أدب

جالب المطر … جدل  الشعوذة وراية العقل

طارق العمراوي 

ضمن سلسلة “الوعي المبكر” أصدر القاص والشاعر صلاح الدين الحمادي قصة “جالب المطر” وأمنت الرسومات الفنانة التشكيلية كوثر التستوري والتي قالت الكثير كعلامات اليأس والقلق على الأراضي المهددة بالجفاف  و الأزياء التقليدية و الأواني القديمة  كبراد الشاي والكانون وبعض معالم  القرية كالدور والمسجد ومجلس الدجل والشعوذة والدهشة الظاهرة على وجوه أهالي القرية في فترات مختلفة من السرد  ومنها  بعد ضياع كل شيء.

 فما هي الأشياء التي ضاعت؟ وكيف ضاعت ؟ ومن  المتسبب 

فيها؟ كل هذه  الأسئلة حيكت أجوبتها ضمن سردية طريفة مررت  وعيا  مبكرا بالوقوف على إعمال العقل وأن الجهل مصيبة والمشعوذون كاذبون 

اختار القاص  بيئة ريفية  أين يترعرع  الجهل والتجهيل وتكثر بها  الزوايا والمشعوذين لقلة المتمدرسين  ولتفشي  الجهل المقدس  الذي تتوارثه الأجيال  مع أسباب ومسببات أخرى  تكون فرصة ومجالا  للاستثمار أمام الجفاف الذي أ قلق جموع المزارعين والفلاحين فتشققت الأرض وجاع الصغار وأنهكت الحيوانات حتى قال الكاتب “هذا الجفاف الذي ألم بالقرية فكاد يهلك زرعها وضرعها”.

 وانتهت مشاورات كبار القرية على الذهاب إلى الشيخ موسى صاحب الكرامات والخوارق أين رفض السيد ثابت هذا الحل الذي تم اقتراحه أولا من طرف زوجته الذي نعتها بالساذجة ناقدا بعد ذلك موقف الجمع الذي اتفق للذهاب للمشعوذ  لجلب البركة والأمطار عن طريق ما ستجود به ترهاته  ولأن الصورة ارتسمت في أذهانهم  وبركاته تجعلهم يقصدونه قضاء حوائجهم ومطالبهم  . وقد تم اللقاء في جو من الرهبة من الجلوس على ” دكة في ركن من الكوخ  تعلو رأسه قطعة قماش سوداء  ملفوفة  فوق  شاشية  تحول لونها الأحمر بفعل القدم إلى السواد “مع لحية بيضاء طويلة متدلية في شكل  مثلث دقيق مستنجدا بقاموس ديني تخديري  ليعطى لحديثه  هالة دينية تخرج من فم متدين يخاف الله مثل 

” أسغفر الله  و”إنما كل شيء مقدر من الله “والابتلاء والصبر وأحرق بعض البخور لتتحول الأحوال إلى أحوال أخرى  فمن القلق والحيرة على الأرض والزرع إلى السرور والرضا بعد أن اعترفوا أن كلامه موعظة وحكم  وقد غادروا الكوخ وقد ” تهللت وجوه المزارعين ابتهاجا وارتياحا  ولهجت ألسنتهم بالدعاء للشيخ والثناء عليه  “.

لتنتصر البصيرة وإعمال  العقل على الجهل المقدس والغباء المستفيض بعد انكشاف الغفلة   فقد سرق المشعوذ كل ثروتهم الحيوانية إلا  حيوانات ثابت الذي  أصر أن الشيخ موسى مشعوذ كذاب رغم  رأي الجماعة وبقي يصدق إحساسه حتى صدقته الأحداث والوقائع.

كما  قدم النص العديد من المعلومات التي  تفتح  أبواب البحث والاستثمار مثل  الحياة الريفية ببنيانها  الخاصة كالحوش الكبير والمخزن أو كوخ  ” مبني  بالطين والحجارة ومسقوف بجذوع الزيتون تغطيها طبقة من التراب  المخلوط بالنخالة التي  لها دور كبير  في شد التربة وتقويتها عند البناء كانت الغرفة   ذات شكل مستطيل وبها نافذة واحدة وباب صغير “  والأكلات الشعبية مثل فطور  الصباح المتكون  من  خبز القمح الساخن وزيت الزيتون والبيض المسلوق المملح وعادة هذه القرى  الاجتماع للعب الورق  أو الحديث في شؤون القرية يتم بأحد الحوانيت  أو تحت جدار الحانوت ليقول النص ليقول النص “لما وصل كانت مجموعة من المزارعين قد اجتمعت تحت جدار الحانوت كانوا يناقشون  أمر الجفاف “  .

لم يحدد الكاتب زمن الأحداث ومسارها وهي نقطة يمكن التواصل معها عند استثمار هذه القصة وحديث الأمطار يحيلنا لفصل محدد  والزمن الأبعد  يمكن أن يكون ذات زمن ما في إحدى القرى النائية وتواصل  النص  مع الرموز العددية والرقمية و التي تشكل إحدى ركائز النص السردي الموجه للأطفال لمزيد المد الغرائبي والعجائبي  فقد ذكر السارد برقم ثلاثة في ثلاثة مواضيع انتقال الفلاحين بعد ثلاث ساعات وستنزل الأمطار بعد ثلاثة أيام  كما خبر بذلك المشعوذ وها هي الشمس قد ارتفعت قدر ثلاثة أذرع   ليختم السارد قصته بقصيدة ” الفلاح “وب10أبيات حمل قصيدته  العديد من الأفكار كتضحية الفلاح وتعبه موجها له ألف تحية لما يقدمه لأهل المدائن ….. 

كان نص “جالب المطر” للقاص صلاح الدين الحمادي  نصا يؤسس لوعي مبكر مقدسا العقل رافضا الشعوذة والمشعوذين  داعيا عبر بطله للتحصن بالعقل  حتى وإن قابله الآخر بالنكران والجحود وأن نتمسك بالعقل ويكون لنا نبراسا  وراية نستظل بها دائما ودوما ونحن نسلك طريق الحق والحياة بكل معانيها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى