يصدر قريبًا ديوان الشاعرة اللبنانية : ياسمين عبدالسلام هرموش وهذه مقدمة نقدية كتبها الناقد عبدالله السمطي ببدايات الديوان ، بعنوان: ( هكذا تحدق الشاعرة في مراياها )
تتفتّحُ آليات الكتابة الشعرية لدى الشاعرة ياسمين عبدالسلام هرموش من خلال الارتكاز على بنية تعبيرية تمزجُ ما بين الشعريّ والسرديّ ، وهي بنية مفتوحة بويطيقيًّا تحفّزُ منتج العمل الشعري على أن يتحرك بطلاقة في كتابة نصوصه من دون حُجُب أو أسوار تقنية قد تحدّ من حركة النصوص وجموحها التخييلي الذي يصل الكلمة بالمعنى والسياقات بخطابها الشعريّ العام. إنّ البنية الماثلة حيالنا في ديوان : ( امرأة خارج الهوامش ) هي بنية مركّزة على الرغم من انفراطها التعبيري أحيانا، لأنها تركّز على استقصاء دلالات متقاربة، كأنها دائرة موجية على سطح الماء تتسع شيئا فشيئا حين نلقي حجرا على الماء، وتتوالدُ وتنبثق دائرة من دائرة، أو كأنها حزمة ضوئية موشورية تتسع شيئا فشيئا لتعم فضاء المشهد. إنّ ياسمين عبدالسلام هرموش تعي تماما ما تكتبه، حيث توسع من حدقات النصوص وبصائرها، فتذهب إلى التعبير عن ذاتها الشعرية أولا، وعن رؤيتها لهذا الأفق السينتمنتالي العاطفي الرومانتيكي الذي يهيمن على كثير من رؤى الشعراء والشاعرات في الشعرية العربية، وهو: أفق الحب ، فتعمل على إضاءاته بشكلٍ متتالٍ، متوالد، تنبثق الكلمات فيه من الكلمات، والدلالات من الدلالات، لتعطي هذه المشاهد النصية البازغة تلقاءنا ، والتي نُشارفها بقدر من التضامن وقسط من التأويل، لأنها تحقق نوعا من المتعة القارئة الجذابة من خلال بنياتها السردية/ الشعرية الدالة، ومن خلال تفتحها على مسارات شجريّة – إذا صح التعبير – لأن بنى الموضوعات تتولد، وتتغصّن ، مع الإبقاء على جذر موحد ثابت لشجرة الدلالة. وتشير الشاعرة منذ البدء ، من الإهداء، إلى صلابة الذات وإلى ذهابها وحدها خارج الغابة لتتبصر وتتشوف بجرأة، لأنها تترك الهوامش التي تقولبت فيها، أو وضعت فيها، لذا هي تغامر وحدها وتكتشف، لتبحث عن ذاتها خارج الهوامش، تحبّ وتتألم وتصرخ وتحتضن الوطن كما تحتضن كلماتها الشاعرة، فالمرأة في الديوان بتعبير الشاعرة :” ليست تفصيلا جانبيا، وليست تعليقا أسفل الصفحة، وليست احتمالا مؤجلا، هي المتن، هي الفكرة، هي الحكاية كاملة” . هنا بوح مغامر لإثبات الذات، وإثبات القيمة الحقيقية للمرأة، بعيدًا عن أيّ ادعاء. في ظل هذا الوعي الذي تومئ إليه الشاعرة يتسنى للقارئ الحصيف أن يشكل خلفية قرائية قبل البدء في قراءة نصوص الديوان. يحضر الآخر في أول الديوان منذ القصيدة الأولى، هي تغادر المكان، لتواجه العالم في نص : ” أغلق الباب .. وأختار نفسي” ولتبحث عن استقلاليتها ورؤاها الخاصة بها : هذه المرة سأرحل كما ترحل امرأة فهمت أخيرا أن البقاء في مكان لا يشبهها خيانة لنفسها . وفي جملة من المشاهد التي تستحوذ على مساحات كثيرة من صفحات الديوان تتناول الشاعرة : فضاء الحب، ولكنه ليس فضاء التسليم، بل فضاء اليقين، والبحث عن صواب الحب: لم يكن الحب خطأ لكننا أخطأنا حين حاولنا أن نبقيه حيًّا بالعادة لا بالشغف كنتُ أراك تبتعد خطوة خطوة حتى صرنا في منتصف المسافة ولا أحد يصل .
لياسمين عبدالسلام هرموش في هذا الديوان رؤى ذاتية للحب، ولهذا احتلت دالة : (الحب) مساحة ليست بالصغيرة في الديوان، ولعل عناوين النصوص الكثيرة التي تستلهم هذه الدالة تبرهن على ذلك، ومنها: عشق، على مهل العشق، حين يمر العشق، عشق آخر، الحب، ليس حبا إن لم يحررني، أحبك كما لو أنني أكتشف البحر لأول مرة، امرأة أحبت ولم تُختر، حب بعد الألم، أحبك سرا كما تحب الأرض مطرها الخفيّ ، وغيرها من النصوص التي تتضمن هذه الدالة الشعرية الأثيرة، وفضلا على ذلك فإنها توجه خطابها في عدد من النصوص إلى الآخر، فيما تُجرّد وعيها الذاتي في توجيه الخطاب إلى (امرأة) وهي تقصد – بشكل تأويلي – التعبير عن ذاتها. تستهل الشاعرة ديوانها بالرفض، رفض الاعتيادية المعهودة التي تهمش المرأة : هذه المرة لن ألّوح بيدي مودّعة وأبكي في داخلي لن أكتب لك رسالة أخيرة أبرر فيها قراري لن أبحث عن كلمة أخفف بها وقع الرحيل . هناك رفض دائم للمكوث في الهوامش، وهذا انعكس بدوره على دلالات كثيرة في نصوص الديوان، وإلى اللجوء لوصف واقع آخر يتلاءم والذات الشاعرة الناهضة، وهناك تعريفات جديدة للآفاق التي تود المرأة أن تكونها أو تتجلى فيها. إنّ هذه الاستهلالات الشعرية أسست للفضاء الدلالي والجمالي للديوان وحددت العلاقة النديّة بين الذات الأنثوية والآخر، فيما حددت مجالات حركة الديوان التعبيرية التي تتراوح بين الحب والعشق، والتعريف الأنثوي الذي يعلي من شأن الذات، والتعبير عن الهوية والوطن. وهكذا تحدق الشاعرة في مراياها، فيما تجعلنا نحدق أكثر في كلماتها الثابتة المتأنية أو المغامرة المستشرفة، أو التي تسترجع الماضي والذكرى من أجل التأمل والاستقصاء لتنبثق رؤى جديدة وصولا إلى الصلح مع الذات. هكذا ياسمين عبدالسلام هرموش تمضي على مهل العشق، وتكتب عن صور متعددة للمرأة ، خاصة في النصوص المتتابعة التي تجعل المرأة عنوانا لها: التي تتصالح أو تبتسم أو تختار نفسها أو تمضي إلى ساحة العمل أو تبدو قوية لا تنحني ، وهذا التعدد الذي ينجذب إلى جذر الندية والسطوع في عالم المتن هو ما يجعلنا تلقاء نصوص تغامر وتعبر وتبوح بجلاء وتتحدى، لكي تصل إلى معنى الذات الأنثوية الحقيقية التي تمضي في صنع شاعريتها ورمزيتها الجلية الدالة.