أحداثأدبإعلامشخصياتلقاءات

خيمة نور تستدعي ذكريات الرحالة في رمضان

في حلقة مميزة من برنامج «خيمة نور» الذي يقدمه الإعلامي وائل سليمان والإعلامية كريستينا عزت، من إعداد الكاتب حسام العاوي، كان المشاهدون على موعد مع رحلة رمضانية حول العالم بصحبة الروائي والشاعر والرحالة د. أشرف أبو اليزيد، الذي استعاد ذكرياته في أسفاره بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كاشفًا كيف يتجلى الشهر الكريم في ثقافات متعددة، وكيف تستطيع روح الصيام أن توحّد شعوبًا تختلف في اللغة واللون والعادات، لكنها تلتقي عند لحظة الأذان، وعند معنى الامتناع طاعةً ورجاءً. هنا اضاءات لبعض ما جاء في سهرة خيمة نور على الهواء وفي الكواليس

بدأ اللقاء بمحطة أفريقية لافتة في توغو، ذلك البلد الصغير الممتد كشريط ضيق من خليج غينيا جنوبًا حتى بوركينا فاسو شمالًا، كأنه قطعة دومينو بين جارتيه غانا وبنين، وقد تقاسمه الاستعمار الألماني ثم الفرنسي والبريطاني قبل أن ينال استقلاله عام 1960. روى الضيف دهشته حين كان يقيم في فندق قريب من الحدود، فينتقل من غرفة إلى أخرى فتستقبل هاتفه المحمول رسالة ترحيب من غانا المجاورة، في دلالة رمزية على تداخل الجغرافيا وتشابك المصائر. في توغو، حيث يشكل المسلمون أقلية مؤثرة تتركز في الشمال، يبدو رمضان بسيطًا في مظاهره عميقًا في معناه؛ موائد الإفطار تعتمد على الأرز والذرة وصلصات الفول السوداني، والتكافل هو العنوان الأبرز، وقد تُقام التراويح أحيانًا على الأرصفة خارج قاعات المؤتمرات، في مشهد تمتزج فيه الرسمية بروحانية عفوية. ويغدو العيد مناسبة ترتدي فيها القرى أثوابها التقليدية وتصدح بالأهازيج الشعبية. وأشار الضيف إلى أن فقرة الإنشاد في الاستوديو أعادته إلى احتفالات الاستقلال هناك، حين قدمت فرق تمثل الأعراق المختلفة عروضًا تجسد جذورها المتنوعة، ومنها الجذور الإسلامية الممتدة إلى إرث إمبراطورية مالي في غرب أفريقيا.

ومن غرب القارة انتقل الحديث إلى نيجيريا، البلد الواسع المتعدد الأعراق والديانات. تساءلت كريستينا إن كانت الطقوس هناك شعبية أكثر أم دينية، فجاءت الإجابة بأن الشمال ذي الغالبية المسلمة يحوّل رمضان إلى موسم جامع؛ تُضاء مدن مثل كانو وسوكوتو ليلًا، تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتصدر أطباق “الكوساي” والعصيدة موائد الإفطار، فيما تنشط الجمعيات في توزيع الزكاة والطعام. أما في الجنوب، فيحافظ المسلمون على شعائرهم ضمن مجتمع متعدد، حيث يتجاور الصوت القرآني مع أجراس الكنائس، وتتحول صلاة العيد في الساحات المفتوحة إلى مشهد مهيب يجمع الآلاف.

وتوقف الحوار عند تجربة المسلمين في جنوب أفريقيا، خاصة في كيب تاون وديربان، حيث يمتزج الإرث الملايوي بالأفريقي، وقد جاء التأثير الإسلامي من الشرق عبر الملايو والهند، كما استقرت جالية هندية كبيرة هناك، وكان من أبرز الشخصيات التي عاشت في جنوب أفريقيا المهاتما غاندي. تُقام التراويح في مساجد تاريخية، وتتنوع الموائد بأطعمة متأثرة بالكاري والبهارات الشرقية، في صورة تعكس قدرة الإسلام على التفاعل مع الثقافات المختلفة دون أن يفقد جوهره.

أما في ليبيا، فقد استعاد د. أشرف حكاية صيامه واحدًا وثلاثين يومًا نتيجة اختلاف بدايات الشهور بين البلدان التي تنقل بينها، فاختبر معنى الصبر مضاعفًا. لفت نظره التقارب الكبير بين العادات الليبية والمصرية؛ الشوربة والكسكسي والبوريك تتصدر الموائد، وصلة الرحم ركن أصيل من يوميات الشهر، والمساجد عامرة بالمصلين، وتزداد الأجواء خشوعًا في العشر الأواخر مع الاعتكاف وقيام الليل.

وفي آسيا الوسطى بدت أوزبكستان وكأنها تستحضر تاريخها الإسلامي في سمرقند وبخارى، حيث تزدحم المساجد بالمصلين، وتقام موائد بسيطة من الخبز الأوزبكي والبلاف، ويعلو شأن قراءة القرآن ومساعدة الفقراء، فتغدو الروحانية امتدادًا لذاكرة حضارية عميقة. أما في الصين، خصوصًا في شينجيانغ، فيطلق بعض المسلمين على رمضان اسم “باتشاي”، وتبدأ الاستعدادات بتنظيف البيوت وتزيينها باللوحات القرآنية، وفرش المساجد بسجاد جديد. يحرص الصائمون على بدء الإفطار بالتمر والحلوى والشاي المحلى والبطيخ، ثم أداء صلاة المغرب في المسجد قبل العودة لاستكمال الوجبة مع الأسرة. ورغم اختلاف السياقات، تبدو مظاهر رمضان في تجمعات المسلمين هناك قريبة في روحها من نظيراتها في البلدان الإسلامية، مع حفاظ واضح على الخصوصية الثقافية.

وفي الهند، استعاد الضيف ما رواه أ.د. سيد جهانغير عن ليالي رمضان في حيدرآباد، حيث تتجدد المساجد صيانةً وتزيينًا، وتُعلن رؤية الهلال عبر لجان مختصة، وتمتلئ التراويح بالمصلين مع تنوع طرائق ختم القرآن. تتصدر “الحليم” موائد الإفطار، إلى جانب أطباق تقليدية ومشروبات شهيرة، وتتحول الليالي، خاصة في العشر الأواخر، إلى فضاء نابض بالحياة والعبادة، حتى تحل ليلة العيد بما تحمله من طقوس الحليب والشعيرية والعيديات.

ومن آسيا وأفريقيا إلى أوروبا، كانت المحطة في تتارستان، حيث يتجدد الحضور الإسلامي في قازان، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتقام موائد إفطار جماعية تشارك فيها مؤسسات رسمية وأهلية، في تمازج بين الهوية الإسلامية والتقاليد التترية داخل الاتحاد الروسي. أما في تركيا، فتتبدل إيقاعات المدن مع حلول الشهر، وتتلألأ المآذن بعبارات ترحيب مضيئة، وتنتشر خيام الإفطار، ويتردد صوت المسحراتي في الأزقة القديمة، في مشهد يجمع بين البهجة الشعبية والسكينة الروحية.

هكذا لم يكن اللقاء مجرد سرد لذكريات سفر، بل لوحة إنسانية واسعة تؤكد أن رمضان، رغم اختلاف اللغات والمطابخ والطقوس، يظل شهرًا يعيد الإنسان إلى جوهره؛ إلى العائلة، والتكافل، والسكينة، وإلى ذلك الخيط الخفي الذي يربط قلوب الصائمين من توغو إلى تتارستان، ومن كاشغر في شينجيانغ إلى حيدرآباد في الهند، في وحدة روحية تتجاوز الحدود والجغرافيا.

لمشاهدة جزء من البرنامج هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى