ألكسندرا كريتي : الشعر ليس صورة سيلفي؛ فهو لا يقف عند حدود المظاهر

في هذا الحوار العميق، تتأمل الشاعرة ألكسندرا كريتي من غيانا الفرنسية المعنى الأعمق للشعر وغايته في عالم يتغير بسرعة. رؤيتها تتجاوز السطحي والاستعراضي، إذ تقترح أن الشعر ليس فعل عرضٍ للذات، بل هو شكل من أشكال الحوار مع الواقع. وتقول: «الشعر ليس سيلفي»، مؤكدة أن التعبير الشعري الحقيقي يتجاوز كثيراً حدود المظاهر والإسقاطات الشخصية.
وخلال المقابلة، تستكشف كريتسي العلاقة الحميمة بين الشاعر واللغة، حيث تصبح الكتابة جسراً يصل الإنسان بالآخرين، وفي الوقت نفسه عودةً إلى عزلة داخلية عميقة. كما تتحدث عن التأثير القوي لطبيعة الأمازون والليل الاستوائي، بما فيهما من أصوات وروائح وصمت، في تغذية خيالها الشعري. إن العيش في البيئة الثقافية المتنوعة في غيانا الفرنسية يسهم أيضاً في تشكيل صوتها الأدبي، ويدعو إلى التأمل في الهوية والتعايش والتبادل الثقافي. بالنسبة لكريتسي، الشعر ليس دعاية ولا هروباً من الواقع، بل استجابة تأملية لتعقيداته.
ليونارد بوبا:
صديقتي القديمة، هل من الضروري السفر كثيراً في العالم لكي يعرف الإنسان نفسه بشكل أفضل؟
ألكسندرا كريتي:
كل رحلة هي بداية واستمرار للكتابة. كثيراً ما أشعر بالحاجة إلى المغادرة كي أعود إلى المركز الهش لعالمي الداخلي. عندما أستحضر العالم الحميم بالكلمات يصبح شيء ما مرئياً. الكتابة هي وسيلة للحفاظ على صلة بالعالم الخارجي.
بالنسبة لي، الكلمة هي العنصر الذي يربطني بالآخرين. إنها تمنحني القدرة على التأثير والتواصل والحفاظ على الحوار مع المقربين مني. لكن الكلمة تفرض أيضاً نوعاً من الصورة المثالية للقارئ — قارئ حقيقي، وربما متخيَّل أيضاً، لكن من دونه تصبح الكتابة مستحيلة.
الكتابة تعيد الكاتب دائماً إلى نوع من العزلة. وحتى إذا فتحت الكتابة باباً على العالم، فإنها تعيدنا أيضاً إلى تلك العزلة الداخلية التي تشكل جزءاً من حالة الكاتب.
الكتابة الشعرية تفترض علاقة حميمة جداً بين الشاعر واللغة. ونتيجة لذلك، هناك دائماً شكل من أشكال كشف الذات في الكتابة، حتى في النصوص التي تبدو غير شخصية أو جماعية.
وعندما يقرأ شاعر نصوصه في العلن، أشعر أحياناً أن الأمر يشبه تمريناً على نزع الطابع الشخصي. هناك تقنيات كثيرة تسمح للنص الشعري بأن يخرج من تلك الحميمية. المسألة ليست مسألة حياء أو أخلاق، بل مسألة انكشاف.
الشعر ليس صورة سيلفي؛ فهو لا يقف عند حدود المظاهر.

ليونارد بوبا:
هل يُنظر إليك كشاعرة ناشطة؟ وهل يمكن للشعر أن يبرر احتجاجاً أو موقفاً سياسياً؟
ألكسندرا كريتي:
ربما يُنظر إليّ كشاعرة ناشطة، لكنني لا أعتقد أن النشاط يحدد بالضرورة مضمون عملي الأدبي أو شكله.
لقد تشكلت هويتي النضالية بطريقتين. الأولى من خلال نشاطي النقابي، إذ كنت نائبة أمين لمنظمتي لمدة تقارب خمسة عشر عاماً، وكانت مشاركاتي الإعلامية غالباً مرتبطة بهذا الالتزام.
أما الثانية فتأتي من التزامي الثقافي. بوصفي أستاذة للأدب الحديث في غيانا الفرنسية، أشعر بمسؤولية دعم الحوار الثقافي والدفاع عن مكانة الأدب والشعر في المجتمع.
ومع ذلك، فالشعر في ذاته ليس دعاية. بل هو بالأحرى شكل من أشكال مساءلة الواقع.
ليونارد بوبا:
هل الشعر تمرد على الواقع؟
ألكسندرا كريتي:
الشعر هو استجابة لتحديات الواقع. حتى أكثر الشعر حميمية يرى في اللغة أداة قادرة على مواجهة عنف العالم.
يتطلب الشعر دقة وانضباطاً. وحتى عندما يبدو حراً، فإنه غالباً ما يستند إلى بنى خفية. قد يبتكر الشاعر لغة قادرة على خلق مسافة عن الواقع، وفي الوقت نفسه إعادة تشكيله بالكلمات.
بالنسبة لي، يعني الشعر الدخول في حوار دائم مع العالم، والتأمل المستمر في طبيعته.
ليونارد بوبا:
ما الذي يلهم شعرك؟
ألكسندرا كريتي:
تلعب الطبيعة دوراً مركزياً. فكثير من كتاباتي مستوحى من الأمازون ومن غابات منطقتي.
الغابة حضور حي. رائحة الهواء بعد المطر، وأصوات الحيوانات، وكثافة النباتات — كل ذلك يدخل في قصائدي. وهذه العناصر تصبح مصادر أساسية للصورة الشعرية.
كما أن الليل مهم جداً في شعري. الليل الاستوائي يحمل كثافة خاصة، وهو فضاء للصمت والتأمل والغموض.
ليونارد بوبا:
كيف يؤثر السياق الجغرافي في كتابتك؟
ألكسندرا كريتي:
غيانا الفرنسية مكان تلتقي فيه ثقافات عديدة. لغاتنا وتقاليدنا تنتمي إلى عوالم مختلفة.
العيش في مثل هذا الفضاء يؤثر حتماً في الكتابة. فالشاعر يلاحظ كيف تتفاعل الثقافات وكيف تتشكل الهويات وتتحول.
هذا التنوع يمنح شعري منظوره الخاص، ويذكرني دائماً بأن الأدب هو فضاء للقاء.
في هذا الحوار العميق، تتأمل الشاعرة ألكسندرا كريتي من غيانا الفرنسية المعنى الأعمق للشعر وغايته في عالم يتغير بسرعة. رؤيتها تتجاوز السطحي والاستعراضي، إذ تقترح أن الشعر ليس فعل عرضٍ للذات، بل هو شكل من أشكال الحوار مع الواقع. وتقول: «الشعر ليس سيلفي»، مؤكدة أن التعبير الشعري الحقيقي يتجاوز كثيراً حدود المظاهر والإسقاطات الشخصية.


