أدب

لي طريق بلا جهات … وقصائد أخرى

شعر عبدالله السمطي


أربع قصائد للشاعر  عبدالله السمطي

(1) سكرتُ بكأس من حصى

كتنزّل المعنى سأصعدُ في شهيق الريح حول أصابع الشعراء
أدعو لفتتي لتقودني
لجهات قلبي
أو أحفّزُ جمرتين على قميص خرافة
لتقدّ عنواني الجميل بوردتين
سكرتُ من غيم سيشربني بكأس من حصى
وبرئتُ من كرمي القديمْ

سأعينُ أوجاعي لتقطفَ لذة الأشياء قبل رمادها
وأعينُ طيرا عابرا
ألا يراني في جناح الصحو إلا راح يوقظني
لأخطو في مشيئة جثتي
وأزيحُ في لغة التراب هواء رعشتها الأليمْ

لم آتِ بعدُ
هربتُ من قدري إلى وتري
ومن وتري إلى قدري
خبزتُ على طريق الريح خطواتي
وسرتُ على محاذاة التخيّل ما أشاء من الخطى
لم آت بعد
لكي أصبّ الرمل لي وطنا
وأدعو للسماء بطاقة من دمع ترحالي المقيمْ

(2) لي طريق بلا جهات

سأمشي إليّ
بلا جهة أو سماء تصلي أمام خطاي
لأنزف زرقتها في البعيدْ
سأمشي إليّ
وأحملُ أمي على ظهر قلبي
وأحمل همي
على ظهر دمعي
وأحملني في انكسار النشيدْ
دمي في صفيح الركام تناثر أعمق من ظلّ معركة ستموتُ
ويبقى المؤرخُ يحصي الجماجم منبهرا بالقيامات
مكتشفا رجرجات الوقائع في الشهقات الأخيرة
فيما أحاولُ أن أتغنى بموتي لكيلا أموت
وأعشقُ غيبي العنيدْ

هنا سأموتُ لأولد
مبتهجا بالأغاني المراثي
ومنتصرا للمراثي الأغاني
ألملمُ أشلاء دمع الهباء
وأرخي زمام حصان جريح ليجمح بي في المسافة بيني وبيني
وأقرأ شوطي الأخير بعين الغبار
وأعزفُ ملحمة لغيابي الجديدْ

(3) دبرتُ كل شيء

أنا تهمتي في وجودي
سأعرى قليلا من الطين
من شهقة لا تغادرُ موتتها لتضيء السماء القريبة مني
جداري لا يتداعى إليّ
ويقرأني في سقوطي الأخيرْ
أنا تهمتي أن أحاول أن أتنفس حريتي
أن أرى في ظلالي خيالي
وأن أتوتر في قوس حلمي
وأمشي بعيدا
إلى قمر لا يثرثر إلا بعشق منازله في الضميرْ

سيبنون زنزانتي
ويقولون عن حبل مشنقتي مدحةً في المراثي
فهل يتلطخ بالدم رمل الكناية
هل يستطيع على الماء نقش شهيقي الضريرْ

سأحملُ رأسي بعيدا
وأدفنها في حقول القصبْ
هنالك حيث نخبىء طيش الطفولة
حيث تزلزلنا قصة من تعبْ
هنالك في الطين ننكشُ أيامنا
لنعود إلى زمن في متاهتنا ينتحبْ
سأحمل قلبي .. وأنبضُ
حتى أفارق هذا الركام الحسيرْ
أنا تهمتي في وجودي
ولكنني سوف أحيا
وأحيا
وأحيا بموتي
ولو كان لي في جهنم خاتمة أو مصيرْ

(4) الآن تعلمتُ أكثر

لا لم أكن إلا سرابا قادما من مائه المذعور عند تقاطع الطرق الشهية بالعصية . حين جئتُ إليّ عانقتُ الضياع وصرتُ صدّيقا لاسمي في المتاهة. حين جئتُ إليّ طرتُ إلى شهيقي كي أرى ما كنت قد أحصيته لبلابل الغيطان أو لجدائل الجدران حين تطيرُ في ضوء ظلاميّ المعاني . حين جئتُ ولدتُ أكثر في مواتي . كل يوم تكسرُ المرآة صورتها بوجهي حين يلتبس القناعُ

الآن أعلمُ أن ضوءا بي يكهربني كثيرا حين أعبرُ من رصيف لا يجيء ومن صدى شرفات طير لا يحطّ ومن حروب لم تفكر في خيال القتل بعد لتفتح الدنيا لهرطقة المراثي أو تسمي وجهها الدموي عنوانا جديدا للحضور .. وهذه أيامنا ترعى الهشيم.. وهذه الدنيا بسفح قبورنا رقصت كثيرا والجماجم في الموائد والموائد في الجماجم والصباحُ على أحرّ من الغياب ولا لقاء أو وداعُ

سأقد طرفا من غناء توحشي وأعيدُ إبصار الحياة إلى صهيل لا يرى. جرحتُ عنوان المسافة. قلت أمشي. حين شال مطارحي وهج المواجع. سوف أفتح في الكتاب على حكايا المرأة الأولى وأنتبذ الرقاد على سرير في الغريزة.. أو أقابل واليا ما تولى يوم زحف الريح للمدن الحسيرة.. أي شيء فوضوي لا ينظمني كثيرا
سوف أقصيه بعيدا
حين أقصي جثتي عني ويرفعني إلى سقف الحصى مطرٌ يباعُ
لي موطني المجروح بي
ودمي متاعُ

—–

( من ديوان الشاعر عبدالله السمطي: السماء الجنوبية للحب ، دار النابغة، الطبعة الأولى 2020)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى