

لغة ورسائل سياسية صامتة تعبّر دائما عن هوية الدولة وخياراتها، ففي خمسينيات القرن الماضي، قررت حكومة ألمانيا الشرقية إطلاق اسم “ستاليناليه” على أحد شوارعها الرئيسية، تيمنا بـ جوزيف ستالين، ليجسد القوة الاشتراكية والولاء للمعسكر السوفيتي، رغم ارتباطه بحملات “التطهير الكبير” في الثلاثينيات، التي شهدت إعدامات ومحاكمات صورية طالت آلاف القيادات والمواطنين.
وفي ولاية فيرجينيا الأمريكية النصب التذكاري لروبرت إي لي الذي قاد قوات الكونفدرالية التي دافعت عن نظام العبودية، وفي جنوب أفريقيا، تم تغيير اسم مدينة بورت إليزابيث إلى “غكيبِرها”، لارتباطه بالإرث الاستعماري وحقبة الفصل العنصري.
من هذه الزاوية، لا تبدو أسماء الشوارع والتماثيل عناصر محايدة، بل نصوصا سياسية مكتوبة على الجغرافيا، فبعد عقود، وفي سياق مختلف جغرافيا لكنه متقاطع فكريا، يتكرر المشهد في إيران لكن بصيغة أكثر خطورة. فلم تكن تسمية شارع في طهران باسم خالد الإسلامبولي مجرد لفتة عابرة، بل جاءت في أعقاب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات عام 1981، وفي سياق احتفاء رسمي داخل إيران بالإسلامبولي بوصفه رمزا لموقف سياسي معارض لاتفاقية كامب ديفيد. وقد قُدِّم اغتيال السادات داخل الخطاب الثوري الإيراني بوصفه عقابا للسادات على كامب ديفيد. في نفس الوقت الذي كانت طهران تُبقي في الخفاء على قنوات اتصال ومصالح وعلاقات تجارية وصفقات سلاح مع الطرفين اللذين جرى التحريض عليهما في العلن، وهما إسرائيل والولايات المتحدة.
لفهم هذه الدلالة، لا بد من العودة إلى شخصية الإسلامبولي، كنتاج فكري وتنظيمي تشكل وارتبط بتيارات جهادية متشددة، أبرزها الجهاد الإسلامي المصري، الذي نشأ في سبعينيات القرن الماضي متأثرا بالأدبيات الفكرية التي خرجت من جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، خاصة كتابات سيد قطب التي ساهمت أفكاره حول “الحاكمية” في تبني رؤية أكثر راديكالية، ترى في العنف وسيلة مشروعة للتغيير. ومن هذا المسار، تبلورت تنظيمات مثل الجهاد الإسلامي، التي نفذت عمليات واغتيالات، كان أبرزها اغتيال أنور السادات عام 1981.
هذا النمط من التفكير لا يبرر العنف فحسب، بل يرفعه إلى مرتبة الشرعية. فالاغتيال، في منطقه، لا يبقى جريمة، بل يتحول إلى فعل بطولي متى خدم العقيدة. وهنا لا يظهر الإسلامبولي كقاتل عادي، بل كنموذج لـ”القاتل المؤدلج” الذي رأى في الجريمة تنفيذا لفكرة لا انتهاكا للحياة.
رغم التباين الظاهري بين المرجعيتين، إحداهما سنية جهادية والأخرى شيعية ثورية، فإن نقطة الالتقاء الحقيقية بينهما لا تكمن في العقيدة بقدر ما تكمن في تحويل العنف إلى عقيدة سياسية. فالنظام الإيراني، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم يكتفِ ببناء شرعيته على الثورة في الداخل، بل حوّل “تصدير الثورة” إلى منطق عمل إقليمي، مستندا حتى في نصوصه التأسيسية ودستوره إلى فكرة دعم “المستضعفين” خارج حدوده. وعلى امتداد العقود، لم يبق هذا المبدأ شعارا، بل تُرجم إلى شبكات من الوكلاء والأذرع المسلحة والميليشيات في أكثر من ساحة عربية، من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، بوصفها أدوات تأثير وردع وإعادة تشكيل للتوازنات، بحيث بات النفوذ الإيراني يُدار عبر السلاح غير النظامي أكثر مما يُدار عبر الدبلوماسية التقليدية.
وفي هذا التصور، لا تكون الفوضى خطرا يجب تجنبه، بل فرصة يجب استثمارها، ولا تكون الميليشيا عبئا على الدولة، بل أداة تمدد متقدمة تمنحها قدرة على الضرب والإنكار في آن واحد. وهنا لا تُستخدم الرموز فقط لتفسير الماضي، بل لإدارة الحاضر وتوجيه سلوك الفاعلين في الإقليم، في صورة رسالة ثورية، ويمنحه شرعية رمزية تجعله يبدو، في أعين أتباعه، كأنه جزء طبيعي من النظام الإقليمي لا اعتداء عليه.
ولعل العلاقة بين مصر وإيران تُقدّم نموذجا واقعيا يعكس امتداد هذه السرديات إلى المجال السياسي. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت العلاقات بين البلدين في مسار قطيعة دبلوماسية، تعمّق بعد قرار أنور السادات استقبال شاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي، ثم ازداد توترا بعد اغتيال السادات عام 1981. وعلى الرغم من محاولات متقطعة للتقارب عبر العقود، لم تُستعد العلاقات إلى مستوى التمثيل الدبلوماسي الكامل، وبقيت دون عودة كاملة للسفارات بين البلدين. كما ظل اسم خالد الإسلامبولي أحد أبرز الرموز المزعجة في الذاكرة المصرية، وانعكاسا لتصادم أعمق في الرؤى والسرديات والفكر والأيديولوجيات التي أُعيد إنتاجها بأشكال مختلفة عبر الزمن.
وعلى مستوى الشعوب، ثمة تباين واضح بين الشعبين، ليس فقط بسبب القطيعة السياسية الطويلة، بل بسبب اختلاف المرجعيات التي تشكل الوعي العام لدى الطرفين، إذ لم تُصغ العلاقة بين المصريين والإيرانيين فقط عبر المصالح والخلافات الرسمية، بل ظلت أيضا رهينة السرديات التي بنتها الدولة في كل طرف عن نفسها وعن الآخر. ففي الوعي الجمعي المصري، تحتل فكرة الدولة الوطنية والاستقرار أولوية واضحة، بينما تشكّل مركزية الثورة، ودورها العابر للحدود، جزءا أصيلا من الخطاب العام الذي صاغته الجمهورية الإسلامية في إيران. ومن هنا لا يظهر التباين فقط في المواقف، بل في طريقة النظر إلى العالم ذاته: كيف تُفهم الشرعية، وكيف يُقرأ معنى القوة، وكيف تُرسم صورة “الآخر” داخل الوجدان العام. وهكذا لم يعد الاختلاف مجرد تباعد بين دولتين، بل تباينا أعمق في المرجعيات التي تشكل الوعي، وفي اللغة التي يفهم بها كل طرف نفسه ويفهم بها الآخر.
وهنا لا يعود الأمر متعلقا باسم شارع أو بواقعة تاريخية معزولة، بل بطبيعة الصراع نفسه في المنطقة. فالمعركة لم تعد على الحدود وحدها، بل على تعريف الشرعية، وعلى من يملك حق تحويل القاتل إلى رمز، والعنف إلى بطولة، والفوضى إلى مشروع سياسي. وهذا هو الخطر الأعمق: أن تتحول النماذج المؤدلجة إلى مرجعيات قابلة للتكرار، وأن يُعاد إنتاجها كلما احتاجت الأيديولوجيا إلى وقود جديد.
فالدول التي تبني سردياتها على الصدام، تُبقي نفسها أسيرة له، بينما الدول التي تختار أن تُخلّد المعرفة والبناء، تفتح لنفسها أفقا مختلفا. وفي هذا السياق، يصبح الرهان الحقيقي في المنطقة ليس على من يملك القوة فقط، بل على من يملك القدرة على تعريفها، وعلى أي سردية ستنتصر في النهاية.
كلمة أخيرة:
حين سُئل ستالين عن عدد الضحايا الذين سقطوا نتيجة سياساته، نُسب إليه قوله: “موت إنسان واحد مأساة… أما موت الملايين فمجرد رقم”.
هذه العبارة تمسّ جوهر المأساة كلها: فالتطرف لا يولد في لحظة إطلاق النار، بل في لحظة انطفاء الحس، لحظة يختل فيها ميزان الروح، ويتحوّل الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن وجه نابض بالحياة إلى رقم، ومن روح لها اسم وحكاية إلى عبء يمكن محوه. هكذا يبدأ الفكر المتشدد: لا بالسلاح، بل بإعادة ترتيب الكلمات، بإلباس القتل ثوب الواجب، ومنح القسوة ملامح الفضيلة، وتحويل الضحية إلى هامش عابر. كلمة بعد كلمة. تأويل بعد تأويل. قسوة بعد قسوة. إلى أن تصبح الرصاصة آخر سطر في نص كُتب كله قبل أن يُطلقها أحد.
نشر في مصراوي



