أحداثإعلام

صحافة تصنع الصابون من جثث البشر

محمد منير. جريدة الأهرام. مصر

محمد منير

في عام 1917 نشرت صحيفة “ذي تايمز” البريطانية تقريرًا صادمًا تناقلته لاحقًا صحف أوروبية وأمريكية عديدة، زعم التقرير أن الجيش الألماني يمتلك منشأة سريةً يُحوِّل فيها جثث الجنود القتلى إلى دهون تُستخدم في صناعة الصابون.

 

استند التقرير إلى ما قيل إنها وثائق استخباراتية ومعلومات من مصادر عسكرية، وانتشر بسرعة هائلة في الصحافة الغربية، وقد أسهمت هذه الرواية في ترسيخ صورة ألمانيا آنذاك باعتبارها دولة “همجية”، وساعدت في تعبئة الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة ضدها خلال الحرب العالمية الأولى.

صورة لجثث جنود ألمان استغلتها المخابرات البريطانية للترويج لقصة مصنع الجثة الألماني

لكن ما بعد الحرب أظهرت التحقيقات أن الرواية مضللة، وتحولت القصة إلى مثال كلاسيكي يُستشهد به في تاريخ الإعلام بوصفها نموذجًا لانحراف الصحافة حين تتداخل مع الأجندات السياسية، وحين تصبح الحرب سوقًا مفتوحة للتضليل والتشويه وصناعة السرديات.

غير أن هذه القصة، على فجاجتها، لم تكن سوى فصل واحد من تاريخ طويل شهد لحظات كثيرة تخلت فيها الصحافة عن قواعدها المهنية وأخلاقياتها عندما تداخلت مع الأجندات السياسية. فمن يراجع تاريخ الإعلام الغربي يدرك أن التضليل لم يكن حادثًا نادرًا، بل نمط تكرر كلما تحولت الصحافة من شاهد على الحدث إلى شريك في صياغته.

ففي بريطانيا عام 1924 نشرت صحيفة “ديلي ميل” ما عُرف بـ”رسالة زينوفييف”، وقدمتها على أنها وثيقة سوفيتية سرية تدعو الشيوعيين في بريطانيا إلى إثارة الفوضى داخل الجيش، قبل أن يتبين لاحقًا أنها وثيقة مزورة ساهمت في تضليل الرأي العام.

وفي رومانيا عام 1989 عرضت وسائل إعلام أوروبية وأمريكية صور جثث من مدينة تيميشوارا على أنها ضحايا مجزرة حديثة ارتكبها النظام، فأثارت صدمة عالمية. لكن التحقيقات كشفت لاحقًا أن الجثث أُخرجت من المشرحة، وأن الصور مضللة.

وحتى داخل المؤسسات الصحفية الغربية نفسها ظهرت نماذج صادمة لصحفيين وإعلاميين فقدوا ضمائرهم الصحفية. فقد اكتُشف أن الصحفي جيسون بلير في صحيفة “ذي نيويورك تايمز” كان يختلق وقائع ومصادر غير حقيقية لتحقيقاته الصحفية، وأن ستيفن غلاس في مجلة ” ذا نيو ريببلك” اخترع شخصيات وأحداثًا وروايات كاملة لموضوعاته الصحفية، بينما لفّق الصحفي الألماني كلاس ريلوتيوس في مجلة “دير شبيغل” تقارير وقصصًا إنسانية مؤثرة لم تقع أصلًا.

هكذا لا تبدو هذه الوقائع مجرد أخطاء متفرقة، بل حلقات في تاريخ طويل يثبت أن الإعلام، حين يفقد ضميره المهني، لا يكتفي بتشويه الحقيقة، بل قد يشارك أحيانًا في صناعة الكذبة نفسها، ثم يترك العالم ليدفع ثمنها.

وإذا كان التاريخ قد كشف أن الصحافة قد تنزلق أحيانًا إلى التضليل في أوقات الأزمات، فإن ما نشهده اليوم في التغطيات الإعلامية الغربية التي تحاول أن ترسم صورة قاتمة لمنطقة الخليج، وتحديدًا لدولة الإمارات العربية المتحدة، وكأن المنطقة بأسرها تعيش حالة انهيار شامل، يعتبر امتدادًا لسلسلة التضليل الإعلامي الذي انتهجها الإعلام الغربي عبر تاريخه دعمًا لأجندات سياسية ممنهجة.

ففي الأيام الأخيرة، ومع تصاعد التوترات والهجمات الإيرانية في المنطقة، سارعت بعض وسائل الإعلام الغربية إلى تقديم سردية توحي بأن الإمارات تعيش حالة فوضى أو دمار واسع، وأن الحياة فيها قد انتهت. غير أن هذه الرواية الإعلامية تصطدم بواقع مختلف تمامًا يعرفه الملايين ممن يعيشون على أرض الإمارات أو يزورونها.

فالتقارير المصورة التي يبثها السكان والمقيمون والزائرون من مختلف مدن الدولة تكشف صورة مختلفة تمامًا، حيث الشوارع التي تحفظ إيقاع الحياة في هدوئه الطبيعي، مؤسسات تمضي في أعمالها بكفاءة وثبات، ووجوه تتجه إلى يومها بلا ارتباك، ثمة هدوء عام وثقة متراكمة وإحساس راسخ بأن الاستقرار هنا ليس شعارًا يُرفع، بل واقع يُعاش، وهذه هي الحقيقة التي لا تستطيع أكثر السرديات صخبًا أن تطمسها، فالحياة الطبيعية هنا تهزم كل الروايات الكاذبة.

بل إن المفارقة الأكثر دلالة ظهرت عندما أعلنت عدة دول إرسال طائرات لإجلاء رعاياها من المنطقة، وعادت بعض تلك الطائرات شبه خالية من الركاب، لأن كثيرًا من المقيمين فضّلوا البقاء في الإمارات، لم يكن القرار تعبيرًا عن تجاهل للخطر، بل انعكاس لشعور عميق بالأمان في دولة استطاعت خلال عقود قليلة أن تبني منظومة أمنية واقتصادية واجتماعية جعلتها واحدة من أكثر الدول استقرارًا في المنطقة.

هنا تتضح القضية الأعمق، وهي الصراع على السردية، فالدول في عالم اليوم لا تتنافس فقط في الاقتصاد أو السياسة، بل أيضًا في الصورة التي تُرسم عنها في الإعلام. وعندما تنجح دولة في تقديم نموذج تنموي مختلف، كما حدث مع الإمارات، فإنها تدخل تلقائيًا في معركة غير معلنة حول تفسير هذا النجاح.

لكن التجربة الإماراتية دائمًا تثبت أن السرديات الإعلامية، مهما كانت صاخبة، لا تستطيع بسهولة أن تمحو واقعًا يراه الناس بأعينهم. فالمجتمعات التي تعيش الاستقرار الحقيقي لا تحتاج إلى بيانات للدفاع عن نفسها، يكفي أن ينظر العالم إلى شوارعها ومطاراتها ومدارسها وأسواقها وفنادقها ليعرف أن الحقيقة كثيرًا ما تكون أبسط بكثير من الروايات التي تُكتب بعيدًا عنها.

وقد لخص المؤرخ البريطاني بول كينيدي هذه الحقيقة في كتابه الشهير “صعود وسقوط القوى العظمى” حين أوضح أن الصراع بين الدول لم يكن يومًا عسكريًا فقط، بل كان دائمًا صراعًا على السردية، والصورة، والتأثير.

وبهذا المعنى، فإن قراءة بعض الخطابات الإعلامية في أوقات الأزمات لا ينبغي أن تتم بمعزل عن هذا السياق الأوسع، سياق التنافس على السردية العالمية، فحين تتداخل السياسة بالإعلام، لا يعود الخبر مجرد واقعة تُروى، بل يصبح جزءًا من معركة تدور حول من يملك القدرة على تعريف الواقع نفسه.

وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في بعض السرديات الإعلامية أنها تسيء إلى دولة بعينها، بل إنها تحاول أن تصادر من العالم حقه في رؤية الحقيقة كما هي، غير أن النماذج الحقيقية لا تسقط بسهولة بضجيج العناوين، فالدولة التي تبني واقعًا صلبًا وتراكم إنجازًا حقيقيًا تستطيع أن تواجه السرديات الزائفة بثقة الواقع نفسه، لأن الكلمة، مهما ارتفعت، تبقى أضعف من الحقيقة حين تكون حيّة على الأرض، في دولة تتحول فيها الصواريخ البالستية إلى ألعاب نارية، والطائرات المسيرة إلى مجرد خبر عابر في نشرات المساء.

فالتاريخ لا ينسى أن الصحافة الزائفة بدأت من الغرب ثم انتقلت إلى العالم، منذ تسعينيات القرن التاسع عشر حين اشتعلت في نيويورك منافسة حادة بين صحيفتي “نيويورك وورلد” و”نيويورك جورنال”، وفي قلب هذا الصراع ظهرت شخصية كرتونية ابتكرها الرسام ريتشارد أوتكولت لطفل فقير يرتدي قميصًا أصفر فضفاضًا عُرف باسم “ذا يلو كيد”، وكان الرسام يكتب عباراته الساخرة على القميص الأصفر الذي يرتديه الطفل، لتصبح الشخصية أداة لالتقاط نبض الشارع والتعليق على فقر المدينة وجريمتها وتناقضاتها إلى جوار القصص المثيرة والعناوين الصاخبة، حتى غدا الطفل الأصفر رمزًا لأسلوب صحفي يقوم على جذب الجمهور بالإثارة.

ومن هنا وُلد مصطلح “الصحافة الصفراء”، قبل أن ينتقل هذا الأسلوب لاحقًا إلى الصحافة البريطانية مع صعود الصحف التي تعتمد على الإثارة مثل صحيفة “ديلي ميل”، لتصبح عنوانًا عالميًا لكل صحافة ترفع الضجيج والزيف فوق الحقيقة.

كلمة أخيرة:

ربما كان الإعلام الغربي اليوم أحوج ما يكون إلى غسل ضميره، لكن ليس بالصابون الذي قيل يومًا إنه صُنع من جثث البشر، بل بماء الحقيقة الذي لا ينبع إلا حين تستعيد الصحافة رسالتها الأولى، فتكون شاهدة على الواقع لا صانعة للأوهام، وتنحاز للحقيقة لا لضجيج الصراع، فالحقيقة وحدها قادرة على أن تُطهر ذاكرتنا من ركام السرديات المصنوعة، وأن تعيد الصحافة إلى مقامها الأول والأصيل: ضميرًا للعالم، لا صدىً لصراعاته.

mhmd

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى