
تصلنا نسخة مارس 2026 من مجلة CAJ الدولية في لحظة فارقة بالنسبة للصحافة والقيادة والتعبير الثقافي في أفريقيا. عبر أربعة عشر محورًا تمتد من السياسة والأدب والتعليم والفلسفة إلى الصحة الإنجابية والمسرح والجغرافيا السياسية العالمية، تتردد رسالة واحدة بوضوح: لم تعد أفريقيا تقبل أن تُروى قصتها بأقلام الآخرين، بل تكتب سرديتها بنفسها.
في صدارة هذا العدد يقف النائب محمد إبراهيم معلمو، الحاصل على جائزة القادة والرواد الأفارقة المرموقين لعام 2026. إن انتقاله من عالم الصحافة إلى القيادة الوطنية في الصومال يجسّد الجسر الذي ينبغي لقارتنا أن تعززه بين صناعة الحقيقة وصناعة القرار. فعندما يصبح الصحفي مشرّعًا دون أن يتخلى عن التزامه بالشفافية والمساءلة، تترسخ الديمقراطية. مسيرة معلمو تذكرنا بأن الصحافة ليست مهنة مراقبة من بعيد، بل رسالة لبناء الأوطان.
ويتردد صدى هذه الرؤية في حوارنا مع الدكتور أشرف أبو اليزيد، الأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة، الذي يدعو إلى انتقال أفريقيا من موقع التأثر إلى موقع التأثير. فالصحافة، كما يؤكد، ليست مجرد تسجيل للأحداث، بل هي عدالة تتحرك، وصياغة للذاكرة الجماعية، وصون للحرية. وإذا أرادت أفريقيا استعادة سيادتها الفكرية، فعلى غرفة الأخبار أن تكون بقدر أهمية قاعات البرلمانات.
ويعزز رئيس مجلس الأمناء مايكل أديبويي هذا التوجه، إذ يذكّر بأن مؤتمر الصحفيين الأفارقة وُلد من الحاجة إلى صوت إعلامي أفريقي موحد، مهني وأخلاقي وقاري الهوية. وفي زمن التلاعب الخوارزمي وحروب المعلومات، لم تعد وحدة الصحفيين الأفارقة خيارًا رمزيًا، بل ضرورة وجودية.
غير أن القيادة لا تقتصر على السياسة والإعلام. ففي إثيوبيا، يبرهن جيزاهاغن مامو كيف يمكن للاستدامة أن تعيد تعريف سلاسل القيمة الاقتصادية في أفريقيا. فالقهوة، التي طالما صُدّرت كمادة خام، تتحول على يديه إلى قصة عن الحفاظ على الحياة البرية والابتكار والكرامة. إنه تأثير يتجاوز الفنجان.
وعبر الحدود، تتقاطع الفلسفة والقانون والحوكمة. يذكّر يانيس فيكاس بأن القيادة بلا فلسفة بلا اتجاه. وفي ليبيريا، يدعونا المستشار تياوان ساي غونغلو إلى التفكير في ازدراء المحكمة وحرية التعبير لا كقوتين متعارضتين، بل كركيزتين لنضج ديمقراطي. أما في جنوب أفريقيا، فإن النقد الموجه لخطاب حالة الأمة 2026 يعكس مطلبًا قاريًا متصاعدًا: لم يعد المواطنون يريدون خطابات، بل يريدون تحولًا ملموسًا.
وفي نيجيريا، تقف البلاد عند مفترق طرق إنجابي معقد. ففي حين تواجه دول صناعية تراجعًا ديموغرافيًا، تتعامل نيجيريا مع معدلات خصوبة مرتفعة وضغوط اجتماعية متزايدة واعتماد متنامٍ على تقنيات الإنجاب المساعدة. إن مستقبل أفريقيا لن تحدده الأرقام وحدها، بل كيفية إدارة الكرامة والصحة والفرص.
أما في تنزانيا، فإن الاستثمار الجريء في مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية يعكس رؤية بعيدة المدى. فالإلمام بالقراءة ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو أساس التنمية. من دون تعليم متين، تضعف الديمقراطية، ويتعثر النمو الاقتصادي.
ويؤكد هذا العدد أيضًا الدور الذي لا غنى عنه للأدب. فقراءة بيل إف. نداي للنفاق الجيوسياسي تبيّن أن القصيدة قادرة على تفكيك الخداع بحدة تفوق أوراق السياسات. الأدب ليس هروبًا، بل كشفًا. إنه يكشف الاستبداد حين يتخفى في لغة الدبلوماسية أو يتزيّن بشعارات الخير.
ونقرأ قصة تجسد صراعا مجتمعيا لا يخص وطن الكاتبة عزة أبو العز وحدها، بل المجتمع الإنساني كله.
وننتقل في أدب الرحلة إلى كنيسة “سلوفوششيه” في موسكو، حيث تتلاقى الذاكرة والعمارة. وتغمرنا القصة القصيرة “معركة جهاد” في عمق الصراع النفسي. ويعرّفنا الملف الشخصي على الأستاذ ماشاسين بوصفه نموذجًا للتفاني الفكري. أما المسرح فيقودنا إلى قرطاج، حيث تتحول دمى الخيوط إلى استعارة أخلاقية وحديقة قلوب بيضاء، كما يكتب خالد سليمان.
هذه المحاور الأربعة عشر، مجتمعة، تشكل فسيفساء وعي قاري. إنها تتحدث عن الحكم الرشيد والمبادرات الشعبية، عن التراث والابتكار، عن النقد والاحتفاء. وهي تؤكد أن الصحافة الأفريقية يجب ألا تكتفي بنقل الأحداث، بل أن تربط بين التخصصات والثقافات والأجيال.
قصة أفريقيا معقدة، لكنها مترابطة. إنها قصة صمود وإعادة تعريف وتحمل للمسؤولية. من مقديشو إلى أديس أبابا، ومن لاغوس إلى دار السلام، ومن مونروفيا إلى تونس، تتغير السردية.
لم يعد السؤال ما إذا كانت أفريقيا ستُسمَع. السؤال هو: بأي قوة، وبأي أخلاق، وبأي إبداع ستختار أن تتكلم؟
من خلال هذا العدد، يجدد مؤتمر الصحفيين الأفارقة التزامه بتعزيز الأصوات الأفريقية، والدفاع عن حرية الصحافة، ورعاية التبادل الفكري، والإصرار على أن تظل الصحافة ضمير القارة.
أفريقيا تكتب.
أفريقيا تقود.
أفريقيا تنهض.



