

من العسير حين يُراد الحديث عن بعض الأعلام الكبار في تاريخ المغرب الثقافي الحديث، أن يُفصل الرجل عن لحظته أو أن تُفصل السيرة عن الرسالة أو أن يُفصل الأثر عن الأزمة التي استدعته. ذلك أن هناك رجالا لا يجيئون إلى زمانهم بوصفهم مجرد أفراد يضيفون إلى المكتبة كتابا أو إلى الحياة العامة منصبا أو إلى السجال الثقافي رأيا عابرا بل يجيئون في هيئة استجابة تاريخية لحاجة أمة وفي صورة جواب حضاري عن سؤالٍ كان معلقا في ضمير المجتمع يطلب من يجسّده فكرا ويترجمه عملا ويصونه من التبدد. وعبد الله كنون من هذه الطبقة النادرة التي لا يُقرأ حضورها في حدود الترجمة الشخصية ولا يُفهم عطاؤها في نطاق التخصص الجزئي، لأن الرجل لم يكن مجرد أديب يكتب ولا مجرد فقيه يقرر ولا مجرد مؤرخ يستقصي بل كان عقلا نهضويا متبصرا ووجدانا وطنيا يقظا ولسانا عربيا مشبعا برسالة الحضارة ومشروعا فكريا متكاملا التقت فيه هموم الإصلاح وضرورات التربية ومقتضيات الهوية وأسئلة اللغة في لحظة من أدق لحظات التحول التي عرفها المغرب الحديث.
وليس من المبالغة القول إن عبد الله كنون قد نشأ في زمنٍ كانت فيه المعركة على المغرب أعمق من أن تُختزل في حدود الاحتلال العسكري أو التنافس السياسي إذ كانت في جوهرها معركة على الروح، على الذاكرة، على اللسان، على صورة الذات في مرآة التاريخ وعلى قدرة المجتمع المغربي على أن يظل هو هو، وهو يواجه رياحا عاتية من التفكيك الرمزي والتشتيت الثقافي وإعادة التشكيل الاستعماري. ففي مثل هذه اللحظات لا تعود اللغة مجرد أداةٍ للتعبير بل تصير موضعا للصراع؛ ولا يعود التعليم مجرد وظيفة إدارية بل يغدو ميدانا حاسما في صناعة الإنسان؛ ولا يعود الأدب ترفا جماليا بل يتحول إلى فعل مقاومة؛ ولا يعود استحضار التراث رجوعا إلى الوراء بل يصبح شرطا من شروط التقدم نفسه، لأن الأمة التي تُنتزع من ذاكرتها تُنتزع من مستقبلها قبل أن تُنتزع من ماضيها. وتبرز القيمة العميقة هنا لعبد الله كنون إذ أدرك بحدس المفكر الرسالي أن إصلاح المجتمع المغربي لا يبدأ من سطح الوقائع بل من البنية العميقة التي تتشكل فيها شخصيته التاريخية، أي من اللغة التي يفكر بها ومن الثقافة التي يتغذى منها ومن التعليم الذي يُصاغ فيه وعيه ومن التراث الذي يستمد منه معنى استمراره في الزمان.
لقد كان عبد الله كنون في هذا الأفق واحدا من أولئك الذين فهموا مبكرا أن النهضة ليست مجرد استعارة نماذج جاهزة من الخارج ولا مجرد إعادة ترديد أمجاد الماضي وإنما هي فعلٌ مركب من استعادةٍ واعية للذات ومن بناءٍ جديد لأدواتها ومن بعثٍ لمقوماتها الأصيلة في صورةٍ تُمكّنها من مواجهة العصر دون أن تفقد نفسها فيه. ولذلك لم يكن دفاعه عن اللغة العربية دفاعا عاطفيا مجرّدا ولا موقفا وجدانيا يكتفي بتمجيدها في الخطب والمجالس، بل كان دفاعا حضاريا مؤسسا على وعيٍ دقيق بأن العربية في المغرب ليست مجرد لسانٍ من ألسنة التعبير، وإنما هي وعاء الذاكرة العلمية ولسان التديّن وحامل التراث الفقهي والأدبي وجسر الانتماء إلى المجال العربي الإسلامي وأحد الأعمدة الكبرى التي قام عليها التماسك الرمزي للمجتمع المغربي عبر القرون. ومن ثم فإن إضعافها لا يعني مجرد إزاحة لغة من موقعها بل يعني زعزعة نظامٍ كامل من المعاني والقيم والمرجعيات وإحداث شرخٍ في البنية العميقة للهوية الوطنية.
ومن هنا أيضا كانت عنايته بالتعليم عنايةً تتجاوز حدود الإصلاح المدرسي بالمعنى التقني لتلامس جوهر المسألة الحضارية ذاتها. فقد كان يرى في وعيٍ لا تخطئه البصيرة أن المدرسة ليست فضاءً محايدا لتوزيع المعارف بل هي مصنعٌ للوجدان ومختبرٌ لصياغة العقول ومجالٌ تتقرر فيه صورة الإنسان الذي تريده الأمة لنفسها. فإذا كانت المدرسة منبتّةً عن لغتها، غريبةً عن تاريخها، منقطعةً عن رسالتها الأخلاقية والثقافية، فإنها قد تُنتج أفرادا ذوي كفايات، لكنها تعجز عن إنتاج إنسانٍ مكتمل الانتماء، متوازن الشخصية، قادر على أن يجمع بين الفهم والعمل وبين المعرفة والضمير وبين الانفتاح على العصر والرسوخ في الذات. ولهذا فإن عبد الله كنون لم يكن يشتغل على تعليم العربية بوصفه بابا من أبواب التخصص بل بوصفه شرطا من شروط بناء الإنسان المغربي الحديث، الإنسان الذي لا يتنكر لمرجعيته ولا يعتذر عن لغته ولا يتوهم أن التقدم مرادفٌ للانفصال عن الأصل، بل يدرك أن الأصالة ليست ضد الحركة وأن الهوية ليست ضد العقل وأن اللغة ليست ضد العلم وأن التراث ليس ضد الإبداع.
وإذا كان بعض المفكرين يُعرفون بكتابٍ واحد أو بنظريةٍ محددة أو بموقفٍ اشتهروا به، فإن عبد الله كنون يُعرف على نحوٍ أعمق بكونه أحد البنّائين الكبار للوسط الثقافي المغربي الحديث؛ ذلك الوسط الذي تتداخل فيه وظيفة العالم ورسالة الأديب ودور المؤرخ ومهمة المربي ومسؤولية المثقف العمومي. فهو لم يكتفِ بأن يكتب عن الأدب بل أعاد به الاعتبار إلى الوجدان المغربي؛ ولم يكتفِ بأن يكتب عن التاريخ الثقافي بل رمّم به صورة المغرب في وعي أبنائه؛ ولم يكتفِ بأن ينتصر للعربية بل جعل من انتصاره لها ممارسةً مؤسساتية وتربوية وفكرية؛ ولم يكتفِ بأن ينقد مظاهر الضعف بل أسهم في بناء البدائل من خلال المدرسة والكتاب والمنبر العلمي والحضور الثقافي الوازن. إن الحديث عن إسهاماته الفكرية في إصلاح المجتمع المغربي وتعليم اللغة العربية ليس حديثا عن جانبٍ عرضي من سيرته بل هو حديث عن جوهر مشروعه وعن قلب رسالته وعن المعنى الأعمق الذي تنتظم به أعماله ومواقفه ومؤلفاته.
إن عبد الله كنون ليس مجرد اسمٍ في سجل النهضة المغربية بل هو علامةٌ على لحظةٍ وعت فيها النخبة المغربية أن معركة التحرر لا تُخاض بالسلاح وحده وأن مقاومة الاستعمار لا تكتمل بالسياسة وحدها وأن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات وحدها وإنما يُصنع أيضا – وربما أساسا – في الكلمة التي تُكتب وفي اللغة التي تُعلَّم وفي المدرسة التي تُبنى وفي الذاكرة التي تُستعاد وفي الوعي الذي يُربّى على احترام ذاته دون انغلاق وعلى الانفتاح على العالم دون ذوبان. ولذلك فإن استحضار عبد الله كنون اليوم ليس مجرد وفاءٍ لعلمٍ من أعلام المغرب بل هو استدعاءٌ لسؤالٍ ما يزال قائما بإلحاح: كيف يمكن للأمة أن تُصلح نفسها من داخل روحها لا من خارجها وأن تُحدّث أدواتها دون أن تُبدّد أصولها وأن تجعل من اللغة والتعليم والثقافة قوىً فاعلة في نهضتها لا موضوعاتٍ هامشية مؤجلة؟ ذلك هو السؤال الذي يجعل من تجربة عبد الله كنون تجربةً حيّة ويجعل من التأمل في إسهاماته ضرورةً فكرية لا مجرد استذكارٍ تاريخي.
إذا كان لبعض الرجال أن يتحولوا في تاريخ الأمم إلى علاماتٍ دالّة لا على ذواتهم فحسب، بل على المنعطفات الحضارية التي عبرتها مجتمعاتهم، فإن عبد الله كنون يندرج في هذا المقام الرفيع بوصفه واحدا من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يكتبوا النص بل سعوا إلى إعادة كتابة الشروط الثقافية التي تجعل النص فاعلا في الاجتماع ومؤثرا في الوعي وموجِّها في التاريخ. ذلك أن الرجل لم يكن مجرد أديب أو فقيه أو مؤرخ أو لغوي بل كان مشروعا فكريا متكاملا تشكّل عند تقاطع الإصلاح الديني والنهضة الثقافية وبعث العربية والدفاع عن الشخصية المغربية في زمن كانت فيه الذات الوطنية مهددة بالاستلاب وكانت اللغة نفسها مهددة بأن تتحول من وعاء للهوية إلى بقايا تراث منزوع الفاعلية. وقد عُدّ بالفعل من أعمدة النهضة الأدبية والعلمية في المغرب ومن كبار المدافعين عن العربية والثقافة المغربية الحديثة، كما ارتبط اسمه بمشروع ثقافي نهضوي ممتد منذ عشرينيات القرن العشرين، وهو ما تؤكده التراجم الحديثة والمراجع التعريفية حوله
وليس من قبيل المبالغة القول إن عبد الله كنون كان يفكر في المجتمع المغربي من داخل سؤال مزدوج، كيف تُصان الذات المغربية من الذوبان؟ وكيف تُستعاد العربية لا باعتبارها لسانا مدرسيا جامدا بل باعتبارها أفقا حضاريا ومنهجا في التكوين ووسيلةً لبناء الإنسان؟ وهذا السؤال المزدوج هو الذي يمنح تجربته خصوصيتها؛ لأنه لم ينظر إلى اللغة على أنها أداة محايدة ولم ينظر إلى الإصلاح على أنه مجرد وعظ أخلاقي أو برنامج إداري بل أدرك أن فساد العمران يبدأ حين تنفصل اللغة عن الروح وحين ينفصل التعليم عن الرسالة وحين تنفصل النخبة عن الأمة. ولذلك فإن قراءة كنون تقتضي أن يُنظر إليه بوصفه مفكرا في “النسيج الثقافي” للمجتمع المغربي لا بوصفه كاتبا في موضوعات متفرقة.
لقد ولد عبد الله كنون سنة 1908 بفاس ثم انتقل مع أسرته إلى طنجة، وتلقى تكوينه الأول على يد والده وبعض علماء المدينة، فاجتمع له منذ البداية ما ندر أن يجتمع لغيره، رسوخ في التكوين الشرعي وتمرّس مبكر باللغة العربية وآدابها وانفتاح على المجال الحضري الدولي الذي كانت تمثله طنجة في تلك المرحلة. وقد عُرف عنه أنه أسس مدرسة أهلية خاصة بطنجة سنة 1936 ثم تولى إدارة المعهد الإسلامي بعد ذلك، كما اضطلع بأدوار ثقافية وعلمية ووطنية متعددة، وكان عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وأمينا عاما لرابطة علماء المغرب إلى وفاته سنة 1989، وهذه المعطيات ليست مجرد تفاصيل بيوغرافية بل هي مفاتيح لفهم اتساع مشروعه لأن الرجل لم يكن حبيس المكتبة وإنما كان يمارس الفكر في المؤسسات ويترجم الثقافة إلى فعل اجتماعي وتعليمي وتنظيمي
وإذا كان الإصلاح في الوعي الإسلامي الحديث قد اتخذ مسالك شتى، من الإصلاح العقدي عند محمد عبده إلى الإصلاح الاجتماعي عند رشيد رضا إلى الإصلاح التربوي عند رواد النهضة العربية، فإن عبد الله كنون يمثل في السياق المغربي صورة مركبة من هذه المسالك، لكن مع وعي مخصوص بالخصوصية المغربية. فهو لم يكن منبهرا بنماذج الإصلاح المستوردة انبهار التابع ولم يكن في الآن نفسه منغلقا على تقليد ماضوي جامد. وقد كان في هذا أقرب إلى ما عبّر عنه مالك بن نبي حين رأى أن النهضة لا تُستورد بل تُبنى من “القابلية الحضارية” للأمة وأقرب أيضا إلى ما نبه إليه بن خلدون قبل قرون حين ربط العمران بفعالية العلم والعصبية واللسان. ولعل كنون قد وعى بحدس المثقف العضوي أن المغرب لا يمكن أن يدخل الحداثة الحقة إذا دخلها فاقدا لذاكرته وأن اللغة العربية ليست عائقا أمام النهوض بل إن العائق الحقيقي هو تحويلها إلى محفوظات مدرسية منفصلة عن الحياة.
ومن هنا نفهم سر عنايته الكبرى بإعادة الاعتبار للموروث المغربي المكتوب بالعربية. فكتابه الشهير «النبوغ المغربي في الأدب العربي» ليس مجرد عمل ببليوغرافي أو موسوعة أدبية، وإنما هو فعل مقاومة ثقافية بامتياز. لقد أراد من خلاله أن يرد على أطروحة ضمنية كانت شائعة في بعض الأوساط الاستعمارية والمشرقية معا، مؤداها أن المغرب هامشٌ ثقافي وأن العربية فيه لم تنتج منجزا يضاهي ما أنتجته المراكز التقليدية في المشرق. فجاء كنون ليؤسس بالوثيقة والتحليل والاستقصاء، لوعي جديد بالذات المغربية وليمارس ما يمكن تسميته “تحرير الذاكرة الأدبية” من الأحكام الجاهزة. والكتاب معروف في الأوساط العلمية بوصفه من أهم أعماله، وخصّص لتتبع التاريخ العلمي والأدبي للمغرب واختيار نماذج من نثره وشعره وهو ما يعكس طبيعة المشروع الذي كان يتجاوز الجمع إلى التشييد الرمزي لصورة المغرب في مرآة العربية
وهنا يتجلى البعد الإصلاحي العميق في عمله، حيث إن الأمة التي تُنزع منها ثقتها بتراثها تُنزع منها قدرتها على الإبداع، وقد كان كنون يفهم هذا المعنى بوضوح نادر. فاستعادة أعلام المغرب في الفقه والأدب واللغة والتاريخ لم تكن عنده تمجيدا متحفيا للماضي وإنما كانت تأسيسا لثقة حضارية لازمة لأي مشروع تربوي. وما أحسن ما قاله الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ”، غير أن كنون كان يضيف بفعله لا بعبارته أن الشأن أيضا في إنصاف الذاكرة الجماعية وإعادة وصل الأجيال بسلسلة الإبداع. فالتعليم الذي لا يعرّف المتعلم بأصوله يخرّج أفرادا صالحين للاستهلاك لا للبناء، واللغة التي لا تُربط بتاريخ أهلها تتحول إلى لسان وظيفي فاقدٍ للسيادة الرمزية.
ولذلك فإن عبد الله كنون حين دافع عن العربية لم يدافع عنها بدافع عصبية لغوية ساذجة ولا بمنطق التقديس الفارغ بل بمنطق حضاري مركب. كان يدرك أن العربية في المغرب ليست مجرد لغة شعائر وإن كانت لغة القرآن، وليست مجرد لغة تراث وإن كانت وعاء العلوم الإسلامية بل هي أيضا لغة الوحدة الثقافية بين جهات البلاد ولغة الانتساب إلى فضاء حضاري أوسع ولغة قادرة على إنتاج المعرفة الحديثة متى وجدت الإرادة التربوية والسياسية والمؤسساتية. وفي هذا يلتقي مع ما قاله الرافعي من أن “اللغة مظهر من مظاهر تاريخ الأمة”، بل يلتقي أيضا مع ابن جني في قوله العميق: “إن أكثر من ضل من أهل النظر إنما ضل لفقده علم العربية”. وليس المقصود هنا علم الإعراب في ضيق معناه المدرسي بل العلم بالبنية التي يتشكل بها التفكير في لغة ما، لأن اللغة ليست لباس الفكرة بل هي أحد شروط تولدها.
ومن أعظم ما يُحسب لكنون أنه فهم العلاقة العضوية بين التعليم والنهضة الاجتماعية. فهو لم يكن يكتب عن اللغة من برج نظري منعزل بل خاض تجربة التعليم المباشر وأسهم في تأسيس مؤسسات تربوية ووعى مبكرا أن المعركة الحقيقية مع الاستعمار ليست عسكرية فقط بل هي معركة مناهج وكتب وألسنة. فالاستعمار كما هو معلوم لا يكتفي بالهيمنة على الأرض بل يسعى إلى إعادة تشكيل الذوق والمعرفة والمرجعية. ومن هنا كانت المدرسة عند كنون فضاءً للمقاومة الثقافية وكانت العربية فيها أداةَ صونٍ للهوية وبناءٍ للوعي. وحين أسس مدرسة أهلية بطنجة لم يكن يؤسس بناية تعليمية فحسب بل كان يؤسس موقفا من العالم، وهو أن الأمة قادرة على أن تنتج تعليمها وأن تربي أبناءها على لسانها وأن تبني شخصيتها خارج وصاية المحتل. وهذا المعطى مثبت في ترجمته العلمية ومذكور ضمن مناصبه وأدواره التربوية
إن فلسفة التعليم عند عبد الله كنون – وإن لم يصغها في شكل “نظرية تربوية” بالمعنى الاصطلاحي الحديث – يمكن استنباطها من مجموع أعماله ومواقفه. فهي تقوم على مركزية التكوين اللغوي والأدبي وعلى وصل العلم بالأخلاق وعلى اعتبار الثقافة الوطنية شرطا من شروط التحرر. وهذا التصور يلتقي مع ما قرره علماء التربية الكبار من أن التعليم ليس نقلا للمعلومات بل صناعةٌ للإنسان. وقد قال أبو حامد الغزالي: “ثمرة العلم العمل”، غير أن كنون كان لسان حاله يقول: ثمرة التعليم أيضا بناء المواطن الذي يعرف من هو ومن أين جاء وبأي لغة يعبّر عن وجوده. ومن هنا كان اهتمامه بالأدب العربي في المغرب جزءا من مشروع تربوي لا مجرد شغف تخصصي؛ لأن الأدب عنده مدرسة للذوق والذوق مدرسة للأخلاق والأخلاق شرط لاستقامة الاجتماع.
ولم يكن كنون غافلا عن أن إصلاح المجتمع المغربي لا يتحقق بالعودة اللفظية إلى التراث بل بالتمييز بين روح التراث وجموده. وهذا ما يفسر نبرته المتوازنة التي تجمع بين الوفاء للأصول والانفتاح على العصر. فقد كان من طينة العلماء الذين يفهمون أن الجمود على القديم ليس محافظة كما أن القطيعة مع القديم ليست تقدما. ولعل هذا المعنى هو ما جعل تجربته أعمق من مجرد خطاب وعظي؛ إذ كان يرى أن العربية ينبغي أن تُدرّس بوصفها لغة حياة وإبداع لا بوصفها نظاما عقابيا من القواعد الصماء. ولو أردنا أن نستعير عبارة طه حسين – مع اختلاف السياقات – لقلنا إن كنون كان يريد للعربية أن تكون “حقا مشاعا” للأمة كلها لا حكرا على أهل التخصص الضيق ولا رهينةً لطرائق تدريس تنفّر منها الناشئة بدل أن تُحببها إليهم.
ومن أخصّ خصائص مشروعه الإصلاحي أنه لم يفصل بين تعليم العربية وتعليم الانتماء. فاللغة عنده كانت تربية على الحس التاريخي وعلى الانخراط في الجماعة الوطنية وعلى إدراك الامتداد الإسلامي الحضاري للمغرب. إن معركته من أجل العربية كانت أيضا معركة من أجل المعنى. إن المجتمع الذي يفقد لغته العليا – أي اللغة التي تنتج بها المعرفة الرفيعة وتُكتب بها الذاكرة وتُصاغ بها القيم – يتعرض لتشظٍّ في وجدانه العميق. وقد أدرك كنون مبكرا أن الازدواجية اللغوية المختلة إذا تُركت دون مشروع متوازن قد تفضي إلى انقسام طبقي وثقافي بين نخبٍ تُفكر بلسان وجماهيرَ تتدين وتعيش بلسان آخر. وهذا الانقسام في جوهره ليس مشكلة لغوية فحسب بل مشكلة عدالة معرفية، لذلك كان دفاعه عن العربية دفاعا عن الحق في التملك الجماعي للثقافة.
ومن هنا أيضا نفهم لماذا اتخذت كتاباته طابعا تعبويا راقيا يجمع بين حرارة الغيرة على الأمة ورصانة التحقيق العلمي. لم يكن خطابه انفعاليا بل كان يشتغل بالحجة وبالاستحضار الواعي للموروث وبإبراز النماذج المغربية المشرقة. لقد كان يريد أن يربي المجتمع عبر الكتابة نفسها؛ أن يعلّم القارئ كيف يقرأ تاريخه دون عقدة نقص وكيف ينظر إلى العربية دون شعور بالدونية وكيف يفهم الإصلاح بوصفه تركيبا بين الأصالة والحركة. وفي هذا المعنى يصدق عليه ما قاله أنطونيو غرامشي عن “المثقف العضوي” وإن اختلفت المرجعيات؛ فهو مثقف لم ينفصل عن قضايا مجتمعه ولم يجعل المعرفة زينةً للنخبة بل حمّلها وظيفة تاريخية.
وليس من العبث أن يكون عبد الله كنون قد نال مكانة علمية واسعة داخل المغرب وخارجه وأن يرتبط اسمه بمجامع لغوية ومؤسسات علمية كبرى، لأن ذلك يدل على أن دفاعه عن العربية لم يكن محليا محدود الأثر بل كان جزءا من الجهد العربي العام في القرن العشرين لاستعادة اللغة من الهامش الاستعماري ومن الضعف المؤسسي. وقد كان عضوا نشيطا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ ستينيات القرن الماضي وهو معطى يكشف عن الاعتراف العربي بمكانته في خدمة العربية والبحث فيها
على أن ما يميز عبد الله كنون في تقديري المتواضع هو أنه لم يجعل من العربية شعارا سياسيا فارغا بل ربطها بالإنتاج العلمي والأدبي الحقيقي. فاللغة لا تُنقذ بالخطب وحدها وإنما تُنقذ بالتأليف وبإعداد الأجيال وبإحياء الذخيرة الثقافية وبإثبات قدرتها على التعبير عن العالم. ولهذا كثرت مصنفاته وتنوعت بين الأدب والتاريخ والفكر الإسلامي والسير واللغة حتى بدا كأنه يبرهن بمجموع أعماله على أن العربية في المغرب ليست موضوع دفاع فحسب بل هي ميدان إنجاز. وهذا المعنى بالغ الأهمية؛ لأن كثيرا من دعاوى الإصلاح تسقط حين تعجز عن التحول إلى نصوص ومؤسسات ومناهج، أما كنون فقد جمع بين القول والعمل وبين الفكرة والبناء.
إننا إذا أمعنا النظر في أثره وجدنا أن إسهامه في إصلاح المجتمع المغربي كان يمر عبر ثلاث قنوات متداخلة: إعادة بناء الثقة في الذات الحضارية المغربية وإحياء العربية باعتبارها لغة تربية ومعرفة وصياغة نموذج للعالم–الأديب الذي يتدخل في الشأن العام دون أن يفقد وقاره العلمي. وهذه القنوات الثلاث هي التي جعلت مشروعه أبعد من حدود “الكتابة عن اللغة” أو “الحديث عن الإصلاح”، ليصير مساهمة فعلية في إعادة تشكيل الوعي الوطني في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.
ولذلك فإن عبد الله كنون لا يُقرأ اليوم بوصفه مجرد اسم من أسماء النهضة المغربية بل بوصفه شاهدا على حقيقة فكرية كبرى، وهي أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح تصوراته عن نفسه وأن تعليم اللغة ليس شأنا تقنيا منفصلا عن السياسة والثقافة والدين والتاريخ بل هو في صميمها جميعا. فاللغة كما يقول هايدغر “بيت الكينونة”، وإذا صح هذا في الفلسفة العامة فإنه في حالة المجتمعات المستعمَرة أو المهددة بالاستلاب يصبح أشدَّ صدقا؛ لأن الدفاع عن اللغة فيها دفاع عن الحق في السكنى داخل الذات لا في ظلال الغير.
إن النظر الدقيق في مشروع عبد الله كنون يفضي إلى نتيجة منهجية بالغة الأهمية، وهي أن الرجل لم يكن يتعامل مع تعليم اللغة العربية بوصفه فرعا من فروع السياسة التعليمية فحسب، بل كان يتعامل معه باعتباره قلب المشروع الإصلاحي برمته؛ لأن اللغة عنده ليست مادةً دراسية تُدرَّس بين سائر المواد، وإنما هي النسق العميق الذي تنتظم به صورة العالم في ذهن المتعلم وتتحدد به علاقته بتاريخه وتتشكل به قابليته لفهم النص الديني واستيعاب التراث والانخراط في الفضاء الوطني والحضاري. ومن ثم فإن كل حديث عن إسهاماته في إصلاح المجتمع المغربي لا يكتمل إلا إذا أُعيد بناء تصوره الضمني للمدرسة وللمعرفة وللعلاقة بين اللسان والوجدان وبين الثقافة والسلطة وبين التعليم والتحرر.
لقد كان عبد الله كنون ابن مرحلة تاريخية دقيقة لم يكن الصراع فيها مجرد تنافس بين مناهج بيداغوجية ولا مجرد اختلاف بين رؤى لغوية بل كان صراعا وجوديا على روح المغرب ذاته. فالاستعمار الفرنسي والإسباني لم يدخلا البلاد بوصفهما مجرد قوتين عسكريتين، وإنما دخلا بمشروع ثقافي موازٍ يسعى إلى تفكيك البنية الرمزية للمجتمع وإعادة ترتيب مرجعياته وتوزيع السلطة اللغوية على نحو يجعل العربية في مرتبة التابع ويجعل اللغة الأجنبية في موضع السيادة المعرفية والإدارية والاجتماعية. وقد فهم كنون هذا البعد فهما عميقا، ولذلك لم يكن دفاعه عن العربية مجرد حنين إلى الماضي ولا مجرد استجابة وجدانية لهيبة القرآن، بل كان إدراكا صارما بأن من يفقد السيادة على لسانه يفقد تباعا السيادة على تصوره للعالم وعلى نظامه القيمي وعلى تاريخه المؤول وعلى مستقبله الممكن. ولعل هذا المعنى هو ما يجعل مشروعه أقرب إلى ما عبّر عنه فرانز فانون وإن من زاوية مغايرة حين بيّن أن اللغة ليست مجرد أداة للتخاطب بل هي دخول في عالمٍ كامل من القيم والتمثلات. غير أن كنون كان بخلفيته الإسلامية العربية المغربية يرى أن استعادة اللغة ليست استعادة جهازٍ رمزي محايد بل استعادة أفق حضاري بكامله.
ومن هنا كانت رؤيته التربوية متجاوزةً للمفهوم التقني للتعليم. فهو لم يكن يرى المدرسة مجرد مؤسسة لتلقين المعارف وإنما كان يراها مصنعا للضمير الجماعي. والفرق بين التلقين والتكوين عنده فرق جوهري؛ لأن التلقين يُخرّج حافظين، أما التكوين فيُخرّج شخصيات. ولئن لم يضع عبد الله كنون كتابا مستقلاً في “فلسفة التربية” بالمفهوم الأكاديمي الحديث، فإن مجموع ممارساته ومقالاته واختياراته المؤسسية وآثاره الأدبية والتاريخية يكشف عن نسق متكامل في النظر إلى التعليم. هذا النسق يقوم على أن اللغة العربية ينبغي أن تُستعاد في المدرسة باعتبارها لغة تفكير لا لغة محفوظات؛ وباعتبارها لغة وجدان وذوق لا لغة قواعد مجردة؛ وباعتبارها لغة مواطنة ثقافية لا مجرد أداة اجتياز امتحانات. وهذه الرؤية في حقيقتها رؤيةٌ متقدمة حتى بالقياس إلى كثير من النقاشات التربوية المعاصرة؛ لأنها تتجاوز السؤال البيداغوجي الجزئي إلى سؤال المعنى الحضاري للتعليم.
ولعل من أدق ما يمكن قوله في هذا السياق إن كنون كان واعيا بما يمكن تسميته “مأزق المدرسية اللغوية”؛ أي ذلك النمط من تعليم العربية الذي يحوّلها إلى سلسلة من القيود الإعرابية والتصنيفات الصرفية الجافة حتى يغدو المتعلم في خصومة معها بدل أن تكون له أداةَ انفتاحٍ على النص والخيال والفكر. وهذا المأزق لم يكن خافيا على كثير من رواد النهضة، وقد نبه إليه قبل ذلك الرافعي والعقاد وطه حسين وغيرهم كلٌّ بطريقته، لكن عبد الله كنون عالجه من داخل التجربة المغربية خصوصا حيث كانت العربية مهددة من جهة بضعف بعض طرائق التعليم التقليدي حين تنفصل عن روحها ومهددة من جهة أخرى بسياسات الإضعاف الاستعماري حين يُراد لها أن تبقى حبيسة المسجد أو الكتّاب دون أن تدخل بقوة إلى فضاءات الإدارة والعلم الحديث والتكوين الوطني. ولذلك كان كنون في العمق، يواجه خطرين متقابلين: خطر الجمود الذي يميت اللغة باسم خدمتها وخطر التغريب الذي يعزلها باسم التحديث.
وهذا هو موضع فرادته؛ لأنه لم يسقط في أحد الطرفين، لم يكن من دعاة المحافظة الجامدة التي ترى كل جديد بدعة، ولم يكن من أنصار الحداثة المقلدة التي ترى كل موروث عبئا. لقد كان يدرك أن اللغة الحية لا تعيش إلا بالتجدد، لكن التجدد عنده ليس هدما للأصول بل بعثٌ لوظيفتها في شروط العصر. ولعل هذا هو المعنى الذي يجعل تجربته تلتقي مع ما قاله الشاطبي في باب المقاصد من أن “الالتفات إلى المعاني أولى من الجمود على الصور”، فإذا نُقل هذا المنهج من حقل أصول الفقه إلى حقل التربية اللغوية أمكن أن نقول إن كنون كان يطلب مقاصد العربية لا رسومها فحسب؛ أي كان يطلب منها أن تنتج الفهم والذوق والانتماء والقدرة على التعبير لا أن تظل مجرد نظام شكلي مغلق على ذاته.
ومن هنا نفهم أن تأسيسه للمؤسسات التعليمية وانخراطه في تسييرها لم يكن عملاً إداريا عابرا، بل كان جزءا من استراتيجية ثقافية واعية. فالمدرسة الأهلية التي أسسها بطنجة لم تكن مجرد مبادرة أهلية لسد فراغ، وإنما كانت في معناها الأعمق فعلا سياديا في زمن السيطرة الأجنبية. إنها تعني أن المجتمع قادر على أن ينشئ فضاءً تربويا يحفظ لغته ويصون دينه ويغرس وعيه الوطني ويقاوم به سياسات التهميش اللغوي. وهنا تبرز إحدى القضايا المركزية في فكر كنون، وهي أن الإصلاح لا يتحقق بالشعار وحده بل لا بد له من مؤسسات. فكم من مفكرين كتبوا في النهضة ولم يبنوا مدرسة، وكم من خطباء مجّدوا العربية ولم يضعوا بين يديها منهجا أو تلميذا أو كتابا أو فضاءً للتنشئة. أما كنون فقد جمع بين الكتابة المؤسِّسة والممارسة المؤسسة وبين التنظير الضمني والفعل التربوي المباشر، ولذلك كان أثره أبقى من أثر كثيرين ممن ارتفع صوتهم وانخفض فعلهم.
وليس من المبالغة القول إن عبد الله كنون كان ينظر إلى الأدب نفسه بوصفه أداةً من أدوات الإصلاح الاجتماعي. فالأدب عنده ليس ترفا بلاغيا ولا زخرفا لغويا ولا مجرد تسلية للنخبة، بل هو ميدان لتربية الحسّ وصقل الذوق وتطهير الوجدان وتوسيع أفق الإنسان. وقديماً قال ابن خلدون إن “الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال”، وإذا كان الأمر كذلك فإن تربية الذوق الأدبي ليست شأنا هامشيا لأنها تُكسب النفس ملكة التمييز بين الرفيع والساقط، بين الجميل والقبيح وبين المنسجم والمشوش. إن العناية بالأدب العربي قديمه وحديثه في المشروع الكنوني كانت عنايةً بإصلاح الذائقة العامة لأن المجتمع الذي تهبط ذائقته يهبط معه معيار الحكم في الأخلاق والسياسة والفكر. ولهذا السبب كان عبد الله كنون يكتب في الأدب والتاريخ واللغة كتابةً تتجاوز الحقل التخصصي الضيق إلى أفق التربية الشاملة.
ومن أعظم تجليات هذا المنحى كتاباته التي أعادت الاعتبار إلى الأدب المغربي المكتوب بالعربية لا من حيث كونه موروثا محفوظا فحسب، بل من حيث كونه دليلا على قدرة المغاربة على الإبداع في لسانهم وعلى إسهامهم في الحضارة العربية الإسلامية إسهاما أصيلا لا تابعا. إن استعادة هذا الوعي كانت ضرورية في زمن شاع فيه، صراحةً أو ضمنًا احتقارٌ للمنتَج المغربي إما من بعض الخطابات الاستعمارية التي سعت إلى تصوير المغرب فضاءً بلا مركز ثقافي أصيل، وإما من بعض النزعات المشرقية التي كانت تنظر إلى المغرب نظرة الأطراف إلى المركز. فجاء كنون ليقول من خلال التحقيق والتأليف والاستقصاء، إن المغرب ليس هامشا وإن العربية فيه لم تكن صدى بل كانت صوتا. وهذه الفكرة وإن بدت في ظاهرها أدبية تاريخية فإنها في باطنها إصلاحية تربوية؛ لأنها تعيد بناء احترام الذات الجماعية وتحرر الناشئة من مركّب النقص وتؤسس لما يمكن تسميته “المواطنة الثقافية”؛ أي شعور الفرد بأنه وريث شرعي لمنجز حضاري لا متطفل على ذاكرة الآخرين.
وإذا أردنا أن نُحكم النظر أكثر، أمكننا أن نقول إن كنون مارس من خلال مشروعه ما يشبه “التأويل الوطني للتراث”. والمقصود بهذا التعبير أنه لم يكتفِ بعرض التراث عرضا وصفيا بل أعاد تنظيمه في الوعي الحديث بما يجعله موردا لبناء الأمة. فالتراث عنده ليس ركاما من النصوص بل مادة قابلة لإعادة الإدماج في مشروع النهوض. وهذا شبيه بما فعله بعض كبار المصلحين في العالم الإسلامي غير أن خصوصيته تكمن في أنه أنجز ذلك داخل الحقل المغربي تحديدا فاستخرج من الذاكرة المغربية عناصر القوة وأعاد وصلها بالحاضر وجعل من العربية الجسر الذي تنتقل عبره هذه الذاكرة من جيل إلى جيل. وفي هذا المعنى يمكن أن نعده واحدا من صانعي “الاستمرارية الثقافية” في المغرب الحديث؛ إذ لولاه ولولا أمثاله من العلماء والأدباء لكان الانقطاع أشد ولكانت أجيال ما بعد الاستقلال أكثر اغترابا عن ميراثها.
ولقد كان عبد الله كنون في مواقفه اللغوية بعيدا عن التشنج الذي يُفسد القضايا العادلة. فهو لم يكن يدافع عن العربية ضد اللغات الأخرى دفاعا إقصائيا بدائيا، وإنما كان يدافع عن حقها الطبيعي في أن تكون لغة التكوين الأساسي والمرجعية الثقافية الجامعة. والفرق بين الأمرين مهم للغاية. فالانفتاح على اللغات الأجنبية عنده لا ينبغي أن يتحول إلى استبدالٍ للذات ولا إلى إقصاء للسان الذي يحمل البنية الروحية والتاريخية للمجتمع. إن تعلم اللغات الأخرى فضيلة معرفية بل ضرورة حضارية، ولكن تحويلها إلى بديل عن العربية في صناعة النخب وفي إنتاج المعنى العمومي هو في نظر مشروعه الضمني ضربٌ من الاغتراب المنظم. وهذا الموقف بالغ الرصانة؛ لأنه يرفض الثنائية الساذجة بين الانغلاق والتبعية ويقترح بدلا منها نموذجا مركبا: عربيةٌ مركزية في التكوين والهوية والمرجعية وانفتاحٌ مدروس على لغات العصر في حدود الحاجة والوظيفة لا في حدود الذوبان والتفوق الرمزي.
وهذا المعنى يزداد وضوحا إذا استحضرنا أن كنون كان يتحرك في سياقٍ مغربي معقد، يتداخل فيه البعد العربي والإسلامي والأمازيغي والمتوسطي والإفريقي ويتعرض فيه التعليم لضغوطٍ استعمارية وسياسية واجتماعية متشابكة. ولذلك فإن دفاعه عن العربية لم يكن دعوةً إلى اختزال المغرب في بعدٍ واحد، بل كان دفاعا عن العمود الفقري الثقافي الذي بدونه يتعذر انتظام بقية الأبعاد في صورة جامعة. لقد فهم أن العربية بحكم تاريخها في المغرب لم تكن مجرد لغة جماعة إثنية أو سياسية، بل تحولت عبر القرون إلى لغة العلم والفقه والقضاء والكتابة الرسمية والآداب المشتركة، وصارت بهذا المعنى أحد أهم عناصر الوحدة الرمزية للبلاد. ومن ثم فإن إضعافها ليس مجرد تعديل في السياسة اللغوية بل هو مساسٌ ببنية الالتحام التاريخي بين جهات المغرب ونخبه وعوامه، بين مسجده ومدرسته وبين ذاكرته المكتوبة ووعيه الحاضر.
ولم يكن هذا الفهم منفصلا عن حسه الفقهي والأصولي العميق. فالعالم المتشبع بالفقه يدرك أكثر من غيره أن اللغة ليست زينة خارجية بل هي شرط للفهم الصحيح، وأن اضطراب اللسان يؤدي إلى اضطراب الدلالة واضطراب الدلالة يفضي إلى فساد في الفهم والحكم والعمل. وقد قال الشافعي وهو إمامٌ في هذا الباب، ما معناه إن جهل لسان العرب من أعظم أسباب الخطأ في فهم الشريعة. وعبد الله كنون بما له من صلة قوية بالعلوم الشرعية واللغة معا، كان واعيا بأن إصلاح تعليم العربية ليس مجرد خدمة للأدب بل هو أيضا خدمةٌ للدين في بعده المعرفي وللفقه في بعده الاستنباطي وللأخلاق في بعدها القيمي وللمجتمع في بعده التربوي. وهذا ما يجعل مشروعه الإصلاحي أعمق من أن يُختزل في “قضية لغوية” بالمعنى المدرسي الضيق؛ لأنه في الحقيقة مشروع لإصلاح بنية الفهم في المجتمع.
ومن أبدع ما يتجلى في شخصية كنون هذا التوازن بين الوقار العلمي والحضور العمومي. لقد كان من العلماء الذين لا ينحبسون في دوائر التخصص حتى يفقدوا أثرهم في الناس ولا يندفعون إلى الشعبوية الثقافية حتى يفقدوا عمقهم. وهذه خصيصة نادرة، لأن كثيرا من أهل العلم إذا خرجوا إلى المجال العام خفّفوا من رصانتهم حتى يرضوا الجمهور، وكثيرا من أهل الرصانة إذا لزموا تخصصهم انقطع أثرهم الاجتماعي. أما كنون فقد نجح إلى حد بعيد في أن يكون عالما ذا لسان أدبي وأديبا ذا أفق إصلاحي ومصلحا ذا سند علمي. ومن هنا أمكن لخطابه أن يلامس النخبة والعموم معا وأن يؤثر في المؤسسات والوجدان في آنٍ واحد. وهذه القدرة على العبور بين المستويات هي من أهم أسباب خلود الأثر.
وإذا قارنا مشروعه على سبيل الإضاءة لا الاستقصاء، ببعض أعلام الإصلاح المغربي، ظهر لنا أن له نبرةً مخصوصة. فَعَلّال الفاسي مثلا، كان أكثر التصاقا بالسياسي المباشر وأكثر حضورا في معركة التحرر الوطني بصيغتها الحزبية والفكرية الصدامية، ومحمد المختار السوسي كان أعمقَ اتصالا ببناء الذاكرة السوسية والوطنية من خلال التراجم والرحلات والكتابة الموسوعية، بينما كان عبد الله كنون أقرب إلى بناء “الوسط الثقافي” الذي تتغذى منه هذه المشاريع جميعا: وسطٌ لغوي أدبي تاريخي يجعل من العربية وعاءً للهوية ومن الأدب رصيدا للتربية ومن التاريخ مجالا لترميم الثقة بالذات. أما إذا وسّعنا المقارنة إلى أفقٍ لاحق وذكرنا طه عبد الرحمن مثلا، فإننا نجد أن طه قد اشتغل على نقد العقل المجرد وبناء الائتمانية الأخلاقية في مستوى فلسفي تداولي عميق، بينما كان كنون يشتغل في طور سابق على الشروط الثقافية والاجتماعية التي تجعل لمثل هذا العقل الأخلاقي مجالا للتشكل أصلا؛ أي إنه كان يشتغل على البنية التحتية الرمزية للأمة: اللغة، الذوق، التاريخ، المدرسة، الذاكرة، وهذا الفارق لا يضع أحدهما فوق الآخر بل يكشف تكامل الأدوار في مسار الفكر المغربي الحديث.
إن قيمة عبد الله كنون اليوم لا تقف عند حدود الاحتفاء التاريخي بل تتجدد في قلب الأسئلة الراهنة. فما يزال المغرب كما سائر المجتمعات العربية يواجه أسئلة التعليم واللغة والهوية والعدالة المعرفية، وما تزال المدرسة تعاني في كثير من صورها من انفصالٍ بين التكوين اللغوي وبين صناعة المعنى، وما تزال العربية تُناقش أحيانا بوصفها عبئا بدل أن تُستعاد بوصفها موردا استراتيجيا. وفي هذا السياق تبدو تجربة كنون ذات راهنية شديدة؛ لأنها تذكرنا بأن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير المقررات وحدها ولا من تبديل المصطلحات الإدارية بل يبدأ من إعادة تعريف الغاية من التعليم نفسه، هل نريد متعلمين قادرين على الاستهلاك الوظيفي فحسب أم نريد إنسانا مغربيا متوازنا راسخ الهوية واسع الأفق متصلا بتراثه منفتحا على عصره قادرا على أن يفكر بلغته دون أن ينغلق على غيره؟.
إن عبد الله كنون كان في هذا المعنى سابقا على كثير من السجالات المعاصرة. لقد فهم مبكرا أن التعليم إذا انفصل عن سؤال الهوية تحول إلى تدريبٍ بلا روح، وأن الهوية إذا انفصلت عن التعليم تحولت إلى شعارٍ بلا أثر. وفهم أيضا أن العربية إذا عُزلت عن الأدب ماتت في الوجدان وإذا عُزلت عن الفكر ماتت في العقل وإذا عُزلت عن المدرسة ماتت في الأجيال وإذا عُزلت عن المجتمع ماتت في الحياة. ولذلك فإن مشروعه لم يكن مجرد دفاع عن “لغةٍ مهددة”، بل كان دفاعا عن “إنسانٍ مهدد”؛ إنسان يُراد له أن يفكر بمرجعياتٍ لا يملكها وأن يتكلم بلغةٍ لا تسكن أعماقه وأن ينظر إلى تاريخه بعين غيره وأن يقيس قيمته بمقدار ابتعاده عن أصله، وهنا تبلغ رسالته ذروتها الأخلاقية: مقاومة الاستلاب لا تكون بالصراخ بل ببناء الوعي.
إن عبد الله كنون أسهم في إصلاح المجتمع المغربي من خلال تحويل الثقافة إلى قوة تاريخية. لم يرَ الثقافة زينةً تُعلّق على جدران الذاكرة بل جعلها أداةً للممانعة والتشكيل والتجديد. أعاد الاعتبار للماضي لا ليُعبد بل ليُستثمر. دافع عن العربية لا لتُقدَّس في الخطب بل لتُفعَّل في التعليم والكتابة والتكوين. اشتغل على الأدب لا لترف النخبة بل لصناعة الذوق العام. حضر في المؤسسة لا ليُدجَّن بل ليمنحها مضمونا. كتب التاريخ لا ليؤرخ للمنقضي بل ليؤسس للممكن. وقد كانت مساهمته في الإصلاح أعمق من أن تُقاس بعدد الكتب أو المناصب؛ لأنها مساهمة في تشكيل البنية الرمزية التي بدونها لا يستقيم أي إصلاح آخر.
ولذلك فإن عبد الله كنون يظل في ميزان الفكر المغربي من أولئك الذين لا تُقرأ آثارهم بوصفها وثائق من الماضي بل بوصفها ذخائر لمستقبلٍ لم يُستنفد بعد. إن ما قام به من وصلٍ بين العربية والمجتمع، بين التعليم والهوية، بين الأدب والإصلاح وبين التراث والنهضة لا يزال درسا قائما لكل من أراد أن يفكر في المغرب من داخل المغرب لا من خارجه؛ من داخل لغته وتاريخه وروحه لا من داخل صورٍ مستعارة عنه. وقد كان في هذا كله وفيا لذلك المعنى الجليل الذي عبّر عنه أبو حيان التوحيدي حين قال: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”، فكأن كنون أراد أن يخفف من هذا الإشكال عبر التربية والثقافة واللغة وأن يعيد للإنسان المغربي بعض وضوحه في مرآة نفسه.
إن عبد الله كنون لم يكن مجرد حارسٍ للعربية بل كان صانعا من صناع مغربها الحديث؛ ولم يكن مجرد مؤرخٍ للأدب بل كان مهندسا لوعيٍ ثقافي جديد؛ ولم يكن مجرد مربٍّ في مدرسة بل كان مربّيا لأفقٍ كامل من الأفكار والقيم. وإذا كانت الأمم تُقاس أحيانا بجيوشها واقتصادها، فإنها تُقاس في المقام الأعمق بقدرتها على إنتاج رجالٍ يحفظون لسانها من الذبول وذاكرتها من التبديد ووجدانها من التلاشي. وعبد الله كنون واحدٌ من هؤلاء القلائل الذين أدركوا أن المعركة الكبرى ليست دائما حيث يرتفع الضجيج بل حيث يُصاغ الطفل في فصله وحيث تُكتب اللغة في كتابها وحيث يستعيد المجتمع احترامه لذاته.
إن الوفاء الحقيقي له لا يكون بكثرة الثناء عليه وإن كان أهلا لكل ثناء، بل يكون بإحياء السؤال الذي عاش له: كيف نبني مجتمعا مغربيا قويا حرا أصيلا منفتحا لا يعتذر عن لغته ولا ينفصل عن روحه ولا يخاصم عصره؟ ذلك هو السؤال الذي تركه لنا في صورة سيرة وفي صورة مدرسة وفي صورة كتب وفي صورة ضميرٍ ثقافي ما يزال قادرا إلى اليوم على أن يوقظ فينا معنى النهضة حين يخفت ومعنى العربية حين تُختزل ومعنى الإصلاح حين يضيع بين الشعارات.



