أحداثأدبإعلامجاليريرحلاتشخصياتلقاءات

مجلة سُلاف الثقافية اليمنية الشهرية:  عشرون عامًا بصحبة عبد الله طوقاي

  

في عددها السادس عشر، الصادر في فبراير 2026، تمضي مجلة سُلاف بخطى واثقة نحو ترسيخ حضورها كمنبر ثقافي وفني متنوع، يجمع بين النقد والإبداع، بين المحلي والعربي والعالمي، وبين همّ اللحظة وأسئلة الذاكرة. مجلةٌ يشرف عليها الأستاذ أوس الإرياني، ويقود تحريرها الشاعر والإعلامي بلال قايد، فيما ينهض فريق متكامل من المحررين والباحثين والمصممين بصياغة هذا المشهد الثقافي المتعدد.

يفتتح العدد رئيس التحرير بلال قايد زاويته الدائمة «بوصلة» بمقالٍ يحمل هاجس الثقافة في زمن التحولات، متوقفًا عند التباين الصارخ بين ازدهار معرض القاهرة الدولي للكتاب وغياب معارض الكتاب في اليمن. لا يكتب قايد من موقع المقارنة العابرة، بل من موقع القلق الثقافي؛ فمعارض الكتاب، كما يؤكد، ليست رفاهية احتفالية، بل ضرورة حضارية تحفظ للكتاب مكانته وللمجتمع وعيه. يستحضر أرقام الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة، بحضورها المليوني ومشاركاتها الدولية الواسعة، ليضعها في مواجهة المشهد اليمني الذي غيّبته الحرب والحصار وتراجع الإمكانات. وبين سطور «بوصلة» يلوح سؤال كبير: كيف يمكن إعادة الروح إلى الجسد الثقافي اليمني في ظل هذا الانقطاع؟

يكتب رئيس التحرير:

“تبرز المعارض دورها المحوري في تعزيز القراءة ونشر المعرفة ، حيث سجلت الدورة السابعة والخمسون حضوراً تاريخيا بلغ 6.2 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ المعرض هذا الإقبال الكبير يؤكد مكانة المعرض كملتقى فكري وثقافي يساهم في إثراء الحياة الثقافية وتوفير أحدث الإصدارات للجمهور.

على النقيض من المشهد الثقافي المزدهر في القاهرة ، تعاني اليمن من غياب شبه تام المعارض الكتاب ، التي كانت في السابق تمثل ركيزة أساسية للحركة الثقافية، كان معرض صنعاء الدولي للكتاب يقام سنويا ، وشهدت دورته التاسعة والعشرون في سبتمبر 2013م مشاركة أكثر من 200 دار ، إلا أن الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2014 أدى إلى توقف هذه الفعاليات بشكل شبه كامل ما عدا معرض محلي اقامته الهيئة العامة للكتاب في صنعاء بجانب معرضين آخر أقامته الهيئة العامة للكتاب في شبوة ومأرب تقريبا.

تتعدد أسباب هذا الغياب ، أبرزها الحرب المستمرة، التي أدت إلى تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية ، مما جعل تنظيم مثل هذه الفعاليات أمرا بالغ الصعوبة والمخاطر، كما أن الحصار المفروض على البلاد وتوقف حركة النشر والتوزيع، بالإضافة إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين ، كلها عوامل ساهمت في تراجع المشهد الثقافي، وقد وصف محمد عبد الله الأنسي رئيس اتحاد الناشرين اليمنيين في حديث سابق أن وضع الكتاب في اليمن بأنه يعيش “حالة تراجع مخيفة تفاقمت بسبب الأحداث الأخيرة.”

ويمضي العدد عبر أبوابه الثابتة، حيث تتنوع الزوايا بين «قصاصات ملونة»، و«زاوية مشوشة» لبدر بن عقيل، و«بواكير» لعبير اليوسفي، و«مفاتيحي إلى عوالمهم» لوجدي الأهدل، إضافة إلى «بروفايل» لسماح الحرازي، و«ثقافة صحية» لليلى حسين، و«تأملات» لدلال غانم، و«الموروث الشعبي» لنوال القليسي، و«شوية شغف» لإبراهيم طلحة، و«قصة للأطفال» لغدير الرعيني، و«نقطة ضوء»، و«نادي القصة»، و«سلاف القول» لأوس الإرياني. هذا التعدد لا يعكس مجرد تنوع موضوعي، بل يعبر عن رؤية تحريرية ترى الثقافة نسيجًا حيًا يتقاطع فيه الأدب بالصحة، والسرد بالتراث، والطفولة بالتأمل.

وفي باب الدراسات والأبحاث، يطل القارئ على مقالات نقدية وفكرية معمقة، من بينها استطلاع «صمت المثقفين في القضايا العربية» الذي أعده خليل المعلمي، وقراءة د. عمار الريصي في «الدراما اليمنية وغياب الرؤية»، ودراسة علي أحمد عبد قاسم حول «العنونة وتقنية السرد في (توبا)»، إضافة إلى مقال د. أشرف أبو اليزيد «عشرون عامًا بصحبة عبد الله طوقاي»، الذي يأخذنا في رحلة إنسانية وأدبية مع شاعر التتار الكبير عبد الله طوقاي، متتبعًا سيرته القلقة بين اليتم والترحال، وبين الصحافة والشعر، وكيف تحوّل إلى صوت قومي يوقظ الروح التترية من سباتها. النص لا يكتفي بسرد السيرة، بل يمزجها بمشاهد من تجربة الكاتب الشخصية في قازان، حيث يلتقي التاريخ بالذاكرة، والشفق القطبي بسيرة شاعرٍ ولد من قلب المعاناة.

يكتب الرحالة المصري:

 ولـد عبـدالله في 26 أبريـل 1886 لـر ِّب أسـر ٍة متديـن؛ تـوفي قبـل أن يشـعر الطفـل الصغـر بحنانـه. ُتسـلمه العجـوز التـي بـدأت بتربيتـه وهـو يتيـم إلى عائلـةأخـرى ،وينتقـل إلى كنف أسـرة ثالثـة، وهكـذا،حـتى تربيـه عمُتـه، ولينتقــل مــن كوشــلافوتش حيــث ولــد، إلى أتشــيل حيــث نشــأ، وقـيـرلاي حيـث عـاش، وقـازان عندمـا اسـتقر، تمضـي حيـاة شـاعر التتـار عبـد الله طوقـاي، صعبـة ومتقلبـة،ولكنهـاعلـى قصرهـا مليئـة بالأحـداث الجسـام، جعلـت منـه شـاعر أمتـه القومـي ،مثلمـا جعلـت مـن يـوم مولـده عيـًدا سـنويا للشـعر في تتارسـتان. ْ  “

أما في ملف الدراما، فيقدم فاروق رزاز تقريرًا موسعًا عن الأعمال الدرامية لرمضان 2026، مستعرضًا أبرز المسلسلات المعلنة عبر القنوات اليمنية. من «ملوك اليمن» الذي يستحضر سيرة الملوك في قالب تاريخي، إلى «الضائعة» الذي يراهن على نقلة نوعية في الدراما اليمنية، مرورًا بـ«دروب المرجلة» في جزئه الثالث، و«عنبر» بطابعه الوطني، و«الزوجة السابعة» الكوميدي، و«عيال صالح»، و«مدرسة المشاغلين»، و«عرسان الهناء» بجزئه الثاني، و«قضاء وقدر»، و«عمارة خميس»، و«آخر نفس»، و«عهد الأحرار». التقرير يقرأ هذه الأعمال بوصفها مؤشرات على حراك درامي متصاعد، يحمل وجوهًا جديدة، ويعكس رغبة في تطوير الكتابة والأداء والرؤية الإخراجية، رغم التحديات الإنتاجية والظروف العامة.

ولا يغفل العدد عن الروح الرمضانية التي تشكل جزءًا أصيلًا من الوجدان اليمني. في صفحات نابضة بالحياة، ترسم المجلة مشاهد صنعاء القديمة في ليالي الشهر المبارك: الأسواق المحيطة بالجامع الكبير، الفوانيس المعلقة، روائح البهارات والقهوة، حلقات العلم، وصفوف المصلين في التراويح، وزيارات المساجد التاريخية التي تتجاوز الثمانين. مشهد يتداخل فيه الإيمان بالتراث، والتكافل الاجتماعي بالصبر على قسوة الواقع. رمضان هنا ليس طقسًا دينيًا فحسب، بل حالة جمعية تعيد صياغة العلاقات وتؤكد أن الثقافة الروحية قادرة على الصمود أمام العواصف.

على مستوى الإدارة والتحرير، يقف خلف هذا العدد فريق متكامل: إشراف عام لأوس الإرياني، رئاسة تحرير لبلال قايد، إدارة تحرير لمحمد النظاري، مراجعة لغوية للدكتورة أميرة شايف وأمة المولى القادري، تصميم لرانيا الشوكاني، وجهود في العلاقات العامة لكل من محمد السناب ورانيا الشوكاني ومحفوظ الشامي، إضافة إلى هيئة تحرير تضم مها شجاع الدين وآخرين ممن ينسجون هذا العمل بروح جماعية.

العدد السادس عشر من سُلاف ليس مجرد تجميع لمواد ثقافية، بل هو شهادة على أن الثقافة اليمنية، رغم ما يحيط بها من أزمات، ما تزال قادرة على إنتاج خطاب حي، ناقد، ومتنوع. بين «بوصلة» تبحث عن الاتجاه، وملفات درامية تستشرف المستقبل، وسير أدبية تعانق الذاكرة، وليالٍ رمضانية تشع روحًا، يثبت هذا العدد أن المجلة ليست مرآة للواقع فحسب، بل محاولة دؤوبة لصناعته بالكلمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى