أدب

الأدب وفتنة البدايات: لماذا تظل اللحظة الأولى أكثر كثافة من النهايات؟

د. حمزة مولخنيف 

د. حمزة مولخنيف

في سيرة الأدب تظل البدايات لحظات متفردة، تحمل كثافة دلالية ووزنا وجوديا لا يعادلهما في أي نقطة أخرى من النص.

فهي ليست مجرد بوابة زمنية تؤسس السرد، بل هي موضع اشتغال اللغة والخيال والوعي في آن واحد، حيث تتجمع الإمكانات كلها قبل أن تنحسر في مسار الحكاية. إن دراسة اللحظة الأولى في الأدب تكشف عن طبيعة العلاقة بين الكاتب والقارئ، بين النص وعالمه الداخلي وبين الحكاية والدهشة التي تولد منها. وبالنظر إلى هذا التوتر البنيوي والوجودي، فإن البداية الأدبية ليست مجرد تقنية سردية، بل تجربة معرفية وجمالية تعكس شغف الإنسان بالإمكان والابتداء، وتقدم نموذجا مكثفا لفهم كيف تتشكل اللغة والمعنى في أوج قوتهما.

في هذا المقال سنحاول تتبع الكثافة الفريدة للبدايات، مستندين في ذلك إلى قراءة فلسفية وأدبية لغوية دقيقة، نستلهم فيها من أقوال المفكرين والكتاب الذين أدركوا عمق هذه اللحظة، ونسعى إلى إبراز الدور الفاعل للبداية في صياغة التجربة القرائية، وفي خلق الانجذاب النفسي والجمالي الذي يجعل النص الأدبي أكثر إشعاعا من نهاياته. إن هذا المسعى لا يكتفي بالتحليل الفني للبنية، بل يتخطاه إلى استكشاف العلاقة بين الزمن الأدبي والوعي البشري، بين الإمكان والتحقق، بين السؤال والجواب، في سياق يبرز فتنة البداية ومغزاها العميق في تشكيل تجربة الأدب ككل.

ليست البدايات في الأدب مجرد نقطة انطلاق في الزمن السردي، ولا هي مجرد عتبة لغوية يدخل منها القارئ إلى عالم النص؛ إنها لحظة كثيفة تتجمع فيها إمكانات المعنى قبل أن تتبدد في امتداد الحكاية، وتتوتر فيها اللغة قبل أن تستقر في نظامها السردي. فالبداية في حقيقتها العميقة، ليست زمنا أوليا فحسب، بل هي حالة من التركيز الوجودي، أشبه بما يسميه الفلاسفة لحظة التكوّن الأولى، حين تكون الأشياء كلها ممكنة ولم يتحدد بعد مسارها النهائي. ولهذا تبدو البدايات في الأدب أكثر إشعاعا من النهايات، وأكثر قدرة على إغواء القارئ واستدعاء فضوله؛ لأنها لحظة الوعد، بينما النهاية لحظة الإغلاق.

إن الأدب بوصفه فنا للزمن يعيش توترا دائما بين البداية والنهاية، بين الإمكان والتحقق، بين السؤال والجواب. والبداية هي موضع السؤال الأعظم في النص، لأنها تضع القارئ أمام أفق مجهول. ولعل هذا ما جعل رولان بارت يقول إن النص الحقيقي يبدأ حين “تتفتح شبكة الاحتمالات”. فالبداية ليست مجرد افتتاح بل هي انبثاق مجال دلالي كامل. إنها اللحظة التي يتشكل فيها ما يمكن أن نسميه أفق الانتظار، ذلك المفهوم الذي صاغه هانس روبرت ياوس ليشير إلى التوقعات التي يحملها القارئ وهو يدخل النص.

في تلك اللحظة الأولى تتكثف اللغة بطريقة لا تتكرر لاحقا. فالجملة الأولى في العمل الأدبي ليست جملة عادية؛ إنها أشبه بضربة مطرقة تفتح باب العالم السردي. وقد أدرك كبار الروائيين هذه الحقيقة، فاجتهدوا في صياغة بدايات لا تُنسى. حين يفتتح ليو تولستوي رواية آنا كارنينا بقوله: “كل العائلات السعيدة متشابهة، لكن كل عائلة تعيسة تعيسة على طريقتها الخاصة”، فإنه لا يقدم مجرد عبارة بل يضع مفتاح الرواية كلها في جملة واحدة. هذه الجملة ليست مدخلاً فحسب؛ إنها أطروحة وجودية تختصر مأساة الإنسان في اختلاف أشكال الشقاء. وتبدو البدايات في الأدب كأنها لحظة كشف، لأن اللغة فيها تكون في أقصى درجات تركيزها. فالكاتب يعلم أن القارئ لم يدخل بعد في إيقاع النص، ولذلك يضع أمامه جملة أو صورة أو فكرة قادرة على الإمساك بانتباهه. وقد وصف إيتالو كالفينو هذه اللحظة بقوله إن البداية الجيدة “تشبه الشرارة التي تشعل خيال القارئ”. الشرارة هنا ليست استعارة مجانية، بل هي وصف دقيق للحظة اشتعال المعنى.

غير أن فتنة البدايات لا تعود فقط إلى براعتها اللغوية، بل إلى طبيعتها الوجودية أيضا. فالبداية هي اللحظة التي يكون فيها كل شيء ممكنا. إنها زمن الاحتمال المفتوح. أما النهاية فهي زمن الضرورة لأن الأحداث تكون قد اتخذت مسارها، ولم يعد أمام الكاتب سوى أن يغلق الدائرة. ولذلك فإن البدايات تشبه الشباب في حياة الإنسان، بينما النهايات تشبه الشيخوخة. الشباب زمن الإمكانات اللامحدودة، أما الشيخوخة فهي زمن الحصيلة.

ويمكن أن يفهم من هذا لماذا ظلت البدايات في الذاكرة الأدبية أكثر حضورا من النهايات. فكم من قارئ يتذكر الجملة الأولى لرواية عظيمة، لكنه ينسى خاتمتها. إن الذاكرة البشرية نفسها تميل إلى الاحتفاظ بلحظة الانبثاق أكثر من لحظة الانطفاء. وقد لمح غاستون باشلار إلى هذا المعنى حين تحدث عن “شعرية البداية”، حيث رأى أن اللحظة الأولى تحمل طاقة تخيلية خاصة، لأنها تضع المخيلة في حالة انفتاح كامل.

في الواقع إن البداية ليست مجرد بداية للنص، بل هي بداية لعلاقة بين القارئ والكتاب. إنها لحظة اللقاء الأول، وكل لقاء أول يحمل في داخله قدرا من السحر لا يتكرر. فالقارئ يدخل النص وفي داخله فضول يشبه فضول المسافر الذي يطأ أرضا جديدة. ولهذا فإن الكاتب وهو يكتب الجملة الأولى، يكتب في الحقيقة لحظة هذا اللقاء.

وقد أدرك خورخي لويس بورخيس هذه الحقيقة حين قال إن الجنة إذا وُجدت فلا بد أن تكون مكتبة. غير أن المكتبة نفسها ليست إلا مجموعة من البدايات المحتملة. كل كتاب فيها يحمل وعدا بعالم جديد. والبدايات هي ما يمنح الأدب طاقته المتجددة، لأنها تفتح دائمًا باب المغامرة. لكن الأمر لا يتعلق بالقارئ وحده؛ فالبداية بالنسبة إلى الكاتب نفسه هي لحظة فريدة. إنها لحظة الخلق الأولى، حين يشعر الكاتب بأنه يضع الحجر الأول في بناء عالم كامل. وقد وصف غوستاف فلوبير هذه الحالة بقوله إن الجملة الأولى يجب أن تكون “صحيحة كقانون رياضي”. لم يكن يقصد الدقة اللغوية فقط، بل كان يشير إلى أن البداية تحمل في داخلها منطق النص كله.

إن النص الأدبي يشبه إلى حد بعيد الكائن الحي، والبداية فيه تشبه الخلية الأولى التي تتكاثر منها بقية الأعضاء. فإذا كانت الخلية الأولى قوية ومتماسكة، فإن الكائن كله ينمو في انسجام. أما إذا كانت ضعيفة فإن البناء كله يظل مهددا بالاختلال. ولهذا كان كبار الكتاب يقضون وقتا طويلاً في البحث عن جملتهم الأولى. ومع ذلك فإن فتنة البدايات لا تكمن في اكتمالها، بل في نقصها أيضا. فالبداية لا تقول كل شيء، بل تلمّح فقط. إنها تفتح الباب ولا تدخل بنا إلى النهاية. وهذا النقص هو سر قوتها، لأنه يوقظ في القارئ رغبة الاكتشاف. وقد أشار أمبرتو إيكو إلى هذا المعنى حين قال إن النص الأدبي الجيد هو “آلة كسولة” تتطلب من القارئ أن يشارك في إنتاج المعنى. والبداية هي أول دعوة لهذه المشاركة. إنها لحظة تعاقد خفي بين الكاتب والقارئ. الكاتب يعد القارئ بحكاية أو فكرة أو تجربة، والقارئ يقبل هذا الوعد ويواصل القراءة. غير أن هذا التعاقد لا يقوم على اليقين، بل على الاحتمال. فالقارئ لا يعرف بعد إلى أين سيقوده النص، لكنه يثق في أن البداية تحمل وعدا يستحق المتابعة. في المقابل، تبدو النهايات أقل سحرا لأنها لحظة انكشاف. فحين يصل القارئ إلى النهاية، يكون قد عرف معظم أسرار النص. الغموض الذي كان يغذي القراءة يتلاشى، والأسئلة التي كانت مفتوحة تجد أجوبتها. ولهذا فإن النهاية مهما كانت بارعة تظل أقل إثارة من البداية لأنها لحظة معرفة، بينما البداية لحظة دهشة. وقد عبّر مارسيل بروست عن هذه المفارقة حين قال إن الاكتشاف الحقيقي لا يتم في العثور على أراضٍ جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة. والبداية تمنح القارئ هذه العيون الجديدة، لأنها تضعه أمام عالم لم يألفه بعد. أما النهاية فهي عودة إلى الألفة، لأنها تكشف قواعد هذا العالم. ومع ذلك فإن الأدب العظيم يعرف كيف يحافظ على شيء من سحر البداية حتى في نهاياته. فالنهاية الجيدة ليست إغلاقا تاما، بل هي فتح لباب آخر. إنها تترك في ذهن القارئ أثرا يشبه الصدى، كأن النص لم ينتهِ تماما. وقد كان كافكا مثالا بارزا على هذا النوع من النهايات التي تظل مفتوحة على التأويل.

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلق بالبنية السردية وحدها، بل بطبيعة الإنسان نفسه. لماذا ينجذب الإنسان إلى البدايات أكثر من النهايات؟ ربما لأن الوجود الإنساني نفسه قائم على هذا التوتر بين البداية والنهاية. الإنسان يولد في لحظة لا يتذكرها، لكنه يقضي حياته كلها في محاولة فهمها. البداية في الحياة كما في الأدب، هي لحظة الغموض الأعظم. ولهذا فإن الأدب حين يحتفي بالبدايات، إنما يحتفي بسر الوجود نفسه. فكل بداية تحمل في داخلها وعدا بالعالم، وكل كلمة أولى هي محاولة لإعادة خلق هذا العالم من جديد. وربما لهذا قال بول فاليري إن الشاعر هو إنسان “يبدأ دائما من جديد”.

إن الأدب في جوهره فن البدايات المتجددة. فكل نص هو محاولة لبدء العالم مرة أخرى بالكلمات. وكل جملة أولى هي محاولة لالتقاط تلك اللحظة التي يتشكل فيها المعنى قبل أن يتحول إلى حكاية مكتملة. ولهذا فإن فتنة البدايات ليست مجرد تقنية أدبية، بل هي تجربة وجودية عميقة، تجربة الوقوف على حافة المجهول. وعلى هذه الحافة تحديدا يولد الأدب. لأن الكتابة نفسها ليست إلا بداية لا تنتهي، بداية تتكرر في كل نص وفي كل قراءة. فالقارئ حين يفتح كتابا جديدا يعيش لحظة البدء من جديد، كأنه يدخل للمرة الأولى إلى عالم اللغة. وتظل البدايات أكثر كثافة من النهايات، لأنها اللحظة التي يتجمع فيها المستقبل كله في نقطة واحدة. وهذه النقطة التي تبدو صغيرة في ظاهرها، هي في الحقيقة بؤرة الطاقة في النص. فيها يتحدد الإيقاع الأول وتتبلور النبرة التي ستقود السرد، ويتشكل المزاج العام الذي سيحكم العلاقة بين القارئ والعالم المتخيل. حيث إن البداية ليست مجرد افتتاح، بل هي لحظة تأسيس. إنها أشبه بما يسميه الفلاسفة لحظة الأصل، حيث يتقرر مصير البنية كلها. وإذا كان الأدب فن الزمن، فإن البداية هي لحظة انفجار هذا الزمن داخل اللغة. إنها اللحظة التي تتحول فيها الكلمات إلى أفق سردي مفتوح، وتتحول القراءة إلى رحلة. وربما لهذا السبب تظل البدايات أكثر إشعاعا من النهايات؛ لأنها اللحظة التي يشرق فيها المعنى للمرة الأولى، قبل أن يدخل في نظام الحكاية ويصبح جزءا من تاريخ النص.

وتُصور البدايات في الأدب على أنها أشبه بالينابيع الأولى للمعنى، تلك التي تنبع في أعالي الجبال قبل أن تتحول إلى أنهار طويلة. إن النهر مهما امتد لا يحمل في ذاكرته إلا لحظة انبثاقه الأولى. وكذلك النص الأدبي مهما طال يبقى مدينا لتلك اللحظة الأولى التي انطلقت فيها الكلمات نحو العالم. وفي تلك اللحظة تحديدا تكمن فتنة الأدب وسره العميق. لأن البداية ليست مجرد حدث لغوي بل هي وعد بالمعنى، وعد بالعالم، وعد بالحياة التي ستولد داخل الكلمات. ولهذا فإن القارئ كلما عاد إلى بداية نص عظيم، يشعر أنه يلتقي للمرة الأولى بذلك السر الذي يجعل الأدب ممكنا.

إذا كانت البدايات في الأدب تحمل ذلك القدر من الكثافة الذي يجعلها أشبه ببذرة مشحونة بكل إمكانات النص، فإن سر هذه الكثافة لا يعود فقط إلى موقعها الزمني في العمل الأدبي، بل إلى طبيعة الوعي الإنساني ذاته. فالإنسان منذ أقدم الأزمنة كان مأخوذا بسحر البداية، كما لو أن الوجود كله يتجدد في اللحظة التي انبثقت الحياة من العدم؟ إن هذا السؤال البدئي الذي يسكن الميثولوجيا هو نفسه السؤال الذي يتخفى في أعماق كل بداية أدبية. فالبداية ليست مجرد تقنية في الكتابة، بل هي إعادة تمثيل رمزي للحظة الخلق الأولى. إن الكاتب حين يضع جملته الأولى كأنه يستعيد على نحو رمزي تلك اللحظة الأسطورية التي انبثق فيها الكون من الفوضى. ولهذا فإن اللغة في البدايات تبدو غالبا مشحونة بنبرة تأسيسية كأنها تحاول أن تؤسس العالم من جديد بالكلمات. ولعل هذا ما جعل ميلان كونديرا يرى أن الرواية ليست سوى “استكشاف لما لم يُقل بعد عن الوجود الإنساني”. غير أن هذا الاستكشاف يبدأ دائما من تلك اللحظة الأولى التي يقرر فيها الكاتب أن يفتح باب العالم السردي.

إن الجملة الأولى في النص الأدبي ليست جملة بين جمل، بل هي إعلان عن ميلاد زمن جديد داخل اللغة. وقد تنبه ألبر كامو إلى هذا البعد حين افتتح رواية الغريب بعبارته الشهيرة: “اليوم ماتت أمي. وربما كان ذلك أمس، لا أدري”. هذه الجملة لا تقدم معلومة فحسب؛ إنها تفتح فضاءً كاملا من الغرابة الوجودية. إن القارئ يجد نفسه منذ اللحظة الأولى أمام عالم تختل فيه العلاقة المألوفة بين الإنسان والعاطفة والزمن. وتتحول بعدها البداية إلى صدمة جمالية توقظ الوعي.

إن هذه الصدمة هي ما يمنح البدايات طاقتها الخاصة. فالبداية الجيدة لا تقدم العالم للقارئ كما هو، بل تعيد تقديمه بطريقة مختلفة. إنها تزعزع الألفة وتفتح الباب أمام رؤية جديدة. وقد قال شكسبير في أحد تأملاته إن “الدهشة هي الشرارة الأولى للمعرفة”. وإذا كان هذا القول صحيحا في الفلسفة فهو أكثر صحة في الأدب؛ لأن الأدب يبدأ دائما من تلك الدهشة التي تجعل القارئ يشعر أن العالم لم يعد كما كان. غير أن فتنة البدايات لا تنبع فقط من قدرتها على إثارة الدهشة، بل من قدرتها أيضا على خلق الإيقاع الأول للنص. فكل عمل أدبي يمتلك نبرة خاصة، أشبه بالمفتاح الموسيقي الذي يحدد طبيعة اللحن. وهذه النبرة تتحدد غالبا في الجملة الأولى أو في الفقرة الأولى.

إن البداية ليست مجرد حدث لغوي، بل هي حدث إيقاعي أيضا. إنها اللحظة التي تتشكل فيها موسيقى النص. وقد أشار مارسيل بروست إلى هذا المعنى حين كان يؤكد أن الكتابة الحقيقية تبدأ من الإحساس بالإيقاع الداخلي للجملة. فالكاتب قبل أن يكتب الحكاية يشعر بإيقاعها. والبداية هي المكان الذي يتجسد فيه هذا الإيقاع لأول مرة. فإذا كان الإيقاع متماسكا منذ البداية، فإن النص كله يمضي في انسجام. أما إذا كان مرتبكا فإن هذا الارتباك يظل يلاحق السرد حتى نهايته. وتكاد تغدو البداية أشبه بضربة الوتر الأولى في مقطوعة موسيقية طويلة. إن العازف حين يضرب الوتر الأول يحدد النبرة التي سيبنى عليها اللحن كله. وكذلك الكاتب حين يكتب الجملة الأولى يحدد النبرة التي سيبنى عليها النص. وهنا يمكن فهم لماذا كان بعض الكتاب يقضون سنوات طويلة في البحث عن البداية المناسبة لأعمالهم.

لقد كان غوستاف فلوبير على سبيل المثال، يعتقد أن الجملة الأولى هي أصعب جملة في الرواية كلها. ولم يكن ذلك بسبب صعوبتها اللغوية فقط، بل لأنها تحمل عبء التأسيس. إن البداية ليست مجرد افتتاح بل هي إعلان عن عالم كامل. ولهذا فإن الكاتب يشعر وهو يكتبها، كما لو أنه يضع حجر الأساس في بناء طويل. ومع ذلك فإن سحر البدايات لا يكمن في قوتها فحسب، بل في هشاشتها أيضا. فالبداية هي اللحظة الأكثر عرضة للفشل. إنها المنطقة التي يمكن أن يضيع فيها النص قبل أن يبدأ فعليا. ولهذا فإن كثيرا من الأعمال الأدبية العظيمة مرت بمحاولات عديدة قبل أن تستقر على بدايتها النهائية. إن الكاتب وهو يبحث عن البداية، يشبه مسافرا يحاول العثور على الباب الصحيح للدخول إلى مدينة معقدة. غير أن هذه الهشاشة نفسها هي ما يمنح البداية جمالها الخاص. فالبداية تشبه الخطوة الأولى لطفل يتعلم المشي؛ خطوة مترددة لكنها تحمل في داخلها وعد الحركة. إنها لحظة توازن هش بين الصمت والكلام، بين الفراغ والامتلاء. ولذلك فإن الكاتب يشعر دائما بأن الجملة الأولى يجب أن تكون دقيقة كأنها حد السيف. وقد لاحظ خورخي لويس بورخيس أن الأدب في جوهره لعبة مع الزمن. غير أن هذه اللعبة تبدأ دائما من تلك اللحظة التي يقرر فيها الكاتب أن الزمن السردي قد بدأ. إن الزمن في الحياة يسير دون أن نسأل عنه، أما في الأدب فإنه يولد مع الجملة الأولى. فقبل هذه الجملة لا يوجد زمن روائي، بل مجرد صمت.

إن هذا الصمت الذي يسبق البداية هو جزء من سحرها. فكل نص أدبي يخرج من صمت طويل، والبداية هي اللحظة التي يتحول فيها هذا الصمت إلى كلام. وقد كان صمويل بيكيت يدرك هذه الحقيقة حين قال إن الكاتب يكتب “ضد الصمت”. غير أن هذا الصراع مع الصمت يبلغ ذروته في اللحظة الأولى، لأن الكاتب يقف حينها أمام الفراغ الكامل.

إن البداية هي لحظة شجاعة. إنها القرار الأول بأن العالم يمكن أن يُكتب. فالكاتب حين يضع الجملة الأولى يعلن أنه مستعد لمواجهة الفوضى بالكلمات. وهذه المواجهة ليست سهلة لأنها تتطلب قدرا من الثقة في قدرة اللغة على احتواء التجربة الإنسانية. لكن القارئ بدوره يعيش هذه اللحظة بشيء من الشغف الخاص. فالبداية بالنسبة إليه ليست مجرد مدخل للنص، بل هي وعد بالرحلة. إنها اللحظة التي يشعر فيها بأنه على وشك اكتشاف شيء جديد. ولهذا فإن القارئ وهو يقرأ الجملة الأولى يكون في حالة من الترقب الذي لا يتكرر لاحقا بنفس الدرجة. وقد أشار أمبرتو إيكو إلى أن القارئ يدخل النص وهو يحمل توقعات معينة. وهذه التوقعات تبدأ في التشكل منذ اللحظة الأولى. فالبداية ترسم الإطار الذي سيتحرك داخله الخيال. إنها تقدم للقارئ إشارات أولية حول طبيعة العالم الذي سيدخله: هل هو عالم واقعي أم رمزي؟ هل يسير وفق منطق الحياة اليومية أم وفق منطق الحلم؟.

غير أن البدايات الكبرى لا تقدم إجابات جاهزة؛ بل تفتح الأسئلة. إنها تضع القارئ في حالة من الفضول الذي يدفعه إلى متابعة القراءة. وهذا الفضول هو الطاقة الخفية التي تحرك النص. فكلما كانت البداية قادرة على إثارة الأسئلة كان النص أكثر قدرة على الاستمرار في ذهن القارئ. ولهذا فإن بعض البدايات الأدبية أصبحت جزءا من الذاكرة الثقافية للبشرية. فهناك جمل أولى تعيش في الذاكرة كما تعيش الأبيات الشعرية الخالدة. وهذه الجمل لا تكتسب خلودها لأنها جميلة لغويا فحسب، بل لأنها تختصر روح النص كله في لحظة واحدة.

إن البداية في هذه الحالة تصبح أشبه بمرآة تعكس العالم الأدبي بأكمله في صورة مكثفة. إنها مثل البذرة التي تحتوي الشجرة كاملة في داخلها. وربما لهذا السبب قال بول فاليري إن العمل الأدبي الحقيقي يمكن أن يُختصر في لحظته الأولى.

غير أن هذه الكثافة لا تعني أن النهاية بلا قيمة. فالنهاية هي اللحظة التي يكتمل فيها المعنى، لكنها تظل أقل إثارة لأنها تأتي بعد أن يكون القارئ قد قطع شوطا طويلا في النص. فالمفاجأة التي تحملها البداية لا يمكن أن تتكرر بنفس القوة في النهاية.

ولهذا فإن كثيرا من القراء يعودون إلى بدايات الكتب أكثر مما يعودون إلى نهاياتها. إنهم يعيدون قراءة تلك اللحظة التي انفتح فيها العالم لأول مرة. فالبداية ليست مجرد مدخل للنص، بل هي لحظة تأسيس لعلاقة عاطفية بين القارئ والكتاب.

إن الأدب يعيش في توتر دائم بين سحر البداية وهدوء النهاية. البداية هي لحظة الانفجار، والنهاية لحظة الترسيب. البداية تفتح الأفق والنهاية تغلقه. البداية تطرح السؤال والنهاية تقدم الجواب. غير أن الأدب العظيم يعرف كيف يحافظ على شيء من طاقة البداية حتى في نهاياته. فالنهاية الجيدة لا تبدو كأنها إغلاق نهائي، بل كأنها بداية أخرى كامنة. إنها تترك في ذهن القارئ شعورا بأن الحكاية يمكن أن تستمر خارج الكتاب. وهنا يظهر أحد أسرار الأدب الكبرى: أن النهاية الحقيقية للنص ليست في صفحته الأخيرة، بل في ذهن القارئ. فحين يغلق القارئ الكتاب، يبدأ النص في حياة جديدة داخل الذاكرة. وفي هذه الحياة الجديدة تتحول النهاية نفسها إلى بداية لتأمل آخر.

إن النص الأدبي في جوهره دائرة لا تنتهي. فكل نهاية تفتح باب بداية أخرى. وربما لهذا السبب قال بورخيس إن الكتب العظيمة تشبه المتاهات؛ كلما ظن القارئ أنه وصل إلى النهاية اكتشف أنه أمام بداية جديدة. وإذا تأملنا سر فتنة البدايات في الأدب وجدنا أنها ليست مجرد مسألة تقنية في صناعة النص، بل هي تعبير عميق عن طبيعة الوعي الإنساني نفسه. فالإنسان كائن يعيش على أمل البداية. إنه ينجذب دائما إلى اللحظة التي يظن فيها أن العالم يمكن أن يبدأ من جديد. ولهذا فإن الأدب حين يحتفي بالبدايات، إنما يحتفي بجوهر التجربة الإنسانية.

إن البداية في النص الأدبي تشبه الفجر في دورة الزمن. فالفجر ليس مجرد لحظة بين الليل والنهار، بل هو لحظة امتلاء بالأمل. إنه الزمن الذي تبدو فيه الأشياء وكأنها تولد من جديد. وكذلك البداية في الأدب؛ إنها اللحظة التي يولد فيها العالم السردي من رحم الصمت. إن الكاتب حين يكتب الجملة الأولى، لا يفتتح نصا فحسب، بل يفتح أفقا كاملاً من الإمكانات. إنه يضع القارئ أمام وعد بالحكاية ووعد بالمعنى ووعد بالتجربة. وكل وعد يحمل في داخله شيئا من المغامرة، لأن القارئ لا يعرف بعد إلى أين ستقوده الكلمات. ولعل هذا هو السر العميق الذي يجعل البدايات أكثر كثافة من النهايات. فالبداية هي لحظة الإمكان، أما النهاية فهي لحظة التحقق. والإمكان دائما أكثر غنى من التحقق، لأنه يحمل في داخله عددا لا نهائيا من الاحتمالات. أما التحقق فإنه يختار احتمالا واحدا فقط. ولهذا فإن الأدب بوصفه فن الإمكانات، يجد في البدايات مجاله الأوسع. فالبداية ليست مجرد خطوة أولى في الطريق، بل هي الطريق كله في حالته الأكثر نقاءً. إنها اللحظة التي لم تتحدد فيها المسارات بعد، ولم تتصلب فيها المعاني. إن سحر الأدب يكمن في قدرته على إعادة خلق لحظة البداية في كل قراءة. فالقارئ، حين يفتح كتابا للمرة الثانية، لا يعيش النص نفسه الذي عاشه في القراءة الأولى. إن البداية تعود لتفتح أمامه أفقا جديدا من المعنى.ويظل الأدب فن البدايات المتجددة. كل نص هو محاولة جديدة لبدء العالم بالكلمات. وكل قراءة هي بداية أخرى للنص نفسه. ولهذا فإن الأدب لا يشيخ، لأن البدايات فيه لا تنتهي.

إن النهاية قد تغلق الكتاب، لكنها لا تستطيع أن تغلق الأفق الذي فتحته البداية. فذلك الأفق يظل ممتدا في الذاكرة وفي الخيال وفي التجربة الإنسانية كلها. وربما لهذا السبب ظل الأدب منذ أقدم العصور، أحد أعمق أشكال التعبير عن شغف الإنسان بالبداية. ففي كل بداية أدبية يتجدد حلم الإنسان القديم: أن يعيد كتابة العالم وأن يمنح الوجود معنى جديدا بالكلمات. ولهذا تبقى اللحظة الأولى في الأدب أكثر كثافة من النهايات، لأنها اللحظة التي يولد فيها المعنى للمرة الأولى، وتولد معها الدهشة التي تجعل القراءة ممكنة، والحياة نفسها جديرة بأن تُروى.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى