في صمته البليغ، أنّ الهوية ليست وحدة صلبة، بل فسيفساء من الإمكانات، وأن الإنسان لا يُختزل في “أنا” واحدة، بل يسكنه جمعٌ متنافر، تتنازع فيه الرغبات والذكريات والصور.
من هنا ينبثق السؤال الذي يؤطر هذا المقال، كيف انتقلت الذات في الأدب المعاصر من مركزٍ يدّعي الاكتمال إلى شظايا تعترف بتعددها؟ وكيف تحوّل التشظي من علامة أزمة إلى أفق جمالي وفلسفي، يكشف عن عمق التجربة الإنسانية بدل أن يعلن انهيارها؟ إنّ تتبّع هذا التحوّل لا يعني رصد تقنيات سردية فحسب، بل مساءلة تصور الإنسان لنفسه، وهو يتأمل صورته في مرآة مكسورة، فيرى في كل شظية وجها ممكنا، وفي كل انقسام إمكانية جديدة للمعنى.
ولم تعد الذات في الأدب المعاصر جوهرا مطمئنا إلى وحدته، ولا مركزا صلبا تنتظم حوله التجربة، بل غدت فضاءً متشظيا تتقاطع فيه الأصوات وتتعارض فيه الرغبات وتتناسل داخله الهويات كما تتناسل المرايا في دهليز لا قرار له. لقد كان القرن التاسع عشر لا يزال يراهن في عمومه على صورة للذات قابلة للتماسك، ذات عمق داخلي يمكن سبر غوره، كما نجد عند دوستويفسكي في الجريمة والعقاب، حيث يتنازع راسكولنيكوف بين فكرةٍ أخلاقية متعالية وإحساسٍ وجودي بالذنب، لكنه يظل في النهاية ذاتا واحدة تمزقها أزمة، لا ذواتا متعددة بلا مركز. غير أن تحولات الحداثة، الفلسفية والعلمية والاجتماعية، سرعان ما أزاحت هذا التصور، لتكشف عن بنية ذاتية تتخلخل من الداخل، وتفقد يقينها الميتافيزيقي.

لقد أعلن فريدريك نيتشه أن “الذات ليست سوى فرضية نحوية”، وأن “الفكر يأتي حين يريد هو لا حين أريد أنا”، فهدم بذلك الأساس الكوجيتوي الذي شيده ديكارت. فإذا كان ديكارت قد أقام الأنا على يقين “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فإن نيتشه زعزع هذه البداهة، مبيّنا أن “الأنا” ليست سوى أثر لغوي، وأن تعدد الدوافع والرغبات هو الأصل لا الوحدة. بهذا المعنى لم تعد الذات مركزا حاكما، بل ملتقى قوى، أو كما سيقول لاحقا ميشيل فوكو، “ليست الذات معطى، بل تُنتَج داخل شبكة من الخطابات”.
هذا التحول الفلسفي وجد صداه العميق في الأدب المعاصر، حيث انكسرت الصورة الكلاسيكية للشخصية، ولم تعد الحكاية مسارا خطيا لنمو ذات متماسكة، بل غدت مختبرا لتفكيك الهوية وتشريح التمزق واستنطاق التعدد. في رواية البحث عن الزمن المفقود لـ مارسيل بروست، لا نجد ذاتا ثابتة، بل طبقات زمنية تتراكب، وذكريات تعيد تشكيل الأنا في كل استدعاء. إن “الأنا” هنا ليست نقطة ثابتة في الزمن، بل أثرٌ يتغير بتغير الذاكرة. فالذات كما تتجلى في تجربة بروست ليست جوهرا، بل حركة دائمة بين ما كان وما يُستعاد، بين الحاضر وصداه.
وقد تعمق هذا التصدع في تجربة فرانتس كافكا، حيث تتحول الذات إلى كائن غريب عن نفسه، مطرود من مركزه، كما في المسخ. إن غريغور سامسا لا يفقد جسده فحسب، بل يفقد موقعه الرمزي داخل الأسرة والمجتمع. إنه “أنا” تستيقظ لتجد نفسها أخرى، بلا وساطة، بلا تفسير. هنا تبلغ الشظية ذروتها: الذات ليست متعددة فحسب، بل منقطعة عن أي إمكانية للتماسك. وقد كتب كافكا في يومياته: “أنا قفص يبحث عن طائر”، عبارة تختزل مأساة ذات تبحث عن معنى فلا تجد إلا فراغا.
في سياق موازٍ، انخرط فرناندو بيسوا في مشروع أكثر جذرية لتفكيك الأنا، حين ابتكر “الهيتيرونيمات”، أي شخصيات شعرية كاملة ببيوغرافيات وأساليب متمايزة. لم يعد الشاعر يتكلم بصوت واحد، بل بأصوات متعددة، لكل منها رؤيتها للعالم. يقول بيسوا: “أنا لست شيئا. لن أكون شيئا. لا أستطيع أن أريد أن أكون شيئا. لكن لديّ فيّ كل أحلام العالم”. هذه العبارة لا تعبر عن أزمة ذاتية فحسب، بل عن تصور جديد للهوية بوصفها فسيفساء من الإمكانات المتجاورة. إن الأنا هنا ليست مركزا، بل ساحة.
وقد تنبّه جان بول سارتر إلى هذا التمزق حين اعتبر أن “الإنسان مشروع” وأنه ليس ما هو عليه، بل ما يصير إليه. غير أن هذا المشروع ليس سعيا نحو وحدة مطمئنة، بل انفتاح على قلق دائم، على حرية تؤرق الذات بدل أن تطمئنها. في الغثيان، تتفتت الأنا أمام عبث الوجود، وتتحول الأشياء إلى كتل كثيفة تفضح هشاشة المعنى. الذات هنا ليست مركزا عارفا، بل نقطة ارتجاف في عالم لا يمنحها سندا.
إن الأدب المعاصر في عمومه لم يكتف بتصوير هذا التمزق، بل جعله بنية سردية. لقد ألغت الرواية الحديثة الراوي العليم، واستعاضت عنه بأصوات متجاورة، متعارضة أحيانا كما في أعمال وليام فوكنر، حيث تتناوب الضمائر ويتكسر الزمن وتفقد الحكاية خطيتها. إن تعدد الأصوات ليس تقنية فنية فحسب، بل تعبير عن تعدد الذات نفسها. فالهوية لم تعد معطى بسيطا، بل شبكة من التمثلات، أو كما سيقول بول ريكور: “الذات تُفهم من خلال السرد”، والسرد بطبيعته قابل لإعادة الكتابة.
وقد أسهم التحليل النفسي في تعميق هذا الوعي بتعدد الذات. حين كشف سيغموند فرويد عن اللاوعي، لم يعد الأنا سيد بيته، بل مجرد قشرة رقيقة تعوم فوق أعماق مضطربة. لقد قال فرويد: “الأنا ليس سيدا في بيته”، ففتح بذلك المجال أمام أدب يستكشف المناطق المعتمة في النفس. ولم يعد التوتر بين الأنا والآخر خارجيا فحسب، بل داخليا أيضا، بين رغبة مكبوتة وصورة اجتماعية مفروضة. وهكذا تحولت الذات إلى حقل صراع.
وفي السياق العربي، ترددت أصداء هذا التعدد في تجارب روائية وشعرية عميقة. ففي أعمال نجيب محفوظ، خاصة في أولاد حارتنا، تتوزع الذات بين الرمز والأسطورة والتاريخ، ويغدو الفرد حاملا لتناقضات الجماعة. أما في شعر أدونيس، فتتبدى الذات ككيان لغوي متحول، “أنا آخر”، كما يردد في نصوصه، حيث تتقاطع الأنا مع الأسطورة ومع الذاكرة الجمعية ومع القطيعة.
إن الانتقال من الأنا إلى الشظايا لا يعني انعدام المعنى، بل تحوله. لقد كانت الذات الكلاسيكية تبحث عن وحدة مطلقة، عن تطابق بين الداخل والخارج، بين القول والكينونة. أما الذات المعاصرة فتعيش في منطقة بينية، بين حضور وغياب، بين صوت وصدى. إنها ذات تعرف هشاشتها، وتكتب من داخل هذا الوعي. وقد عبّر صمويل بيكيت عن ذلك بعبارته الشهيرة: “لا شيء يحدث، لا أحد يأتي، لا أحد يذهب”. إنها جملة تختزل فراغا وجوديا، لكنها أيضا تكشف عن ذات تعي هذا الفراغ وتحوّله إلى لغة.
إن الأدب المعاصر لم يعد يسرد قصة الذات بل يحفر في طبقاتها، ويكشف عن تشققها الداخلي. ولم تعد الشخصية مركزا تدور حوله الأحداث، بل أصبحت هي نفسها حدثا، مسرحا لتنازع القوى، وفضاءً لتقاطع الخطابات. وإذا كان رولان بارت قد أعلن “موت المؤلف”، فإن هذا الإعلان لا يعني إلغاء الذات، بل تفكيك مركزيتها، وتحويلها إلى أثر نصي، إلى شظية داخل شبكة دلالية أوسع.
ويغدو الأدب المعاصر مختبرا فلسفيا بامتياز، حيث تُختبر مفاهيم الهوية والاختلاف والذاكرة والرغبة. إن الذات لم تعد معطى ميتافيزيقيا، بل بناءً لغويا وتاريخيا، يتشكل داخل النص كما يتشكل داخل العالم. والانتقال من الأنا إلى الشظايا ليس سقوطا في العدم، بل عبورا نحو فهم أكثر تعقيدا للإنسان، بوصفه كائنا متعدّدا، متوترا، غير مكتمل. لقد كتب ألبير كامو: “الصراع نفسه يكفي لملء قلب الإنسان”. وربما كان هذا الصراع بما يحمله من تشظ وتعدد، هو ما يمنح الأدب المعاصر عمقه وكثافته.
إن الذات المتعددة ليست عرضا عابرا في تاريخ الأدب، بل هي تعبير عن تحولات عميقة في تصور الإنسان لنفسه. فكلما انكسرت المرايا القديمة، ظهرت شظايا جديدة تعكس صورا متجاورة، متعارضة أحيانا، لكنها جميعا تنتمي إلى كيان واحد لم يعد يدّعي الوحدة. في هذا التوتر الخلاق بين الأنا وشظاياها يكتب الأدب المعاصر نصّه، ويعيد تعريف الإنسان، لا بوصفه جوهرا مكتملا، بل بوصفه سؤالا مفتوحا.
إذا كانت الذات في طورها الكلاسيكي قد سكنت مركزا مفترضا للوعي، فإن الأدب المعاصر جعلها تسكن الهامش، لا بوصفه نقصا، بل بوصفه شرطا للرؤية. لقد صار الانشطار طريقة في الإدراك، وصار التعدد شكلا من أشكال الصدق. فالحقيقة لم تعد ما يُقال من موقع عالٍ، بل ما يُلتقط من زوايا متكسّرة، من أصوات متداخلة، ومن سرديات جزئية تتجاور دون أن تذوب في كلٍّ كليّ.
إنّ التحول الذي أصاب مفهوم الذات في القرن العشرين لم يكن تحوّلا أدبيا فحسب، بل كان نتيجة زلزال معرفي شامل. فقد بيّن جاك لاكان أن الأنا تتشكل في “مرحلة المرآة”، حيث يتماهى الطفل مع صورة خارجية تمنحه وهم الوحدة. غير أن هذه الوحدة في نظره خادعة، لأن الذات منذ البداية منقسمة بين صورة متخيلة وبنية رمزية تتحكم فيها اللغة. وهكذا تغدو الهوية بناءً لغويا، لا معطى طبيعيا. الأدب بوصفه اشتغالا على اللغة، لم يكن سوى المسرح الأوسع لظهور هذا الانقسام.
لقد أدرك الروائيون والشعراء أن اللغة ليست أداة شفافة تنقل ذاتا سابقة عليها، بل هي التي تُنشئ هذه الذات. يقول موريس بلانشو إن “الكتابة هي تجربة الغياب”، وإن الكاتب يفقد ذاته كلما كتب. هذه الفكرة تجد صداها في تجارب روائية تجعل من السرد عملية محو مستمر للأنا. في اللعبة الكبرى لـ خوليو كورتاثر، تتكسر البنية الروائية نفسها، وتُتاح للقارئ إمكانات متعددة للقراءة، كأن النص يعكس تعدد الذات التي تكتبه. ولم يعد السرد طريقا واحدا، بل شبكة احتمالات.
هذا التعدد السردي يقابله تعدد في المنظور الوجودي. لقد كتب ميلان كونديرا في فن الرواية أن الرواية هي “استكشاف لوجود الإنسان كما هو ممكن”، وأن كل شخصية تمثل تجربة وجودية خاصة لا تختزل في حكم أخلاقي. وهنا تغدو الذات احتمالا لا يقينا؛ تجربة، لا تعريفا. إن الشخصية الروائية ليست قناعا يخفي جوهرا ثابتا، بل هي فضاء اختبار لتوترات الإنسان.
وقد بلغ تفكيك الأنا حدا راديكاليا في الكتابة التي تقترب من تخوم العبث. في مسرح يوجين يونسكو، تتحول اللغة إلى ركام من العبارات المتكررة، وتفقد الشخصيات ملامحها الفردية، كأنها شظايا خطاب لا يمتلك مركزا. إن العبث هنا ليس إنكارا للمعنى، بل كشف عن هشاشته. الذات التي تتكلم لا تجد أرضا تستقر عليها، فتتفتت في لغتها.
ولعل ما يميز الأدب المعاصر هو هذا الوعي بأن الهوية ليست معطى فرديا صرفا، بل هي نتاج تاريخي وسياسي وثقافي. لقد بيّن إدوارد سعيد أن الهوية تتشكل في علاقة مع الآخر، وأن “الشرق” مثلا ليس حقيقة جوهرية، بل بناءً خطابيا. هذا الفهم النقدي انعكس في الأدب الذي يعالج قضايا المنفى والهجرة والازدواج الثقافي. الذات المهاجرة ليست ذاتا منقسمة بين مكانين فحسب، بل بين سرديتين، بين لغتين، بين ذاكرتين. إنها ذات تتعلم العيش في التعدد، لا باعتباره أزمة فقط، بل باعتباره أفقا.
في الرواية العربية المعاصرة، يتجلى هذا الوعي في أعمال تُعنى بالمنفى الداخلي والخارجي. في ذاكرة الجسد لـ أحلام مستغانمي تتشظى الذات بين حبٍّ فردي وذاكرة وطنية، بين جرح شخصي وتاريخ جماعي. اللغة نفسها تصبح مسرحا لهذا الانقسام، إذ تتقاطع فيها نبرة العاشق بنبرة المؤرخ، في بنية سردية تجعل من الأنا ملتقى لخطابات متعددة.
أما في تجربة عبد الرحمن منيف خاصة في مدن الملح، فإن الذات الفردية تكاد تذوب في تحولات اجتماعية كبرى، حيث يغدو الفرد شاهدا على انهيار عالم وبروز آخر. هنا لا تتشظى الذات من الداخل فقط، بل من الخارج أيضا، بفعل قوى اقتصادية وسياسية تعيد تشكيل الوعي. إن الأنا في سياقنا هذا ليست مركزا، بل نقطة تقاطع بين التاريخ والذاكرة.
إن هذا التعدد لا يقتصر على الرواية، بل يتجلى بوضوح في الشعر الحديث، حيث تتعدد الأصوات داخل النص الواحد. في قصائد محمود درويش، نجد الأنا تتكلم بضمير فردي، ثم تنقلب إلى ضمير جمعي، ثم تعود لتتأمل ذاتها من مسافة. يقول درويش: “أنا من هناك، ولي ذكريات”. هذه الجملة في بساطتها تحمل انقساما بين مكان وذاكرة، بين حضور وغياب. الذات هنا ليست هوية مغلقة، بل علاقة دائمة بين أنا و”هناك”.
لقد أصبح التفكك جزءا من جمالية النص المعاصر. لم يعد التماسك قيمة مطلقة، بل صار التصدع نفسه عنصرا بنائيا. إن الرواية التي تتعمد كسر التسلسل الزمني أو اعتماد تيار الوعي أو تعدد الرواة، إنما تعكس تصورا فلسفيا للذات بوصفها عملية مستمرة من التشكل. في تيار الوعي كما عند فرجينيا وولف، تنساب الأفكار دون ترتيب منطقي صارم، كأن النص يلتقط حركة الوعي في عفويتها. الذات هنا لا تُقدَّم ككيان مكتمل، بل كجريان.
غير أن هذا التشظي لا يعني بالضرورة انعدام المسؤولية أو تلاشي المعنى الأخلاقي. لقد نبه إيمانويل ليفيناس إلى أن الذات تتأسس في علاقتها بالآخر، وأن “الوجه” يستدعي مسؤولية لا يمكن التنصل منها. في ضوء هذا التصور، أمكننا أن نفهم الأدب المعاصر بوصفه بحثا عن أخلاق جديدة للذات المتعددة، أخلاق تقوم على الاعتراف بالتعدد لا على قمعه، وعلى الإصغاء للأصوات المهمشة لا على إسكاتها.
إن الانتقال من الأنا إلى الشظايا لا يفضي إلى العدم، بل إلى شكل جديد من الوحدة، وحدة لا تقوم على التطابق، بل على الحوار الداخلي. الشظايا ليست قطعا متناثرة بلا رابط، بل أجزاء تعكس توترا خلاقا. وكما أن المرآة المكسورة تعكس وجوها متعددة للصورة الواحدة، فإن الذات المتعددة تعكس أبعادا متجاورة للإنسان. الوحدة هنا ليست سابقة على التعدد، بل ناتجة عنه.
لقد كتب هرمان هسه في ذئب البراري أن الإنسان ليس واحدا، بل “مئة نفس وألف نفس”، وأن اختزال الذات في صورة واحدة هو عنف ضد تعقيدها. هذه الرؤية تلتقي مع روح الأدب المعاصر الذي يرفض الاختزال ويحتفي بالتعقيد. إن الاعتراف بالتعدد ليس علامة ضعف، بل علامة وعي.
ويمكن النظر إلى الشظايا هنا بوصفها استعارة مركزية للذات المعاصرة. الشظية ليست الكل، لكنها تحمل أثره. إنها جزء منفصل، لكنه لا يفقد علاقته بالأصل. الأدب الذي يشتغل على الشظايا لا يعلن نهاية الإنسان، بل يعيد التفكير فيه خارج القوالب الجامدة. إنه يمنح الصوت لما هو هامشي ولما هو مكسور ولما هو غير مكتمل.
إن الذات المتعددة ليست مرحلة عابرة في تاريخ الأدب، بل هي أفق مستمر. ما دام الإنسان يعيش في عالم متغير، تتقاطع فيه الهويات والثقافات والتقنيات، فإن الأنا ستظل معرضة للتشظي. غير أن هذا التشظي يمكن أن يكون مصدر ثراء، لا مصدر انهيار. الأدب المعاصر في جوهره دعوة إلى قبول هذا التعدد، إلى الإصغاء إلى الأصوات المتداخلة في داخلنا، إلى الاعتراف بأن الإنسان ليس معادلة بسيطة، بل نسيج معقد من الرغبات والذكريات والخطابات.
إن الذات التي خرجت من يقينها القديم لم تسقط في فراغ مطلق، بل دخلت في حوار دائم مع نفسها ومع العالم. لقد فقدت مركزها الصلب، لكنها اكتسبت قدرة على النظر إلى ذاتها من زوايا متعددة. وهذا الوعي مهما بدا قلقا، هو ما يمنح الأدب المعاصر عمقه الفلسفي وطاقته الجمالية. فالإنسان في نهاية المطاف ليس وحدة منغلقة، بل سؤال مفتوح؛ وليس جوهرا مكتملا، بل مشروعا يتشكل في كل لحظة، بين الأنا وشظاياها.



