أدبلقاءات

طارق عمراوي في حوار مع بسمة الشوالي: نهلتُ من المنجز الشعريّ العربيّ والعالميّ الكثير

في إطار حواراته الثقافية، يقدّم موقع طريق الحرير اليوم لقاءً مع الكاتبة التونسية بسمة الشوالي،حاورها فيه طارق عمراوي. حوار يكشف مسارات الكتابة وأسئلتها، ويضيء عوالم السرد بين القصة والرواية، ويقارب قضايا الإنسان والهامش والإبداع في سياق عربي معاصر، برؤية جمالية وإنسانية عميقة.

1) كيف تقدّمين الكاتبة بسمة الشوّالي؟

بسمة الشوّالي أستاذة مدارس ابتدائيّة وكاتبة من تونس. أصيلة مدينة بوسالم بولاية جندوبة شمال غربيّ البلاد التونسيّة. 

أكتب الأقصوصة والـ ق ق ج والرّواية والمقال الأدبيّ. 

صدرت لي ستّ مجموعات قصصيّة وروايتان. أربع من هذه المجموعات صدرت بتونس، وهي: “مزالق الحنين،سؤال الحدث المقبل،قناديل المطر،تاء“.

أمّا الاثنتان الأخريان فصدرتا في مصر الشقيقة هذه السنة 2026 عن دارفاصلة للنشروهما: “جلسة شاي في الحديقة الخلفيّة للعمروخلاصة اللّحظة الأخيرة“.

وفي الرواية صدرت ليضمير مستترعندار سحربتونس ورواية الفتيانأبناء النّورعن دارفاصلة للنشربمصر في ديسمبر 2024.

خلال مسيرتي الأدبيّة المتواضعة حظيت بعض قصصي بالجائزة الأولى منها جائزة نادي القصّة بالوردية ( تونس) عن قصّةسنّ اليأسو جائزةمرآة الوسط” ( سيدي بوزيد) عنعصف الأثير، وجائزة الأدباء الشبّان عنعروس العمر الرّذيل“. أمّا عربيّا فنالت قصّةقدّاس منتصف الشتاءالجائزة الأولى في مسابقةمركز النورالعراقيّ بلندن، والثالثة في محور الأدب الساخر لمسابقة دار الملتقى الروائيّ العراقيّ عنفوضى خلاقة“. هذا ونالت مجموعتي الأولىمزالق الحنينجائزة الكريديف ( المركز الوطني للبحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة) عن أفضل الكتابات التونسيّة لسنة 2009. وكانت مجموعةسؤال الحدث المقبلموضوع رسالة ماجستير بكلية العلوم الإنسانية بسوسة. كما بلغت رواية الفتيانأبناء النورالقائمة القصيرة لجائزة كتارا في دورتها الحادية عشر لسنة 2025.

رغم وجودي في منقطة الهامش، بالنظر إلى المركزيّة الثقافيّة المتحكّمة في تدبير الفعل الثقافيّ بالبلاد التونسيّة، إلاّ أنّ منجزي الإبداعيّ استطاع، في جزء هامّ منه على الأقلّ، أن يتّخذ له مقعدا محترما في المدوّنة السرديّة التونسيّة، خاصّة في جنس الأقصوصة. وكان لنادي القصّة بالورديّة الفضل الأوّل في التعريف بقصصي والاهتمام النّقدي بإصداراتي الإبداعيّة، وهو ما ساهم في انتباه بعض النّقاد والفاعلين الثقافيّين لما أكتب عبر القراءات النقدية والتكريمات والمشاركة في بعض الندوات لعلّ آخرها المشاركة احتفائيّة بيت الرواية بتونس بالرواية الواقعية، في منتصف نوفمبر من سنة 2025.

س 2: ما هي أهمّ المدارس التي تفاعلتم معها قراءة وأثّرت في كتاباتكم؟

لا تنتمي تجربتي إلى مدرسة أدبيّة بعينها، فعلاقتي بالكتابة لم تتشكّل داخل أفق نظريّ مغلق، بل نمَت خلال مسار قرائيّ طويل، مفتوح، ومتعدّد، وعبر أزمنة وثقافات ومدارس إبداعيّة مختلفة. وكانت الترجمة، في هذا السياق، بمثابةطريق الحريرالخاصّ بي، سافرتُ عبرها إلى نصوص بعيدة لم يكن بلوغها ممكنا لولا هذا الجسر السّحريّ الرّابط بين العوالم المتباعدة.

لقد نهلتُ من المنجز الشعريّ العربيّ والعالميّ الكثير، وقرأتُ ما تيسّر لي دون انضباط لتوجّه معرفيّ أو ذوقيّ بعينه، لكن، ما استقرّ في عمق تجربتي أكثر من غيره هو ذلك الشغف القديم المتجدّد بالأساطير والملاحم والحكايات الشعبيّة المكتوبة والمحكيّة. لم يكن هذا الشغف مجرّد ولع قرائيّ، بل تحوّل إلى بنية تخييليّة تسكنني وتنبثق في نصوصي كلّما كتبت، فينزاح الواقع باستمرار نحو الأسطرة والإغراب، سواء في تشكيل الشخصيّات أو في مسارات الأحداث.

ولهذا الانجذاب جذورٌ أولى تعود إلى الطفولة. إذ نشأتُ في حيّ شعبيّ يتجاور فيه الواقعيّ بالسحريّ، ويتداخل فيه الدينيّ بالمرويّات الشعبية والخرافيّة، وتُروى فيه الحكاية بوصفها شكلا من أشكال فهم العالم وتأويله. في هذا المناخ، ومع أمّ حكّاءة كانت تنسج الحكاية كما تنسج الدّمى، تشكّلت علاقتي الأولى بالسرد، لا كفعل كتابة فحسب، بل كطريقة في الإصغاء إلى العالم من حولي وإعادة إنشائه وفق خيار جماليّ ملائم لما أروم الكتابة عنه. لذلك فإنّ ما أثّر في كتابتي، حقيقة، ليس مدرسة أدبيّة بعينها أو مدوّنة إبداعيّة دون سواها، بل ذلك التداخل الحيويّ المدهش بين المكتوب والشفهيّ، بين الشعر والسرد، بين الأسطوريّ والملحميّ والتراث الدينيّ المتنوّع للشعوب. وهو تداخل ما يزال يثري مرجعيّاتي اللغويّة والمعرفيّة والفنّية، ويوجّه خياري الجماليّ نحو أفق إبداعيّ يمنح نصوصي هويتها السرّديّة الخاصّة.

س3: ما هي أهمّ الإشكاليات التي اشتغلتم عليها في نصوصكم الإبداعية الروائيّة والقصصية؟

تتنوّع الإشكاليات التي أشتغل عليها في نصوصي السردية من قصّة ورواية وفي مقدّمتها إشكاليات العنف بأشكاله الماديّة والرمزيّة، والقائم بالأساس على التمييز السلبيّ بين الأفراد والفئات الاجتماعية على أسس جندريّة أو اجتماعيّة أو جغرافيّة، كذا محاولة الكتابة عن الهامش بوصفه فضاء للمقموعين والمهمّشين والحالمين التائهين، كما تمّ تناوله في قصص المجموعات الصادرة. إلى جانب سؤال الهويّة والبحث عن الذات في عالم مضطرب، موسوم بالحروب والتوحّش وأشكال الاستغلال المركّب للضّعف البشريّ، كما يتجلّى ذلك في رواية “ضمير مستتر”. 

غير أنّ هذه الإشكاليات لا تحضر في نصوصي بوصفها موضوعات جاهزة أو اختيارات خارجيّة، بقدر ما تنبثق من تجربة وجوديّة قلقة، ومن إحساس عميق بجرح الإنسان المهدَّد في كرامته، والمقموع في صوته، والضائع بين ما يحلم به وما يعيشه. لذلك تبدو الكتابة، في جوهرها، محاولة جماليّة للاقتراب من هذا الداخل الإنساني، لا لتخديره أو تزييفه، بل للإنصات إليه، ولمساءلته بلغة قادرة على احتضان ما يعتمل فيه من توتّر وهشاشة وأمل. ومن هذا المنظور، يتّخذ فعل الكتابة عندي معنى المقاومة، لا بوصفها شعارا، بل باعتبارها انحيازا واعيا لكلّ ما يُقصى أو يُهمَّش أو يُقمع، وسعيا إلى كسر صمت الشخصيّات التي لا تجد سبيلا إلى البوح، وكشف ما يتوارى خلف مظاهر الاستقرار من تصدّعات خفيّة. لذلك تنخرط القصة، كما أكتبها، وجدانيّا وفكريّا في عوالم شخصيّات مأزومة ومركّبة، تتوتّر بتوتّرها وتهدأ بسكونها، وتحمل أثقال خيباتها وانكساراتها، دون أن تُغفل، في الآن نفسه، ومضات الفرح الهشّ وإمكانات الحلم. كما أن انحيازي إلى الهامش لا ينفصل عن رغبتي في منح صوت للأصوات المُغيَّبة، عبر استنطاق تخييليّ يتيح لها أن تعبّر عن نفسها داخل النصّ، بما يجعل من الكتابة فعل إنصاف رمزيّ يقاوم أشكال التمييز والإقصاء، ويعيد الاعتبار للإنسان في تعدّده واختلافه. وقد تجلّى ذلك، على نحو مخصوص، في روايتي الموجّهة للفتيان “أبناء النور”، حيث سعيت إلى تخيّل عالم تتعانق فيه مصائر المتألّمين، ويتقاسم فيه الجميع حقّ الحلم والفرح والحياة الكريمة. ذلك أنّي لا أتعامل مع هذه الإشكاليات كموضوعات منفصلة، بل كنبضات متشابكة تصدر عن جرح واحد: جرح الإنسان. لذلك لا تسعى نصوصي إلى إدانة العالم أو تبرئته، بقدر ما تراهن على مساءلته بعين الفنّ، وبقلب يؤمن بأنّ الكتابة، حين تظلّ وفيّة لجوهرها الإنساني، قادرة على ردّ الاعتبار للمنسيّين، وعلى ترميم ما هدمه الصمت والغياب.

س4: ما هي مشاريعكم المستقبليّة وأهمّ الإشكاليّات التي تودّون الكتابة فيها وعنها؟

أعمل حاليّا على إنهاء نصّ روائيّ جديد. عموما، تنخرط مشاريعي المستقبليّة في امتداد طبيعيّ للمسار الذي اتخذته لنفسي منذ البداية. ولهذا المسار تفرّعان، أوّلهما أن أظلّ على قيد الكتابة أطول فترة ممكنة في ظلّ اليأس الذي يجثم على قلبي الحالم بأفق أرحب لما أكتب واهتمام أكبر بتجربتي التي أزعم أنّها تستحقّ الاهتمام، في ساحة ثقافية ما فتئت تضيق وتنغلق على فئة قليلة من النصوص. 

أمّا الثاني فهو الوفاء لمعنى الكتابة وجدواها كما استقرّ في نفسي، ذلك أنّها تظلّ بالنسبة إليّ طريقة في  التعبير عن الذات، وشكلا جميلا في استضافة الأخر في نفسي عبر منحه حيّزا من الإنصات والاهتمام، وإفساح المجال له ليعبّر بدوره عن نفسه بصوته الذي أنقله إلى آخرين غيره في قصّة أو رواية. باجتهاد لا يفتر، أفعل ذلك، وأحاول قدر الإمكان إنتاج نصوص تحافظ على كثافتها الدلاليّة، ورهافة حسّها الجماليّ، وقربها الإنسانيّ من القارئ. لذلك، فإنّ مشاريعي القادمة لا تنحصر في إنجاز نصوص جديدة فحسب، بل في تعميق هذا الأفق الكتابيّ الذي يجعل من الأدب فرصة للفهم، وفضاء ديمقراطيّا للتعبير الحرّ، و”وطنا” رمزيّا للعيش المشترك في العالم ببعديّه الواقعيّ والتخيليّ.

س5: كيف تقيمون عالم الجوائز الأدبية وطنيا وعربيّا؟

تُسهم الجوائز الأدبيّة، وطنيّا وعربيّا، في إضفاء حركيّة لافتة على المشهد الثقافيّ، إذ تدفع نحو مزيد نشر النصوص الإبداعيّة وتوسيع دائرة الموضوعات والثيمات التي يشتغل عليها الكُتّاب. كما تُعدّ محفّزا مهمّا لتجديد أدوات الكتابة وأساليبها، بما يواكب تحوّلات الذائقة القرائيّة ومستجدّات المناهج النّقديّة، بما يستجيب لرهانات الإبداع المعاصر. وفي هذا السياق، يتحوّل التنافس على الجوائز إلى شكل من أشكال الديناميكيّة الحيوية الثقافية، بما يخلقه من حركيّة إيجابيّة تدفع المبدعين إلى الارتقاء بأعمالهم، لا سيما في حقل الرواية التي تحظى بأكبر قدر من الجوائز المحتفية بها. ومن جهة أخرى، تتيح الجوائز للنصوص الفائزة وأصحابها فرصا أوسع للانتشار، وترجمة نصوصهم كما في الجوائز العربيّة الهامّة، وهذا يمنح الأعمال الفائزة نوعا من “شرعيّة العبور” نحو جمهور أرحب وفضاءات جغرافية وثقافية لم تكن متاحة من قبل بالقدر نفسه، وهو ما يُعدّ مكسبا مهمّا، للكاتب التونسي، الذي يسعى إلى تجاوز حدود التلقّي المحليّ.

غير أنّ هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من إشكالات، إذ غالبا ما تُثار حول الجوائز نقاشات حادة تتعلّق بمدى شفافية آليات التحكيم، ومصداقية لجانه، وأحقيّة بعض الفائزين بها معرّضة الروح التنافسيّة إلى المساءلة. وقد يؤدّي هذا الجدل، في كثير من الأحيان، إلى إضعاف الثقة في هذه المؤسسات الثقافية، ويحوّل لحظة التتويج من مناسبة للاحتفاء بالإبداع إلى مجال للتشكيك فيه، والتجاذب غير الصحّيّ بين الكُتّاب. في وضع مشوب بالتوتّر وعدم الثقة، تصير الجوائز الأدبيّة وطنيّا سيفا ذا حدّين: فهي من جهة تُنشّط الحركة الإبداعية وتوسّع آفاقها، ومن جهة أخرى قد تُعمّق، في حال غياب الشفافية واتساع مساحة الخلاف بين الكتّاب، أزمة المصداقيّة داخل الحقل الأدبيّ، بما ينعكس سلبا على علاقة الكاتب بالقارئ، ويزيد من حدّة الفجوة القائمة بينهما.

س6: لماذا لم ننافس إلى اليوم الأدب العالمي ومتى تترجم نصوصنا وتتجاوز حدودنا الوطنية والعربية؟  

لا يمكن فهم عجز الأدب التونسيّ عن تجاوز حدوده الوطنيّة والعربية في الأوساط العالميّة، ولا بطء ترجمة نصوصه، بمعزل عن عدّة أسباب تتعلّق بوضعيّة الكتاب التونسيّ من جهة، وبالتحوّلات التي يشهدها “الاقتصاد الثقافي العالمي الجديد” من جهة أخرى. ولعلّ الإشكال لا يعود إلى غياب نصوص قادرة على المنافسة، بقدر ما يرتبط بغياب الشروط التي تمكّنها من ذلك.

على الصّعيد التونسيّ، يعاني الكتاب الإبداعيّ الورقيّ في مختلف أجناسه الأدبيّة من صعوبة النّشر، وعزوف القرّاء، وضعف مسالك التوزيع، إن وجدت. هذا فضلا عن التناسب العكسيّ الصارخ بين النسق السّريع لحركة النشر والبطء اللافت لحركة النقد. فقلّة هي الكتب التي تنجح في اختراق حاجز المركزيّة الثقافيّة ببلادنا، وتتمكّن بطريقة أو أخرى من والوصول إلى عدد أكبر من القرّاء خارج الدّائرة الجغرافيّة أو الاجتماعيّة الضيّقة المحيطة بالكاتب، وبالتالي نيل حظوة التناول النقديّ الجادّ. كما ما يزال  الاهتمام النقديّ والقرائيّ بالإبداع التونسيّ منحصرا في أفضية أكاديمية وثقافية ضيّقة وشبه منغلقة، ومرتبطا، من جانب آخر، بفئة قليلة من الأسماء المكرّسة أو المقرّبة من دوائر الفعل الثقافيّ المركزيّ.

أمّا عالميّا، فلم يعد الأدب يُتداول بوصفه قيمة رمزيّة خالصة، بل أصبح جزءا من سوق ثقافيّة كبرى تتحكّم فيها دور نشر عابرة للحدود، وشبكات توزيع، ومنصّات رقميّة متطوّرة، وآليات تسويق حديثة تصنع الكاتب العالميّ بقدر ما تروّج للنصّ ذاته. وهذا يتمّ عبر منظومات متكاملة: صناعة نشر احترافيّة، وكالات أدبيّة فاعلة، برامج ترجمة مُمَأسسة، وحضور قويّ في المعارض الدّوليّة والمنصّات الرقمية. أمّا تونسيّا، فإنّ “السوق الثقافي”، إن جاز لنا الحديث عن سوق فعليّة قائمة بذاتها، ما يزال بعيدا جدّا عن هذا الأفق. فالحراك الثقافيّ يعاني من هشاشة بنيويّة عميقة: ضعف في سياسات النّشر والترجمة، محدوديّة في شبكات التوزيع، انعدام مشروع تربوي ثقافيّ يشتغل على إعادة ترميم العلاقة المتصدّعة بين المواطن التونسيّ والقراءة عموما، إضافة إلى هيمنة منطق الظرفيّة، كالنشر المناسباتيّ من أجل المعرض الدوليّ للكتاب أو مواسم الجوائز الوطنية والعربيّة، بدل التخطيط طويل المدى.

في ظروف كهذه وغيرها، يظلّ النصّ التونسيّ، رغم قيمته الجماليّة والمعرفيّة وسعيه الدؤوب لتجديد أدواته وأساليبه الفنيّة ورغم ألقه عربيّا، وقدرته على المنافسة خارج حدود الوطن، يظلّ حبيس مجاله التداوليّ الضيّق، للأسف. فالإشكال لا يرتبط بغياب النصوص القادرة على العبور، بل بغياب القنوات التي تمكّنها من ذلك. وعليه، لن تترجم نصوصنا وتتجاوز حدودها إلاّ عندما يتأسّس مشروع وطنيّ رصين وطويل المدى، يُفعّل في مستوى مراكز القرار، وينشّط حركة النقد، ويطوّر النشر والتوزيع، ويجعل من الترجمة إلى لغات العالم رهانا استراتيجيّا حقيقيّا يدفع بالكتاب التونسيّ إلى مكانته المستحقّة في الأسواق الثقافيّة العالميّة.

س7: في المراوحة بين القصة والرواية في مدونتكم الإبداعية، أين تجد الكاتبة قلمها عند القصة أو الرواية أو هل تحكمكم رؤية خاصة طبقا للإشكاليات والأسئلة الحارقة التي تشتغلون عليها؟

لا تقع الكتابة الإبداعيّة لديّ أسيرة شكل فنيّ بعينه، بقدر ما تأتسر لذلك الهاتف الخفيّ الغامض وغير المريح أحيانا الذي يوقظ الرّغبة في مكامنها العميقة. فحيثما تتشكّل قصّة تقضّ هدأة الطمأنينة وتثير دوّامات الأسئلة، يفلق القلم بذرة السّكينة الكسول، يكابد مشقّة التطوّر والنماء ثمّ يثمر نصّا في هيئة أقصوصة، أو قصة قصيرة جدّا، أو رواية، أو مقال أدبيّ. إنّ معيار الاختيار لا يتحدّد سلفا، ولا يُملى عليّ من الخارج، بل يتشكّل من داخل التجربة الإبداعيّة نفسها: من درجة التوتّر التي تنطوي عليها القصّة، ومن الحيّز الدلاليّ والجماليّ الذي تحتاجه كي تنمو وتكتمل. فبعض القصص لا تحتمل الامتداد، فتتوهّج في التكثيف والإيجاز، فيما لا ترضى أخرى إلاّ بأن تتشعّب في حقل السّرد الممتدّ، منشئة عوالمها في أفق الرواية. فليس هناك معادلة بعينها تحكم قلمي عند الكتابة، بل ما يحتاجه التوتر الداخلي من المساحة اللغويّة للتعبير عن نفسه.

تكتب الكاتبة إذن في منطقة قلقة، ملتبسة، مشحونة بالتوتّر والتشظّي والصمت، منطقة لا يُقال فيها المعنى مباشرة، بل يُنحت من صخر الصّبر المتشقّق، من هسيس الانكسارات الدّاخلية للشّخصيات، ومن الألغام الصّغيرة المزروعة بين الصمت الثّائر وحريّة التعبير المكمّمة، تلك التي كلّما داس عليها قدم المبدع الحسّاس انفجرت ينابيع جماليّة تأسر المتلقّي رغم قسوتها أحيانا.إنّ المراوحة بين القصة  والرواية لدينا ليست انتقالًا شكليّا، أو رغبة طوعيّة في التجريب وتنويع الأشكال الفنيّة، بل هي استجابة جماليّة لقلق إبداعيّ يحشرج بالدّاخل ما فتئ يبحث عن الحضن اللغويّ القادر على استيعاب شجونه وامتداده في أفق المعنى، وتحويله إلى شبكة دلاليّة متعدّدة، حسّاسة للاختلال، ومصغية بأدب إنسانيّ لما يتوارى خلف ربوة اللغة المعشبة، أو في جوفها المتكتّم.

س8: هل هو زمن الرواية ما هو رأيكم؟ 

يبدو أنّنا نعيش زمن الرواية، غير أنّه زمنٌ ملتبس ومحفوف بمخاطر لم يعرفها هذا الفنّ من قبل، إذ تتكاثر النصوص وتتزاحم العناوين، لكنّ السؤال الحقيقيّ لم يعد في الكمّ بل في الجوهر. فالرواية اليوم تواجه تحدّيا مزدوجا: من جهة، باتت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على توليد نصوص سرديّة متماسكة في ظاهرها، غير أنّها تظلّ نصوصا تقنية مصقولة بنفس بارد، تفتقر إلى التجربة الإنسانيّة الموسومة بالهشاشة والضّعف والاختلال الدالّ على الطبيعة البشريّة الحيّة، نصوص روائيّة تُغري بالسرعة أكثر ممّا تراهن على العمق، وتُشبه الرواية دون أن تبلغ حقيقتها. ومن جهة أخرى، تتآكل الذائقة القرائيّة تحت ضغط ثقافة الاختصار وتسارع الإيقاع وهيمنة الوسائل التكنولوجيّة الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعيّ مقابل تراجع الكتاب في صيغته الكلاسيكيّة، حيث يتراجع صبر القارئ لصالح الأشكال القصيرة والمكثّفة، وتسحبه وسائل التواصل الاجتماعيّ نحو الكتابات الذّاتيّة البسيطة أو محاولاتالكتابة الأدبيّةالتي تغدو بين عشيّة وضحاهاروايةلهاقّراء  ومعجبون، في انسجام مع زمن لا يمنح التأمّل ما يكفي من الامتداد بقدر ما يشجّع على الاستسهال، والإسهال الحبريّ.

إنّ ما نسمّيهزمن الروايةهو في حقيقته زمنٌ متحوّل، تتعرّض فيه الرواية لضغط ثلاثيّ الأبعاد: التقنية التي تحاكيها، والتسرّع الذي يهدّد استرسالها الجمالي، والاستسهال الذي يحوّلها إلى مجرّد وفرة كتابيّة. ومع ذلك، تظلّ الرواية فنّا مقاوما قائما على جوهرها الأصيل. ورهانها اليوم هو أن تصمد في مواجهة ما يستعجلها على الاكتمال دون إتاحة الوقت المناسب لاكتمال نضوجها الفنيّ والجماليّ، وما يُقلّدها فيُفرغها من كثافتها، وأن تُخاطب قارئا ما يزال يؤمن بأنّ قراءة الأدب الجيّد ضرورة حياتيّة لا غنى عنها.

س9: هل من كلمة للختام؟

أشكركم في البدء على مناسبة القول هذه، وأشكر القرّاء على الاستماع إلينا طيلة هذا الحوار. الكتابة هي آخر حدائقنا للتنزّه معا، يحمل بعضنا بعضا، نتبادل القصص والأحلام، نختلف أحيانا حول عدد النجوم الساطعة في سماء الإبداع ونتّفق دوما على أنّ هذه السماء تسعنا جميعا، ونظلّ على حلم بأن نكتب كثيرا وجيّدا حتى نشرق معا. 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى