أحداثأدبإعلام

المجاز بوصفه رؤية للعالم: كيف يعيد الأدب تشكيل الواقع بالخيال؟

د. حمزة مولخنيف 

الأدبُ خلقٌ ثانٍ للعالم وولادةٌ أخرى للمعنى تحت سلطان اللغة. والواقعُ مهما بدا واضحَ الملامح يظلّ ناقصَ الإفصاح مكتومَ الأسرار عصيا على الإدراك الكامل ما دام أسيرَ ظاهره المباشر. ينهض المجازُ بوصفه طاقةً كاشفة لا تُجمّل العبارة بقدر ما تُنقّب عمّا استتر وراءها، وتُخرج من صمت الأشياء نداءَها الباطني وتردّ الكائنات إلى حقيقتها الأعمق بعد أن استهلكتها العادةُ وأطفأت دهشتَها. فالكلمة الأدبية الكبرى لا تنقل العالم نقلا جامدا بل تعيد سبكَه وتبدّل نسب الضوء داخله وتفتح للوعي مسالكَ جديدةً نحو ما تعجز اللغة العادية عن القبض عليه.

د. حمزة مولخنيف. المملكة المغربية

المجاز ليس زينةً بلاغيةً عابرة ولا مهارةً أسلوبيةً تُقاس بمقدار البراعة اللفظية، بل هو هيئةُ الفكر ساعةَ يجاوز حدود التسمية المألوفة وهو صورةُ الروح ساعةَ تضيق بها العبارةُ المباشرة، وهو أداةُ الأدب الكبرى لانتزاع الحقيقة من تكلّسها اليومي. فكم من معنىً يبقى خامدا ما لم يتحوّل إلى صورة، وكم من تجربةٍ تظلّ مبهمةً ما لم تجد مجازَها الضروري، وكم من واقعٍ يبدو مألوفا حتى تأتيه الكتابةُ فتخلخل صلابته وتكشف ما تراكم داخله من طبقاتٍ خفيّة. هنا يغدو الخيالُ ضربا من المعرفة وتغدو الكتابةُ فعلا من أفعال الكشف ويغدو الأدبُ سلطةً رمزيةً قادرةً على أن تجعل المرئيَّ أوسعَ من مرآه والمألوفَ أغنى من اسمه والإنسانَ أعمقَ من صورته العابرة.

من أجل ذلك كلّه ينهض السؤال عن المجاز بوصفه سؤالا عن ماهية الأدب ذاتها وعن الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الواقع عبر نار الخيال. فالنصّ العظيم لا يكتفي بسرد الوقائع بل يمنحها قدرا من الكثافة يجعلها تتجاوز حدودها، ولا يصف الأشياء كما تبدو للعين المجرّدة بل يهبها حياةً أخرى داخل الوعي فتغدو العلامةُ قدرا والشيءُ رمزا والحادثةُ أفقا دلاليا مفتوحا على تأويلاتٍ لا تنفد. وعند تلك العتبة يبدأ الأدب الحقّ، لحظةَ تصير اللغةُ أكثر من وسيلة ويصير المجازُ أكثر من صورة ويصير العالمُ نفسُه مادةً قابلةً لإعادة الخلق تحت يد الكاتب لا على سبيل الهروب منه بل على سبيل بلوغ جوهره الأشدّ رسوخا والأبعد أثرا والأغنى معنىً.

المجاز بوصفه رؤيةً للعالم لا يُفهم على أنّه زينةٌ أسلوبية تُضاف إلى الكلام بعد اكتماله ولا على أنّه حيلةٌ بلاغية تُستدعى لتلطيف العبارة أو تجميل المعنى، بل هو في جوهره طريقةٌ في الوجود داخل اللغة وطريقةٌ في إدراك العالم قبل أن يكون طريقةً في وصفه. فالأدب لا يكتفي بأن ينقل الواقع من الخارج إلى الصفحة ولا يرضى بأن يضع الأشياء في مرآة باردة تعكسها كما هي، وإنما يتقدّم إلى الواقع بوصفه مادةً خاما للمعنى ثم يعيد سبكه في أتون الخيال حتى يغدو العالم، بعد المرور عبر اللغة أكثر كثافةً ووضوحا وعمقا مما كان عليه قبل أن يُكتب. ولهذا لم يكن المجاز في تاريخ الفكر الأدبي مجرّد أداة بل كان دوما قرينةً على أنّ الإنسان لا يسكن الأشياء مباشرة وإنما يسكن صورها وتأويلاتها وعلاقاتها الرمزية. ومن هنا نفهم لماذا رأى أرسطو في كتابه فن الشعر أن «أعظم ما في الأمر أن يكون للكاتب سلطانٌ على المجاز»، وأن هذا السلطان «علامةُ العبقرية» لأن حسن المجاز يقوم على «إدراك أوجه الشبه بين المتباعدات». فالمجاز ليس لعبا باللغة بل بصيرةٌ تكشف ما لا يظهر للحسّ العادي وتصل بين ما يبدو متباعدا لتُظهر وحدةً خفيةً في نسيج الوجود

إنّ الواقع كما يعيشه الإنسان ليس كتلةً صمّاء من الوقائع بل هو دائما واقعٌ مؤوَّل. نحن لا نرى العالم كما هو في ذاته بل كما تسمح لنا لغاتنا وصورنا ورموزنا أن نراه. وحين يدخل الأدب إلى هذا المجال فإنه لا يضيف إلى الواقع طبقةً من التخييل فحسب، بل يكشف أن ما نسميه «واقعا» ليس بريئا من الخيال أصلا. فالمدينة ليست حجارةً وشوارع فقط بل هي أيضا استعاراتٌ للحلم والضياع والسلطة والحنين. والبحر ليس ماءً ممتدا فحسب بل هو في الوعي الأدبي ذاكرةُ الانفتاح والمجهول والمصير. والليل ليس تعاقبا فلكيّا بل قد يغدو في بيتٍ شعريٍّ واحد وطنا للعزلة أو رحما للتأمل أو مرآةً للعدم. إن الأدب لا يخترع هذه الدلالات من فراغ، بل يستخرج من صمت الأشياء طاقاتها الرمزية، ويحرّر الواقع من سجنه الحسيّ الضيّق، فيصير الشيء أكثر من ذاته، وحين يصير الشيء أكثر من ذاته يبدأ الأدب.

في هذا المستوى يغدو المجاز جهازا معرفيا لا مجرد جهاز تعبيري. فالمعرفة التي يمنحها الأدب ليست معرفةً تقريريةً من جنس ما تمنحه العلوم، وليست قائمةً على المطابقة الحرفية بين اللفظ والشيء بل على ما يمكن تسميته «الحقيقة بالكشف». إن العلم يشرح كيف تعمل الظواهر، أما الأدب فيكشف كيف تُعاش. العلم يقول لك ما المطر، أما الشعر فيجعلك ترى كيف يمكن للمطر أن يكون حزنا نازلا من السماء أو ذاكرةً سائلةً تهبط على قلب المدينة. وهنا تكمن خطورة المجاز وجلاله معا، إنه لا يصف الانفعال فحسب بل يصنع له صورةً قابلةً للإدراك. لذلك كان بول ريكور من أكثر الفلاسفة تنبّها إلى هذه القوة الخلّاقة في اللغة حين رأى أن الاستعارة الحية لا تعمل على مستوى الكلمة المفردة وحدها، بل على مستوى الخطاب كله وأنها تمتلك قدرةً على «إعادة وصف الواقع» أو «إعادة تشكيله دلاليا». فالحقيقة الشعرية في نظره ليست كذبا أنيقا بل نمطٌ آخر من الإحالة إلى العالم، إحالةٌ لا تنقل الموجود كما هو بل تفتح «إمكانا للوجود في العالم» لم يكن مرئيا قبل التشكيل المجازي

إن السؤال كيف يعيد الأدب تشكيل الواقع بالخيال؟ هو في حقيقته سؤالٌ عن ماهية الخيال نفسه. فالخيال في التجربة الأدبية ليس نقيضا للواقع ولا مهربا منه ولا قناعا يُلبس له، بل هو الطاقة التي تسمح للوعي بأن يرى في الواقع ما لا يقدّمه الواقع على سطحه. الخيال ليس خروجا من العالم بل دخولا أعمق فيه. ولهذا كان كبار الشعراء والروائيين أشبه بمنقّبين عن المعنى المطمور في طبقات الحياة اليومية. إنهم لا يبتعدون عن الواقع إلا بقدر ما يقتربون من جوهره. حين يقول المتنبي: «الخيل والليل والبيداء تعرفني»، فهو لا يصف معطياتٍ خارجيةً فحسب، بل يعيد تشكيل ذاته داخل شبكة من الرموز التي تجعل الفروسية والليل والصحراء، علاماتٍ على هويةٍ وجودية تتجاوز الشخص إلى نموذج الإنسان المتعالي على الخوف. وحين يجعل محمود درويش من الأرض أما ومن المنفى جرحا لغويا فهو لا يستعير صورا جميلةً فقط، بل يحوّل التجربة التاريخية إلى مصيرٍ كونيٍّ يمكن للإنسان أن يتعرّف فيه إلى غربته الخاصة. الأدب هنا لا ينسخ العالم بل يرفعه إلى مستوى المثال الكاشف. ولذلك فإن المجاز لا يعمل في النص الأدبي بوصفه تفصيلا محليا معزولا، بل بوصفه منطقا شاملا للرؤية.

قد تكون القصيدة كلها استعارةً كبرى وقد تكون الرواية برمّتها بناءً مجازيا يتجاوز أحداثها وشخصياتها إلى تمثيل عالمٍ أوسع. يكفي أن نتأمل كيف تحوّلت «الطاعون» عند كامو من مرضٍ إلى استعارةٍ للشرّ الجماعي والعبث والمحنة الأخلاقية أو كيف غدت «المحاكمة» عند كافكا صورةً كابوسيةً لسلطةٍ بلا وجه أو كيف صار «موبي ديك» عند ملفيل مطاردةً ميتافيزيقيةً للمطلق في هيئة حوت. هذه الأعمال لا تُقرأ بوصفها حكايات فحسب بل بوصفها أنظمةً رمزيةً تشتغل فيها الوقائع على مستويين: مستوى السرد ومستوى الرؤية. وهذا هو عين المجاز العميق، أن يكون النص شيئا وأن يعني أكثر من ذلك الشيء في الوقت نفسه.

إن القارئ العادي قد يظن أن المجاز يبتعد عن الحقيقة لأنه يبتعد عن المباشرة غير أن التجربة الجمالية تُثبت العكس. كثيرا ما تكون العبارة الحرفية أفقر من أن تحمل التجربة، وكثيرا ما يكون المجاز أصدق من الوصف المباشر لأنه يلتقط البنية الشعورية الخفية للخبرة. قد تقول: «أنا حزين»، فتكون قد أخبرتَ عن حالة. لكنك إذا قلت: «في صدري شتاءٌ لا ينتهي»، فإنك لا تخبر عن الحزن فقط بل تمنح الحزن هيئةً محسوسةً وتحوّله من خبرٍ ذهني إلى عالمٍ يمكن أن يُرى ويُلامس ويُعاش. هنا لا يكون المجاز ترفا بل ضرورة، لأن بعض المعاني لا تظهر إلا إذا خرجت من حدود المفهوم إلى فسحة الصورة. ولذلك كان نورتروب فراي يرى أن الأدب يتكلم «لغة الخيال»، وأن دراسة الأدب إنما تُدرّب هذا الخيال وتُنمّيه بل ذهب إلى أن «عالم الأدب هو عالم لا واقع فيه إلا واقع الخيال الإنساني». وهذه العبارة على عمقها لا تعني أن الأدب ينفصل عن الحياة بل تعني أن ما يمنح الأدب واقعيته الخاصة هو قدرته على خلق عالمٍ دلاليٍّ مستقلٍّ، عالمٍ قد لا يكون موجودا في الطبيعة لكنه موجودٌ بأشدّ الصور كثافةً في التجربة الإنسانية

لهذا السبب أيضا لا ينبغي أن ننظر إلى المجاز بوصفه شأنا لغويا صرفا. إن له بعدا أنطولوجيا وسياسيا وثقافيا في آن. فالمجتمعات تعيش داخل مجازاتٍ كبرى بقدر ما تعيش داخل مؤسسات. الأمة قد تُرى جسدا والسلطة قد تُرى أبا والتاريخ قد يُرى نهرا والهوية قد تُرى جذرا أو جناحا. هذه المجازات لا تصف العالم فقط بل تنظّم علاقتنا به وتوجّه أحكامنا وتُنتج إمكانات الفعل داخله. وهنا يتقاطع الأدب مع الفكر على نحوٍ حاسم، الأدب العظيم لا يكرّر المجازات الجاهزة التي رسّختها السلطة أو العادة، بل يزعزعها ويستبدل بها مجازاتٍ أخرى أكثر تحررا وخصوبة. إنه لا يقول لك فقط ما الذي يحدث بل يغيّر اللغة التي بها تفهم ما يحدث. ومن يغيّر اللغة التي نفهم بها العالم، يغيّر العالم نفسه على مستوى الوعي وهذا أعمق أشكال التغيير. ولعل هذا ما يفسّر لماذا كانت اللحظات الكبرى في تاريخ الأدب مقترنةً دائما بتحوّلات في صورة الإنسان عن نفسه.

الرومانسية لم تكن مجرد مدرسةٍ في التعبير العاطفي بل كانت انقلابا في مجاز الطبيعة، لم تعد الطبيعة مشهدا خارجيا بل صارت مرآةً للروح. والحداثة لم تكن مجرد كسرٍ للأوزان والأشكال، بل كانت تفجيرا للمجازات القديمة التي لم تعد قادرةً على حمل خبرة الإنسان الممزق في المدينة والتقنية والحرب. أما ما بعد الحداثة فقد زعزعت الثقة في المجاز الواحد الجامع ودفعت نحو تشظية الصور وتكاثر المرايا حتى غدا الواقع نفسه شبيها بنصٍّ متنازعٍ على تأويله. في كل هذه التحولات لم يكن المجاز تابعا للتاريخ بل كان أحد محرّكاته الخفية، لأن تحوّل الحساسية يبدأ غالبا بتحوّل الصورة التي نرى بها العالم.

والأدب العربي في تراثه وحداثته يقدّم أمثلةً باهرة على هذه القدرة التشكيلية للمجاز. فالقصيدة الجاهلية لم تكن تصف الأطلال بوصفها أحجارا مهجورة، بل كانت تجعل منها بنيةً وجوديةً للفقد والزمن والذاكرة. والتصوف الإسلامي عند ابن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج وابن سبعين، لم يستخدم مجازات الحب والخمر والنار والبحر للتعمية أو الإغراب، بل لأن التجربة الروحية نفسها أوسع من أن تُحاط بلغةٍ تقريرية. إن العشق الإلهي لا يُقال إلا من خلال صورٍ تنقل الوجدان من المرئي إلى اللامرئي. وحين يقول الحلاج ما معناه إن المحبة نارٌ تأكل ما سوى المحبوب، فهو لا يشرح عقيدةً بل يكشف هيئةً من هيئات الوجود. وكذلك فعل الشعر الحديث حين جعل من الجسد وطنا ومن الوطن جرحا ومن المنفى زمنا مكسورا ومن اللغة بيتا أخيرا للكائن المهدّد. هنا يصبح المجاز تاريخا باطنيّا للأمة لا مجرد صنعةٍ بيانية.

إن أخطر ما يفعله الأدب بالمجاز أنه يخلخل ثقتنا الساذجة في «الواقع المعطى». فهو يعلّمنا أن ما يبدو طبيعيا قد يكون مصنوعا وأن ما يبدو ثابتا قد يكون مجرد عادةٍ في النظر. الرواية العظيمة لا تمنحك أحداثا فقط، بل تدرّبك على الشكّ في بديهياتك وتفتح في وعيك نوافذ لم تكن موجودة. ولهذا فالقارئ الحقيقي لا يخرج من العمل الأدبي كما دخله. إنّه يخرج وقد تبدّلت نسبة الضوء في الأشياء. الشجرة التي كانت شجرةً فقط تصير ذاكرةً أو عزلةً أو شموخا. الطريق الذي كان مسافةً يصير مصيرا. الوجه الذي كان ملامح يصير نصا من الندوب والصمت والرغبات. هذه التحوّلات لا تقع في العالم الخارجي مباشرة لكنها تقع في جهاز الإدراك الذي به نتعامل مع العالم. وما يتغيّر في الإدراك يتغيّر، عاجلا أو آجلا في السلوك والاختيار والحكم.

إن المجاز ليس ملحقا بالأدب بل هو قلبه النابض وليس لأنه أجمل من العبارة الحرفية فحسب، بل لأنه أقدر منها على القبض على الحقيقة الإنسانية في تعقيدها وتوترها وغموضها. إن الإنسان كائنٌ لا يكتمل في الوصف المباشر لأن حياته نفسها ليست معطىً بسيطا، بل شبكةٌ من الذكريات والرغبات والمخاوف والأحلام والانكسارات. وحين يعجز الواقع عن أن يشرح نفسه يتدخل الأدب لا لكي يكذّبه بل لكي يمنحه لسانا أعمق. ومن هنا تنبع عظمة المجاز، إنه لا يهرب من العالم بل ينقذه من ابتذاله. لا يستبدل الحقيقة بالخيال بل يكشف أن الخيال أحد الأسماء الكبرى للحقيقة حين تبلغ من التعقيد ما يجعل العبارة المباشرة عاجزةً عن حملها.

غير أنّ الحديث عن المجاز بوصفه رؤيةً للعالم لا يكتمل ما لم ندرك أن الأدب لا يعيد تشكيل الواقع من خارج التجربة الإنسانية، بل من قلبها الملتهب. فالمجاز ليس جسرا بين لفظٍ ولفظ، بل هو جسرٌ بين حالةٍ ووجود، بين شعورٍ خام وصيغةٍ قابلةٍ للإدراك. إنّ ما يفعله الأديب الحقيقي ليس أن يبتكر صورةً بديعةً فحسب، وإنما أن يمنح التجربة هيئةً رمزيةً تجعلها أوسع من صاحبها وأبقى من لحظتها وأقدر على عبور الأزمنة والوجوه. ولهذا ظلّت الأعمال الأدبية الكبرى حيّةً لأنّها لم تكتفِ بتسجيل ما وقع بل استطاعت أن تُخرج من الواقعة معناها الكامن، وأن ترفع العابر إلى مقام الكوني. وما الكوني في الأدب إلا هذا القدر من المجاز الذي يجعل الإنسان يرى في جرح الآخر صورةً من جرحه وفي حنين الغريب صدىً لحنينه وفي انكسار الشخصية المتخيَّلة انعكاسا لانكساراته التي لم يجد لها اسما.

وهنا يغدو المجاز قرينا للذاكرة بقدر ما هو قرينٌ للخيال. فالذاكرة نفسها لا تعمل بطريقةٍ حرفية، ولا تحفظ الحياة كما تحفظ الآلة أرشيفا صامتا. إنّها تعيد ترتيب ما مضى وتُبرز منه ما كان خفيا وتُضعف ما كان صارخا وتلوّنه بألوان الحاضر ثم تعيد تقديمه في صورةٍ جديدة. ولذلك فإنّ الإنسان حين يتذكّر إنما يمارس شكلا أوليا من المجاز، وما الأدب إلا التجلّي الأعلى لهذا النشاط. إنّ الطفولة مثلا، لا تصير في النصوص العظيمة باعتبارها مرحلةً زمنيةً منتهية، بل باعتبارها استعارةً للفقد الأول أو للفردوس الضائع أو للبراءة التي أفسدها الزمن. والبيت القديم لا يعود جدرانا وأثاثا بل يعود بوصفه صورةً للدفء الذي لا يُستعاد أو بوصفه جرحا معماريا يسكن الوجدان. وقد تنبّه غاستون باشلار في جماليات المكان إلى هذه الحقيقة حين جعل البيت والعليّةوالقبو والنافذة والدرج، فضاءاتٍ تتجاوز مادّتها الهندسية لتغدو أشكالا من أشكال الحلم والحميمية والذاكرة المتخيلة. المكان في الأدب ليس موضعا فحسب بل بنيةٌ شعورية، والمجاز هو الذي يمنح المكان هذه القدرة على أن يصير داخلا لا خارجا، روحا لا مساحة.

وهذا ما يفسّر أن الرواية الحديثة لم تعد تنظر إلى العالم بوصفه سلسلةً من الأحداث القابلة للقصّ، بل بوصفه شبكةً من العلامات التي لا تُفهم إلا من خلال تداخل الأزمنة والأصوات والرموز. فحين يكتب بروست عن الزمن المفقود لا يكتب سيرةً استرجاعيةً بالمعنى البسيط، وإنما يجعل من الذاكرة نفسها مسرحا للمجاز، بحيث تصبح قطعةُ الحلوى أو رائحةُ الشاي مفاتيحَ لعوالم مطمورة لا تُستعاد بالاستدعاء الإرادي بل بالشرارة الحسية التي تفجّر الوجود الغابر في الحاضر. إنّ الأشياء الصغيرة في الأدب لا تظلّ صغيرة لأنها تدخل في اقتصادٍ رمزيٍّ يجعل التفصيل اليومي بابا إلى المطلق. وهذا أحد أسرار المجاز، أن يعثر على اللامتناهي في المتناهي وأن يجعل من الجزئيّ العابر علامةً على كلّ ما يتجاوز حدوده. الأدب لا يضخّم الأشياء بل يوقظ ما فيها من كثافةٍ كانت العين العادية تمرّ عليها دون أن تراها.

ولعلّ هذا هو المعنى العميق لما قاله بودلير في حديثه عن «مراسلات» الكائنات والأشياء، حيث لا يكون العالم مجموعَ موضوعاتٍ منفصلة، بل غابةً من الرموز يمرّ فيها الإنسان بين إشاراتٍ تهمس إليه من وراء الظاهر. إنّ الشاعر عند بودلير لا يخلق تلك المراسلات من عدم، بل يلتقطها ويجعلها مرئيةً عبر اللغة. والعالم في هذه الرؤية ليس واقعا مكتملا في ذاته، بل نصٌّ كونيٌّ مكسور يحتاج إلى من يُعيد وصل شظاياه. ولهذا يكون المجاز فعلَ إنقاذٍ للمعنى في زمن التشتت. فإذا كانت الحياة اليومية تستهلك الأشياء حتى تفقد دهشتها، فإن الأدب يعيد إليها فرادتها الأولى ويحرّرها من الاعتياد. وهذا ما قصده الشكلانيون الروس وفي طليعتهم شكلفسكي، حين تحدّثوا عن وظيفة الفن في «جعل الحجر حجريا»، أي في إعادة الإحساس بالأشياء بعد أن ابتذلتها العادة. غير أنّ هذه العبارة على بساطتها الظاهرة تنطوي على عمقٍ بالغ، فالفن لا يعيدنا إلى الشيء الخام بل يعيدنا إلى قدرتنا على الدهشة أمامه، وهذه القدرة ليست حسيةً فقط بل رمزية وتأويلية. إننا لا نرى الشيء كما لو رأيناه لأول مرة إلا حين نراه وقد تحرّر من اسمه الجاهز ودلالته المستهلكة، وهنا يبدأ المجاز عمله الحقيقي.

وإذا كان المجاز يعيد بناء علاقتنا بالأشياء، فإنه يعيد كذلك بناء علاقتنا بالذات. فالذات الإنسانية لا تُدرك نفسها مباشرةً، ولا تستطيع أن تقول حقيقتها بعباراتٍ تقريريةٍ مكتفية. الإنسان يكتشف نفسه عبر الحكاية وعبر الصورة وعبر ما يراه من نفسه في مرآة الآخر أو في مرآة اللغة. ولهذا كانت السيرة الذاتية نفسها مهما ادّعت الصدق الوثائقي، مشروطةً ببناءٍ مجازيٍّ خفيّ. فالكاتب لا ينقل حياته كما جرت بل يختار منها ويعيد ترتيبها ويمنحها إيقاعا ومعنى ويحوّل التشتت إلى مصير. إنه يصنع من ذاته نصا قابلاً للقراءة، أي يصنع منها شكلًا. ولا شكل بلا مجاز، لأن الشكل نفسه هو انتقال الحياة من فوضى الوقائع إلى هندسة الدلالة. لذلك فإنّ الأدب لا يصف الذات بقدر ما يُنتجها إنتاجا جديدا. الشخصية الروائية ليست نسخةً من إنسانٍ واقعي بل احتمالٌ وجوديٌّ مُكثَّف، يُمكّننا من رؤية ما لا يظهر في الواقع إلا مبعثرا. وحين نقرأ دوستويفسكي أو نجيب محفوظ أو الطيب صالح أو غسان كنفاني، فإننا لا نطالع أشخاصا فحسب، بل نطالع صيغا من الوعي الإنساني وقد بلغت درجةً من التركيز تجعلها أصفى من الحياة نفسها.

من هنا أيضا تتبدّى الصلة العميقة بين المجاز والسلطة. فالسلطة لا تحكم بالقوانين وحدها بل تحكم بالصور التي تفرضها على العالم وباللغة التي تجعل بعض الأشياء طبيعيةً وبعضها مستحيلا وبالمجازات التي تصوغ بها الوجود الاجتماعي. حين تُصوَّر الدولة بوصفها جسدا واحدا لا يقبل الانقسام أو الحاكم بوصفه أبا أو المعارضة بوصفها مرضا، فإننا لسنا أمام تعبيراتٍ عفوية بل أمام هندسةٍ مجازية تُراد بها شرعنة ترتيبٍ معيّن للواقع. ولهذا فإن الأدب النقديّ في أرفع تجلياته لا يواجه السلطة بالشعارات وحدها بل بتفكيك مجازاتها العميقة وبابتكار صورٍ مضادة تفضح ما تستره اللغة الرسمية. لقد فهم جورج أورويل هذا الأمر بحدّةٍ نادرة حين أدرك أن فساد السياسة يمرّ عبر فساد اللغة، وأن تكلّس التعبير ليس عرضا جانبيا، بل شرطٌ من شروط الهيمنة. وحين كتب 1984 لم يكن يصف نظاما سياسيا فحسب، بل كان يفضح كيف تتحول اللغة نفسها إلى أداةٍ لتقليص العالم وكيف يمكن للسلطة أن تنتصر حين تُفرغ الكلمات من طاقتها على التسمية، وتجعل الوعي أسير معجمٍ فقير لا يسمح له حتى بتخيّل الحرية، وهنا يتجلّى دور الأدب بوصفه مقاومةً للموت الرمزي. فالمجتمع الذي تفقد لغته مجازاتها الحيّة أو تستسلم مجازاته للابتذال، يوشك أن يفقد قدرته على تخيّل مستقبلٍ مختلف. لأنّ التخييل ليس ترفا ثقافيا، بل شرطٌ من شروط التحرر. من لا يستطيع أن يتخيّل عالما آخر لا يستطيع أن يصنعه. ومن لا يملك لغةً تتجاوز المألوف، يبقى حبيسا لما هو قائم. لهذا كان الشعر عبر التاريخ أكثر من فنٍّ للإنشاد؛ كان مختبرا لإعادة اختراع الممكن. والروائي الكبير لم يكن راوٍ للوقائع فحسب بل مهندسا للوعي. إنّه يوسّع حدود الإدراك ويمنحنا مفرداتٍ جديدةً للشعور ويكشف في حياتنا ما لم نكن نعرف كيف نسمّيه. وهذه الوظيفة العميقة هي التي جعلت هيدغر يقول إن «اللغة بيت الكينونة». فإذا كانت اللغة بيت الكينونة فإنّ المجاز هو النوافذ التي يُفتح بها هذا البيت على المجهول. وما الأدب إلا فنّ فتح النوافذ في جدران الوجود المعتاد.

والحقّ أنّ أعظم ما يفعله المجاز ليس فقط أنه يضيف إلى العالم معنىً جديدا بل أنه يزعزع الحدود الصارمة بين الممكن والمستحيل. ففي الحياة اليومية تسود منطقيةٌ نافعة تقيس الأشياء بمعايير الإنجاز والمنفعة والتعيين الواضح. أمّا في الأدب،فإنّ الواقع يُختبر من جديد تحت ضوء الاحتمال. قد تتكلم المدن وقد تبكي الجدران وقد يصير الزمن كائنا يلاحقنا وقد يصبح الصمت لغةً أعلى من الكلام. هذه الصور ليست طفوليةً ولا ساذجةً بل هي وسائلُ لكشف مستوياتٍ من الحقيقة لا تبلغها اللغة الأداتية. حين يقول شاعرٌ إنّ «المدينة تأكل أبناءها» فهو لا يقدّم معلومةً عمرانية لكنه يكشف جوهرا اجتماعيّا ونفسيّا قد يكون أصدق من تقاريرٍ كاملة. وحين يقول روائيٌّ إنّ «المنفى يسكن اللغة قبل الجغرافيا»، فإنه لا يبالغ بل يحدّد موقع الجرح بدقةٍ لا يقدر عليها التعبير المباشر. المجاز هنا ليس خروجا على العقل بل توسيعٌ لمداه لأنه يسمح للعقل بأن يفكر فيما لا يمكن اختزاله إلى تقرير.

ومن أجل ذلك لا يصحّ أن يُفهم الخيال الأدبي على أنه نقيضٌ للحقيقة. إنّ الحقيقة الإنسانية أوسع من أن تُستنفد في الوقائع الخام. هناك حقائق لا تُقاس ولا تُوثَّق ولا تُثبتها المعادلات، ومع ذلك هي من أكثر ما يحدّد مصير الإنسان: الخوف، الشوق، الحنين، الفقد، الانكسار، الرغبة، الانتظار، الشعور بالعبث، الإحساس بالخلاص. هذه كلّها لا يمكن القبض عليها إلا إذا تحولت إلى صورٍ حية. وقد عبّر كولريدج عن شيءٍ من هذا المعنى حين ميّز بين الخيال بوصفه قدرةً خالقةً والوهم بوصفه تجميعا آليا للصور. فالخيال الحقّ لا يركّب العالم تركيبا اعتباطيا بل يعيد توحيد ما تفرّق ويكشف وحدةً أعمق في التجربة. إنّ المجاز الأصيل ليس تزويقا خارجيا بل حدثا في الوعي. إنه لحظةُ انبثاقٍ تُرى فيها الأشياء من داخل علاقتها الخفية لا من ظاهر حضورها.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون النصوص الصوفية والفلسفية العميقة قد لجأت إلى المجاز كلما اقتربت من تخوم المعنى الأقصى. فكلّما تعقّدت التجربة وبلغت من اللطافة أو الغموض أو الفيض ما يتجاوز المألوف، ضاقت العبارة المباشرة واتسعت الحاجة إلى الصورة. لهذا تبدو لغة ابن عربي مثلا فضاءً من الرموز المتداخلة حيث يصير السفر مقاما والبحر علما والمرأة تجلّيا والحرف كونا. وليس ذلك بسبب غموضٍ مقصود، بل لأنّ التجربة نفسها لا تُقال إلا بهذا التوسّع الرمزي. وكذلك الفلاسفة حين يقتربون من مسائل الزمن والوجود والموت والعدم والحرية، كثيرا ما يجدون أنفسهم وقد استدعوا صورا تتجاوز التحديد المفهومي الجاف. حتى نيتشه وهو الفيلسوف الذي أراد أن يفكّر بالمطرقة لم يكتب إلا بلسانٍ يشتعل بالاستعارة، لأنّ بعض الأفكار لا تبلغ ذروتها إلا إذا صارت إيقاعا وصورةً ونبرةً. الفلسفة حين تبلغ حافتها القصوى تميل إلى الشعر لا ضعفًا في البرهان، بل لأنّ البرهان نفسه يطلب عند تلك الحافة لسانا أكثر اتساعا.

وفي الأدب العربي الحديث تتجلّى هذه الطاقة بأبهى صورها. يكفي أن نتأمل كيف تحوّلت اللغة عند أدونيس إلى فضاءٍ يهدم العالم ليعيد خلقه أو كيف جعل السياب المطر بنيةً كونيةً تختلط فيها الخصوبة بالموت أو كيف صاغ درويش المنفى لا باعتباره حادثةً سياسيةً فقط بل باعتباره شرطاأنطولوجيا يطال الإنسان الحديث في غربته الكبرى. هذه النصوص لا تنجح لأنها تتكلم عن قضايا كبيرة بل لأنها تعثر لتلك القضايا على مجازاتها الضرورية. القضية الكبرى التي لا تجد صورتها تظلّ خطابا. أمّا حين تعثر على صورتها فإنها تصير أدبا. إنّ البلاغة في معناها العميق ليست مهارةً في تحسين العبارة بل قدرةٌ على إيجاد الشكل الذي يليق بالحقيقة المراد كشفها.

ولذلك فإنّ المجاز ليس زينةً تُعلّق على جدار النص بل هو الهيكل الذي ينتظم فيه المعنى. إنه ليس محسنا بلاغيا بل مبدأً أنطولوجيا وجماليا ومعرفيا في آن. به ينتقل العالم من كونه معطى إلى كونه تجربة ومن كونه مادةً إلى كونه مصيرا ومن كونه حدثا إلى كونه دلالة. الأدب لا يزوّر الواقع حين يمرّره عبر المجاز بل ينقذه من سطحه ويستخرج من صلابته الظاهرة هشاشته الباطنة ومن انتظامه الظاهري فوضاه الخفية ومن ضوضائه العلنية صمته الذي لا يُسمع. إنّه لا يقول لنا فقط ماذا يوجد بل ماذا يعني أن يوجد شيءٌ ما بالنسبة إلى كائنٍ يجرّب العالم بقلبه وخياله وذاكرته وألمه.

وعند هذا الحدّ تتبدّى الحقيقة الكبرى التي ظلّت كامنةً في هذا التأمل كله، الأدب لا يعيد تشكيل الواقع لأنّ الواقع ناقصٌ في ذاته بل لأنّ وعينا به ناقص ما لم يمرّ عبر نار الخيال. والمجاز هو تلك النار المضيئة التي لا تحرق الأشياء لتفنيها، بل لتحرّر جوهرها من قشرتها ولتكشف ما استتر فيها من أنوارٍ وأشباح. فإذا كان العالم الخارجي يمنحنا الوقائع فإن الأدب يمنحنا معناها وإذا كانت الحياة تمنحنا التجارب فإن المجاز يمنحها صورتها التي بها تدخل الذاكرة وتستقرّ في الوجدان وتتحول إلى معرفةٍ باطنية. وهنا يبلغ الأدب ذروته لا حين يكون مرآةً للعالم بل حين يكون عينا أخرى للعالم، عينا ترى ما لا يُرى وتسمع ما لا يُسمع وتدلّ الإنسان على أن الحقيقة ليست ما يقع فقط بل ما ينكشف.

ولا يُقاس المجاز في الأدب بما يضيفه إلى العبارة من بهاء بل بما يكشفه في الوجود من عمق. إنه ليس انزياحا عن الواقع بل ارتقاءٌ به من مستوى الوقائع إلى مستوى المعاني ومن ظاهر الأشياء إلى باطنها الإنساني. وحين ينجح الأدب في بناء مجازه الحقّ، فإنه لا يزيّن العالم بل يعيد قراءته ولا يهرب من الحقيقة بل ينتزعها من جمودها ويهبها حياةً أخرى في الوعي واللغة. لذلك ظلّ المجاز أحد أخصب وجوه الإبداع، لأنه يجعل الخيال أداةً للفهم، ويجعل الكتابة فعلا من أفعال الكشف ويمنح الإنسان قدرةً نادرةً على أن يرى العالم لا كما يبدو فقط بل كما يمكن أن يُفهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى