أحداثشخصيات

السادات.. قراءة مبكرة لعقل النظام الإيراني

كيف تفكر إيران ... بقلم محمد منير. الأهرام. مصر

محمد منير

ما هو حال إيران اليوم؟

بهذا السؤال، لخّص الرئيس الراحل أنور السادات رؤيته المبكرة لما آلت إليه إيران بعد الثورة، لا بوصفها مجرد دولة تغيّر نظامها، بل كدولة دخلت مسارًا مختلفًا أعاد ترتيب أولوياتها على نحو قدّم الشعار على البناء، والصراع على الاستقرار، والخطاب على الواقع. ثم مضى السادات يشرح فكرته بوضوح خلال خطابه بعد الثورة الإيرانية، قائلاً نصاً: الخميني استلم إيران وهي بتصدر 6 ملايين ونص برميل بترول يومياً، ودخلها 250 مليون دولار يوميًا، ما هو حال إيران اليوم؟ بعد سنتين من حكم الخميني، بيشتروا البترول بالبطاقات، ومفيش أكل في إيران. المفروض لو الخميني استلم البلد بهذه الثروة وبدأ يبني، لكانت إيران من أغنى دول العالم اليوم. ثم يضيف السادات: والشيء الخطير صفقة السلع بين إسرائيل وإيران، وهذا موجود ومنشور في كل الصحف، “ثُلث أكل إيران تشتريه رسميًا من إسرائيل”. مختتماً حطابه: هذا هو الخميني الذي قطع علاقته مع مصر لأننا فتحنا محادثات مع إسرائيل وأخذنا أرضنا.

بهذه الكلمات، لم يكن السادات يهاجم إيران بقدر ما كان يُشخّص مأزقًا أعمق: ماذا يحدث حين يتسلّم عقل ثوري دولة غنية، ثم تنصرف من منطق البناء إلى منطق التعبئة، ومن إدارة الثروة إلى إدارة المعركة، ومن خدمة المجتمع إلى حماية الأيديولوجيا؟ هنا لا يعود السؤال: لماذا تراجعت إيران فقط، بل: كيف فكّرت وهي تتراجع، وكيف تحوّل التناقض بين ما يُقال وما يُمارَس إلى جزء من بنيتها، لا مجرد خلل عابر فيها.

Mohamed Anwar Al-Sadat

لم يكن السادات ينظر إلى إيران بعد عام 1979 بوصفها دولة غيّرت نظام حكمها فحسب، بل بوصفها دولة دخلت مرحلة مختلفة تمامًا في التفكير السياسي. فقد أدرك مبكرًا أن ما جرى في طهران لم يكن مجرد تحول سياسي، بل انتقال إلى نموذج يرى في الثورة حالة مستمرة لا لحظة تأسيس، وفي الصراع أداة بقاء لا خطرًا ينبغي تجنبه. 

ولذلك لم يقرأ الحدث على أنه انتقال من ملكية إلى جمهورية فقط، بل انتقال من منطق الدولة إلى منطق الثورة، ثورة لم تكتفِ بإعادة تشكيل الداخل، بل سعت إلى تصدير نفسها خارج الحدود، بعد أن أدخلت الدين في الحكم ودفعت المنطقة إلى مسارات من التوتر أكثر مما فتحت لها أبواب الاستقرار. وبعد عقود، تبدو هذه القراءة أقرب إلى مفتاح لفهم إيران اليوم: دولة لا تتحرك فقط وفق مصالحها المباشرة، بل وفق تصور أعمق يرى في المواجهة جزءًا من تعريفها لنفسها، ومن صياغة علاقتها بمحيطها.

لم يكن هذا الاتهام، في جوهره، مجرد هجوم سياسي، بل قراءة لطبيعة نظام يتشكل على ازدواجية واضحة: خطاب أيديولوجي مرتفع السقف في العلن، يقابله سلوك براغماتي في الخفاء حين تفرض الضرورة ذلك.

ولم يبقَ هذا المعنى في إطار الاتهام أو التحليل النظري، بل دعّمته لاحقًا وقائع تاريخية موثقة، أبرزها ما عُرف بفضيحة إيران–كونترا، التي كشفت عن صفقات سلاح سرية جرت في الثمانينيات بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، وبمشاركة إسرائيل، رغم العداء المعلن بين هذه الأطراف الثلاثة.

وقد وثّقت تقارير الكونغرس الأمريكي هذه العمليات، مؤكدة أن إيران حصلت على أسلحة أمريكية في تلك الفترة، ثم جرى توجيه جزء من عائداتها لتمويل قوات الكونترا في نيكاراغوا، في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة.

هنا تتجاوز المسألة مجرد واقعة تاريخية، لتكشف نمطًا أعمق في التفكير الإيراني: الدولة التي ترفع شعار العداء، لا تتردد في التفاوض أو التعامل حين تقتضي مصلحتها ذلك، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على خطابها كما هو، لأنه جزء من شرعيتها الداخلية. أي أن التناقض ليس خطأً عارضًا، بل أداة إدارة، وليس ازدواجية مؤقتة، بل منهج حكم.

وهذا ما التقطه الرئيس الراحل السادات مبكرًا، حين ربط بين التراجع الداخلي والتناقض الخارجي. فالدولة التي تُدار بهذه الطريقة لا تفقد فقط توازنها الاقتصادي، بل تفقد أيضًا وضوحها السياسي، إذ يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تكتيك، بين ما يُقال وما يُفعل، بين ما يُعلن وما يُدار في الظل.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الازدواجية إلى جزء من هوية النظام نفسه، لا مجرد سلوك ظرفي.

وهكذا، يمكن قراءة مسار إيران خلال أكثر من أربعة عقود بوصفه امتدادًا لما حذّر منه السادات: دولة لا تبحث فقط عن الصمود، بل عن تثبيت صمودها عبر إبقاء الإقليم نفسه في حالة هشاشة. فالجمهورية الإسلامية لم تكتفِ ببناء نفوذ سياسي، بل ذهبت إلى ما هو أبعد: نشر أيديولوجيتها، وتوسيع شبكاتها، وصناعة أذرع وميليشيات تدين لها بالولاء في أكثر من ساحة، حتى بدا وكأن استقرارها الداخلي يأتي عبر تفتيت المجال المحيط بها، أو على الأقل إبقائه مفتوحًا على الانقسام والتوتر والاحتراب.

وبهذا المعنى، لم يعد النفوذ الإيراني مجرد حضور إقليمي، بل تحول إلى نمط تفكير يعتبر أن الأمن لا يُصان داخل الحدود إلا عبر نقل الاضطراب إلى خارجها، نموذج لا يبني استقراره على التوازن، بل على إدارة الفوضى، ولا يرى في استقرار المنطقة ضمانة لأمنه، بل تهديدًا لنفوذه.

في المقابل، كان السادات ينطلق من تصور مختلف للدولة، يقوم على فكرة التوازن بين الداخل والخارج، بين القوة والسياسة، بين الهوية والانفتاح. ولهذا لم يكن الخلاف بينه وبين إيران خلافًا سياسيًا عابرًا، بل كان اختلافًا في تعريف الدولة نفسها. فبينما كان يرى أن الدولة تُقاس بقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية، كانت إيران تعيد تعريف نفسها كدولة تحمل مشروعًا يتجاوز حدودها، حتى لو كان ذلك على حساب توازنها الداخلي، وعلى حساب دول المنطقة.

ومن هنا، لا يمكن فهم إيران اليوم دون العودة إلى التاريخ وإلى تلك اللحظة التأسيسية، ولا دون قراءة ما قاله السادات باعتباره محاولة مبكرة لفهم عقل جديد يتشكل: عقل لا يرى الدولة كغاية، بل كوسيلة لمشروع أكبر.

كلمة أخيرة:

“آفة حارتنا النسيان”، قالها أديبنا المصري العالمي نجيب محفوظ في رواية أولاد حارتنا، فالمأساة ليست في سلوك الدول التي تُصرّ على إعادة إنتاج الصراع، بل في أولئك الذين ينظرون إلى الخطاب الإيراني بعين اللحظة، لا بعين التاريخ، فيُنسى ما فعلته الأيديولوجيا، وما صنعته الميليشيات، وما خلّفته شعارات الثورة حين تحولت إلى أدوات نفوذ وتمزيق. 

التعامل مع إيران يحتاج إلى ذاكرة، من ينسى تاريخ التمدد، والاختراق، وصناعة الأذرع، وإدارة الفوضى، فالمشكلة ليست في أن إيران تعيد إنتاج نفسها، بل في أن كثيرين يعيدون استقبالها كل مرة بذاكرة منزوعة من دروسها. والنسيان، في السياسة، ليس براءة… بل باب واسع تتسلل منه الأخطاء القديمة بثياب جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى