جاليري

الخُروج من مُلاءةِ الجارية

بقلم المعجمية الباحثة والناشرة: غريّد الشيخ محمّد. لبنان

إذا كان الهدفُ الأَسْمَى للمَعاجِمِ هو حِراسةُ اللُّغةِ الأُمّ، فإنّ هذه الحِراسة لا تَعنيتَحنيطَالألفاظ في توابيت الماضي. فاللُّغةُ كائنٌ حيٌّ يَتطوّرُ، تتغيّرُ مَدلولاتُه وصيغه مع تَبَدُّلِ الظُّروف الحَضاريّة والاجتماعيّة. وما كان يُعَدُّ طبيعيًّا في عُصورٍ خَلَتْ، قد يُصبحُ اليومَالتباسًامَعرفيًّا أوإساءةًإنسانيّة، خاصّة حين يتعلّق الأمر بِالمرأة.

إنّ مِن أخطرِ القضايا الَّتي واجهتني أثناء تأليفي (معجم المرأة) هي لفظة (الجارِيَة)، فبمجرَّد سماعها، يرتدّ خيالُ القارئ إلىسوق الرَّقيقوعوالم الإماء، ومكائد القُصور، هذاالإرث المُثْقَلحَوَّلَ كلمةَ (جارية) من وصفٍ لـالحيويّة والنَّشاطإلى وَسْمٍ لـالتَّبعيّة والذُّلّ“.

فخّ التَّسمية: جِنايةالمُصطلحعلىاللُّغة

بالعودة للمعاجم القديمة والحديثة، نجدُ خَلْطًا يُثِيرُ العَجَبَ؛ فالمعاجمُ تُسَوِّقُ كلمة (الجارية) كمُرادفٍ لـالفتاة الشّابّةلِجَرْيِها وخِفَّتِها، وفي الوقت نفسِه تَحَوَّلَ اللَّفظُ تاريخيًّا إلىمصطلحقاطع الدّلالة على (الأَمَة والمملوكة).

وهنا تكمن المُصيبة: كيف يستمرُّ المُعْجَميُّ في استخدام لفظ (جارية) للدَّلالة على (الفتاة) وهو يعلمُ يَقينًا أنَّ اللَّفظَ قداسْتُلِبَوصار مِلْكًا لثقافة النِّخاسَة؟ إنّ استمرار هذا الاستخدام في المعاجم الحديثة هوعجزٌ لُغَوِيٌّ؛ فالأَوْلَى والأَجْدَر أن يُحْصَرَ لَفْظُ (الجارية) في سِياقه التّاريخيّ كـ (أَمَة)، وأن نكفَّ تمامًا عن إطلاقه علىالفتاةأوالشّابّة، صونًا لكرامتها من ظلال العبوديّة الّتي تُلاحق هذا اللَّفظ.

الاستلابُ الجَسَديّ: الجمال ليسبضاعة

لقد تفشّت ظاهرة الجَواري فخلقت مُسَمَّياتٍ كـ (الحَظِيَّة، والمَحْظِيَّة، والسُّرِّيّة، والقَيْنَة)، ولكنالمصيبةالأكبر هي حين نجد أوصافًا جسديّة وفِطْريّة تخصّ الأُنثى ككيانٍ حُرٍّ، وقد حُشْرَتْ قَسْرًا تحت مُلاءةالجارية، وكأنَّ الجمال لا يُرى إلا في جَسَدٍ مَملوك!

تأمَّلوا معي هذه التَّوصيفات الّتي تحتاج لثورةٍ في الصياغة:

  • أَرْكَسَتِ الفتاة (بدلًا من الجارية)؛ أي: برزَ ثدياها، هذا تطوّر بيولوجيّ يخصُّ كلَّ أنثى، ولماذا يُقَيَّدُ بلفظالجارية؟
  • اسْبِكَرَّت الشَّابّة؛ أي: استقامت واعتدلت. لمَ لا نَستخدمُ لفظالشّابّةبدلًا منالجارية؟ فالاعتدال صِفَةٌ للقِوَامِ الحُرِّ، لا لـسلعةتُعْرَضُ للفَحْص.
  • الجُهَانةُ، الخَوْدُ، البَضَّةُ: هذه أوسمةٌ جَماليّةٌ تصفُ الرِّقّةَ والنُّعومةَ. إنّ انتزاعَ هذه الأوصاف منمُلاءة الجاريةوإسنادها لـالمرأةأوالفَتاةهو استردادٌ لكرامةِ الجسدِ الأُنْثَويّ.

عقدةالخِتان“: حين يتساوى القَهر

وحين نصل إلى مصطلح مثل (بَظَرَ الجارِيةَ)؛ أي: خَتَنَها، نجدُمصيبةًأخرى، فالمعاجم تذكر الخِتانَ كأنّه فعلٌ يخصّ الجواري، بينما الحقيقة المُرَّة أن هذا الفعلالخَفْضكان وما يزال يُمارَسُ بِحَقِّ الحُرَّةِ والأَمَةِ على حدٍّ سَواء في بعض المجتمعات العربيّة والأفريقية، تحت حججٍ واهيةٍ وتفسيرات مغلوطة للدِّين والعِفّة. إن تخصيصالجاريةبهذا الوَصف المُعْجَميّ يُوهِمُ بأنّها وحدَها مَن كانت تتعرّض لهذا الانتهاك، بينما الواقع يُثبت أنّه قَهرٌ طال الأُنثى بِصِفَتِها (أنثى)، لا بصفتها (مملوكة).

نداءٌ لـاستقلال لُغَويّ

إن استمرار وجود هذه الترادفات في معاجمنا الحديثة هورِقٍّ لُغَويٌّمُستتر. لقد انتهى عصرُ الرِّقّ المادي، وحان الوقت لينتهيالرِّقّ المُعجميّ“.

لذا، أقول بصراحةٍ لا تُجامِلُ التّراثَ: إنَّالخُروجَ مِن مُلاءة الجاريةيقتضي الرَّفضَ القاطعَ لاستخدامِ هذا اللَّفظ لوصف الفتيات في معجماتنا المعاصرة. يجب أن تبقى (الجارية) حَبيسةَ كُتُبِ التّاريخ كـأَمَة، وأن تُمْنَحَ الفتاةُ أوصافَها المُسْتَقِلَّة (فتاة، شابة، امرأة) بعيدًا عن أيّ اشتباه أو لُبْس. 

الخروج من المُلاءةهو إعلانُ استقلالٍ للأُنْثَى العربيّة، وإعادة اعتبار لكرامتها الّتي تبدأ منالكلمة“.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى